بَاب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ
باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلّي عَلَى الْجُمْدِ وَالْقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ . وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ . 377 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، قَالَ : سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ ؟ فَقَالَ : مَا بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي ، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ .
فَهَذَا شَأْنُهُ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ عبد الله : سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَقُلْتُ : إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا .
قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ لِمَنْ كَانَ إِمَامًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ ، وَالْجَمْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ : الْمَاءُ إِذَا جَمَدَ ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الثَّلْجِ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، قَالَ الْقَزَّازُ : الْجَمَدُ مُحَرَّكُ الْمِيمِ هُوَ الثَّلْجُ ، نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الصِّحَاحِ : الْجُمُدُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ أَيْضًا مِثْلِ عُسُرٍ وَعُسْرٍ : الْمَكَانُ الصُّلْبُ الْمُرْتَفِعُ . قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا ، بَلْ صَوَّبَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْقَنَاطِرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ تَحْتَهُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ ، وَالْغَرَضُ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ يَخْتَصُّ بِمَا لَاقَى الْمُصَلِّي ، أَمَّا مَعَ الْحَائِلِ فَلَا .
قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ ) ، وَلِلْمُسْتَمْلِي : عَلَى سَقْفٍ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَصَالِحٌ فِيهِ ضَعْفٌ ، لَكِنْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ فَاعْتُضِدَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ .
قَوْلُهُ : ( مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي النَّاسِ ، ( أَعْلَمُ مِنِّي ) أَيْ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَثْلٍ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ ، وَالْغَابَةُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ ) اخْتُلِفَ فِي اسْمِ النَّجَّارِ الْمَذْكُورِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ ، وَأَقْرَبُهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّارٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ : مَيْمُونٌ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمِنْبَرِ .
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُعْرَفُ اسْمُهَا لَكِنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ النَّجَّارَ كَانَ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ مَوْلَى امْرَأَتِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ مَجَازًا ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ فَكِيهَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ دُلَيْمٍ ، وَهِيَ ابْنةُ عَمِّهِ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةَ . لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ .
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ نَقْلًا عَنْ جَعْفَرٍ المُسْتَغْفِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فِي أَسْمَاءِ النِّسَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُلَاثَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ ، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : وَفِيهِ أَرْسَلَ إِلَى عُلَاثَةَ امْرَأَةً قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى : صَحَّفَ فِيهِ جَعْفَرٌ أَوْ شَيْخُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ فُلَانَةُ ، انْتَهَى . وَوَقَعَ عِنْدَ الْكِرْمَانِيِّ قِيلَ : اسْمُهَا عَائِشَةُ ، وَأَظُنُّهُ صَحَّفَ الْمُصْحَفَ ، وَلَوْ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَيَخْطُبُ إِلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهَا ، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْبَرَهُ هَذَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
وَلَوْ صَحَّ لَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا إِلَّا بِتَعَسُّفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَفِيهِ جَوَازُ اخْتِلَافِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْعُلْوِّ وَالسُّفْلِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي حِكَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِارْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعْلِيمِ لَمْ يَسْتَقِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ ، وَلِانْفِرَادِ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ مُعْتَبَرٍ تَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةُ اعْتِبَارَهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ .
قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَقُلْتُ ) أَيْ قَالَ عَلِيٌّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَدْ رَاجَعْتُ مُسْنَدَهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَخْرَجَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَ سَهْلٍ : كَانَ الْمِنْبَرُ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ فَقَطْ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ : فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا جَمِيعُ الْحَدِيثِ لَا بَعْضُهُ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا وَهُوَ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ ، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْهُ عَلِيًّا ، وَلَهُ عِنْدَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخَشَبِ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ لَبِنَةً لِيَسْجُدَ عَلَيْهَا إِذَا رَكِبَ السَّفِينَةَ ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوُهُ . وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ .