4376 - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ مَيْمُونٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ يَقُولُ : كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الْآخَرَ ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلَّا نَزَعْنَاهُ ، وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ . 4377 - وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ : كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي ، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَارِكِيُّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُكْنَى أَبَا هَمَّامٍ ، بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ ، أَكْثَرَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ . قَوْلُهُ : ( هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَحْسَنُ بَدَلَ أَخْيَرَ ، وَأَخْيَرُ لُغَةٌ فِي خَيْرٍ . وَالْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ الْحِسِّيَّةِ مِنْ كَوْنِهِ أَشَدَّ بَيَاضًا أَوْ نُعُومَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحِجَارَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ . قَوْلُهُ : ( جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ هُوَ الْقِطْعَةُ مِنَ التُّرَابِ تُجْمَعُ فَتَصِيرُ كَوْمًا وَجَمْعُهَا الْجُثَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ نَحْلُبُهَا عَلَيْهِ ) أَيْ لِتَصِيرَ نَظِيرَ الْحَجَرِ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ بِحَلَبِهِمُ الشَّاةَ عَلَى التُّرَابِ مَجَازُ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَقَرَّبُونَ إِلَيْهِ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اللَّبَنِ . قَوْلُهُ : ( مُنْصِلُ ) بِسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ ، وَقَدْ فَسَّرَهُ بِنَزْعِ الْحَدِيدِ مِنَ السِّلَاحِ لِأَجْلِ شَهْرِ رَجَبٍ إِشَارَةً إِلَى تَرْكِهِمُ الْقِتَالَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ الْحَدِيدَ مِنَ السِّلَاحِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَيُقَالُ : نَصَلْتُ الرُّمْحَ إِذَا جَعَلْتُ لَهُ نَصْلًا ، وَأَنْصَلْتُهُ إِذَا نَزَعْتُ مِنْهُ النَّصْلَ . قَوْلُهُ : ( وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ ) بِالْفَتْحِ أَيْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ . وَلِبَعْضِهِمْ لِشَهْرِ رَجَبٍ أَيْ لِأَجْلِ شَهْرِ رَجَبٍ . وَأَخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ فِي ذِكْرِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ أَنَّهُ ذَكَرَ الدِّمَاءَ فَعَظَّمَهَا وَقَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ نَزَعَ أَحَدُهُمْ سِنَانَهُ مِنْ رُمْحِهِ ، وَجَعَلَهَا فِي عُلُومِ النِّسَاءِ وَيَقُولُونَ : جَاءَ مُنَصِّلُ الْأَسِنَّةِ ، ثُمَّ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَوْدَجَ عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ كَأَنَّهُ قُنْفُذٌ ، فَقِيلَ لَهُ : قَاتَلْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : لَقَدْ رَمَيْتُ بَأَسْهُمٍ . فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَقُولُ مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ : مَا كَانَ إِلَّا أَنْ رَأَيْنَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَمَا تَمَالَكْنَا . قَوْلُهُ : ( وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ ) هُوَ حَدِيثٌ آخَرُ مُتَّصِلٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامًا أَرْعَى الْإِبِلَ عَلَى أَهْلِي ، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ ، إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ) الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ : بُعِثَ أَيِ اشْتُهِرَ أَمْرُهُ عِنْدَهُمْ ، وَمُرَادُهُ بِخُرُوجِهِ أَيْ ظُهُورِهِ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ بِفَتْحِ مَكَّةَ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَبْدَأَ ظُهُورِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَلَا خُرُوجَهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِطُولِ الْمُدَّةِ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ خُرُوجِ مُسَيْلِمَةَ . وَدَلَّتِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ أَبَا رَجَاءٍ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَ مُسَيْلِمَةَ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عُطَارِدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ بَطْنٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَجَاحًا بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ أَيْضًا فَتَابَعَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهَا ، ثُمَّ بَلَغَهَا أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ فَخَادَعَهَا إِلَى أَنْ تَزَوَّجَهَا وَاجْتَمَعَ قَوْمُهَا وَقَوْمُهُ عَلَى طَاعَةِ مُسَيْلِمَةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ · ص 692 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال · ص 25 371 - حدثنا الصلت بن محمد قال : سمعت مهدي بن ميمون قال : سمعت أبا رجاء العطاردي يقول : كنا نعبد الحجر فإذا وجدنا حجرا هو أخير منه ألقيناه وأخذنا الآخر ، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به ، فإذا دخل شهر رجب قلنا ننصل الأسنة فلا ندع رمحا فيه حديدة ، ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه ، وألقيناه شهر رجب ، وسمعت أبا رجاء يقول : كنت يوم بعث النبي صلى الله عليه وسلم غلاما أرعى الإبل على أهلي ، فلما سمعنا بخروجه فررنا إلى النار إلى مسيلمة الكذاب . مطابقته للترجمة في قوله : مسيلمة الكذاب ، والصلت بفتح الصاد المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ابن محمد بن عبد الرحمن الخاركي بالخاء المعجمة البصري الثقة ، وأبو رجاء ضد الخوف عمران بن ملحان العطاردي بالضم نسبة إلى عطارد بطن من تميم أسلم زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ولم يره ، وهذا لا يحسب من الثلاثيات لأنه لم يرو حديثا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بل حكى عن حاله فقط بخروجه أي بظهوره على قومه من قريش بفتح مكة ، وليس المراد منه مبدأ ظهوره بالنبوة ، ولا خروجه من مكة إلى المدينة . قوله ( هو أخير ) بمعنى خير ، وليس بمعنى أفعل التفضيل ، وفي رواية الكشميهني أحسن بدل أخير ، والمراد بالخيرية الحسية من كونه أشد بياضا أو نعومة ، ونحو ذلك من صفاة الحجارة المستحسنة . قوله : ( جثوة ) بضم الجيم ، وسكون الثاء المثلثة ، وهي القطعة من التراب يجمع فيصير كوما ، ويجمع على جثى . قوله : ( فحلبنا عليه ) أي على التراب ، والحلب على التراب إما حقيقة ، وإما مجاز عن التقرب إليه بصدقة له . قوله : ( ننصل ) الأسنة بضم النون الأولى ، وسكون الثانية ، وكسر الصاد المهملة ، يقال : أنصلت الرمح إذا نزعت منه سنانه ، ونصلته إذا جعلت له نصلا ، وفي رواية الكشميهني بضم النون الأولى ، وفتح الثانية ، وتشديد الصاد ، وكانوا ينزعون الحديد من السلاح إذا دخل شهر رجب لترك القتال فيه لتعظيمه . قوله : ( فلا ندع ) إلى قوله : ( وسمعت ) تفسير لقوله ننصل الأسنة ، وهو جمع سنان . قوله : ( شهر رجب ) أي في شهر رجب ، ويروى لشهر رجب . قوله ( وسمعت أبا رجاء ) إلخ حديث آخر متصل بالإسناد المذكور ، وفاعل سمعت مهدي بن ميمون الراوي . قوله : ( إلى مسيلمة ) الكذاب بدل من قوله : ( إلى النار ) بتكرير العامل ، والله أعلم .