71 - بَاب قِصَّةُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ 4378 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرامِيُّ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ ، وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ : أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَكَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزٍ ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ قَضِيبٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ : إِنْ شِئْتَ خَلَّيْتَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْأَمْرِ ، ثُمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدَكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْقَضِيبَ مَا أَعْطَيْتُكَهُ ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ ، وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ سَيُجِيبُكَ عَنِّي ، فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( قِصَّةُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ ) بِسِكُونِ النُّونِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ جَوَازَ فَتْحِهَا وَلَمْ أَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مُكْثِرٌ ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ سَعْدٍ الزُّهْرِيُّ ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ) أَرَادَ بِهَذَا أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْمُبْهَمَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ لَا أَخُوهُ مُوسَى ، وَمُوسَى ضَعِيفٌ جِدًّا وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ثِقَةٌ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى بِثَمَانِينَ سَنَةً . وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ : صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدَةَ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ . وَسَاقَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ الْحَدِيثَ مُرْسَلًا . وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مَوْصُولًا لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ وَكَانَ تَحْتَهُ ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ كُرَيْزٍ ) وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَالَّذِي وَقَعَ هُنَا أَنَّهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ، قِيلَ : الصَّوَابُ أُمُّ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ لَا أُمُّهُ ، فَإِنَّ أُمَّ ابْنِ عَامِرٍ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ الْعَدَوِيَّةُ . وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَّجَهٌ . وَلَعَلَّهُ كَانَ فِيهِ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَإِنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَلَدًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَاسْمِ أَبِيهِ ، وَهُوَ مِنْ بِنْتِ الْحَارِثِ وَاسْمُهَا كَيِّسَةُ بِتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَهِيَ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ ، وَلَهَا مِنْهُ أَيْضًا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ ، وَكَانَتْ كَيِّسَةُ قَبْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ تَحْتَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ السِّرُّ فِي نُزُولِ مُسَيْلِمَةَ وَقَوْمِهِ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا كَانَتِ امْرَأَتَهُ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِدَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ اسْمَهَا رَمْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدٍ ، وَهِيَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ، وَلَهَا صُحْبَةٌ ، وَتُكْنَى أُمَّ ثَابِتٍ ، وَكَانَتْ زَوْجَ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ ، فَكَلَامُ ابْنِ سَعْدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَارَهَا كَانَتْ مُعَدَّةً لِنُزُولِ الْوُفُودِ ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ فِي وَفْدِ بَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي كِلَابٍ وَبَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ نَزَلُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ حُبِسُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَتَعَقَّبَ السُّهَيْلِيُّ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ بِأَنَّ الصَّوَابَ بِنْتُ الْحَارِثِ ، وَهُوَ تَعَقُّبٌ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ نَزَلُوا بِدَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ كَسَائِرِ الْوُفُودِ ، وَمُسَيْلِمَةُ وَحْدَهُ نَزَلَ بِدَارِ زَوْجَتِهِ بِنْتِ الْحَارِثِ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ الصَّوَابَ مَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ وَالْوَفْدَ نَزَلُوا فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، وَكَانَتْ دَارُهَا مُعَدَّةً لِلْوُفُودِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا أَيْضًا : بِنْتُ الْحَارِثِ ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِ النِّسَاءِ فَقَالَ : رَمْلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَيُقَالُ لَهَا ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ وَسَاقَ نَسَبَهَا . وَأَمَّا زَوْجَةُ مُسَيْلِمَةَ وَهِيَ كَيِّسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ، فَلَمْ تَكُنْ إِذْ ذَاكَ بِالْمَدِينَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عِنْدَ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ ، فَلَمَّا قُتِلَ تَزَوَّجَهَا ابْنُ عَمِّهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ بَعْدَ ذَلِكَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَعَلْتَهُ لَنَا بَعْدَكَ ) هَذَا مُغَايِرٌ لِمَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ ادَّعَى الشَّرِكَةَ ، إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ . 4379 - قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَنْ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي ذَكَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنَّهُ وُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ ، فَفُظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا ، فَأُذِنَ لِي فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا ، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : ذُكِرَ لِي ) كَذَا فِيهِ بِضَمِّ الذَّالِ مِنْ ذَكَرَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَقَدْ وَضَحَ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو هُرَيْرَةَ . قَوْلُهُ : ( إِسْوَارَانِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ تَثْنِيَةُ إِسْوَارٍ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي السِّوَارِ ، وَالسِّوَارُ بِالْكَسْرِ وَيَجُوزُ الضَّمُّ ، وَالْأُسْوَارُ أَيْضًا صِفَةٌ لِلْكَبِيرِ مِنَ الْفَرَسِ : وَهُوَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ مَعًا بِخِلَافِ الْإِسْوَارِ مِنَ الْحُلِيِّ فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ فَقَطْ . قَوْلُهُ : ( فَفَظِعْتُهُمَا وَكَرِهْتُهُمَا ) بِفَاءٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ، يُقَالُ : فَظِعَ الْأَمْرُ فَهُوَ فَظِيعٌ إِذَا جَاوَزَ الْمِقْدَارَ ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْفَظِيعُ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ ، وَجَاءَ هُنَا مُتَعَدِّيًا ، وَالْمَعْرُوفُ فَظِعْتُ بِهِ وَفَظِعْتُ مِنْهُ فَيُحْتَمَلُ التَّعْدِيَةُ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ خِفْتُهُمَا ، أَوْ مَعْنَى فَظِعْتُهُمَا اشْتَدَّ عَلَيَّ أَمْرُهُمَا . قُلْتُ : يُؤَيِّدُ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَاضِيَةِ قَرِيبًا وَكَبُرَا عَلَيَّ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ) أَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَقَدْ ذَكَرْتُ خَبَرَهُ ، وَأَمَّا الْعَنْسِيُّ ، وَفَيْرُوزُ فَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ أَنَّ الْعَنْسِيَّ وَهُوَ الْأَسْوَدُ وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا : ذُو الْخِمَارِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لِأَنَّهُ كَانَ يُخَمِّرُ وَجْهَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمُ شَيْطَانِهِ . وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ خَرَجَ بِصَنْعَاءَ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَغَلَبَ عَلَى عَامِلِ صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ مَرَّ بِهِ فَلَمَّا حَاذَاهُ عَثَرَ الْحِمَارُ فَادَّعَى أَنَّهُ سَجَدَ لَهُ ، وَلَمْ يَقُمِ الْحِمَارُ حَتَّى قَالَ لَهُ شَيْئًا فَقَامَ . وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بُزْرُجَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ ، ثُمَّ رَاءٌ مَضْمُومَةٌ ثُمَّ جِيمٌ قَالَ : خَرَجَ الْأَسْوَدُ الْكَذَّابُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَنْسٍ يَعْنِي بِسُكُونِ النُّونِ وَكَانَ مَعَهُ شَيْطَانَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا سُحَيْقٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَقَافٍ مُصَغَّرٌ وَالْآخَرُ شُقَيْقٌ بِمُعْجَمَةٍ وَقَافَيْنِ مُصَغَّرٌ ، وَكَانَا يُخْبِرَانِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَحْدُثُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ ، وَكَانَ بَاذَانُ عَامِلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَنْعَاءَ فَمَاتَ ، فَجَاءَ شَيْطَانُ الْأَسْوَدِ فَأَخْبَرَهُ ، فَخَرَجَ فِي قَوْمِهِ حَتَّى مَلَكَ صَنْعَاءَ وَتَزَوَّجَ الْمَرْزُبَانَةَ زَوْجَةَ بَاذَانَ ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي مُوَاعَدَتِهَا دَادَوَيْهِ ، وَفَيْرُوزَ وَغَيْرِهِمَا حَتَّى دَخَلُوا عَلَى الْأَسْوَدِ لَيْلًا ; وَقَدْ سَقَتْهُ الْمَرْزُبَانَةُ الْخَمْرَ صَرْفًا حَتَّى سَكِرَ ، وَكَانَ عَلَى بَابِهِ أَلْفُ حَارِسٍ . فَنَقَبَ فَيْرُوزُ وَمَنْ مَعَهُ الْجِدَارَ حَتَّى دَخَلُوا فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ ، وَأَخْرَجُوا الْمَرْأَةَ وَمَا أَحَبُّوا مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ ، وَأَرْسَلُوا الْخَبَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَافَى بِذَلِكَ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ : أُصِيبَ الْأَسْوَدُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَأَتَاهُ الْوَحْيُ فَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَقِيلَ : وَصَلَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ صَبِيحَةَ دَفْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِصَّةُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ · ص 693 عمدة القاري شرح صحيح البخاريقصة الأسود العنسي · ص 25 ( قصة الأسود العنسي ) أي هذه قصة الأسود العنسي ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . 372 - حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح ، عن ابن عبيدة بن نشيط ، وكان في موضع آخر اسمه عبد الله أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث ، وكانت تحته بنت الحارث بن كريز ، وهي أم عبد الله بن عامر ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه ثابت بن قيس بن شماس ، وهو الذي يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة : إن شئت خليت بيننا وبين الأمر ثم جعلته لنا بعدك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه ، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت ، وهذا ثابت بن قيس ، وسيجيبك عني ، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ، قال عبيد الله بن عبد الله : سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكر ، فقال ابن عباس : ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدي سواران من ذهب ففظعتهما وكرهتهما ، فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان ، فقال عبيد الله : أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن ، والآخر مسيلمة الكذاب . ليست فيه قصة العنسي ، وإنما فيه قصة مسيلمة بطريق الإرسال ، وفيها ذكر العنسي ، وسعيد بن محمد أبو عبد الله الجرمي بفتح الجيم ، وسكون الراء نسبة إلى جرم ، وجرم في قبائل في قضاعة جرم بن زبان ، وفي بجيلة جرم بن علقمة ، وفي عاملة جرم بن شعل ، وفي طي جرم ، وهو ثعلبة بن عمرو هو شيخ مسلم أيضا ثقة مكثر ، ويعقوب بن إبراهيم يروي عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وصالح هو ابن كيسان ، وابن عبيدة بضم العين ابن نشيط بفتح النون ، وكسر الشين المعجمة ، وبالطاء المهملة ، واسمه عبد الله بن عبيدة ، وبينه بقوله وفي موضع آخر اسمه عبد الله احترازا عن أخيه موسى بن عبيدة ، وهو ضعيف جدا ، وأخوه عبد الله ثقة ، وكان عبد الله أكبر من موسى بثمانين سنة ، وعبيد الله بضم العين ابن عبد الله بالفتح ابن عتبة بضم العين ، وسكون التاء المثناة من فوق ابن مسعود الهذلي أحد الفقهاء السبعة . وفي هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق ، وهم صالح ، وابن عبيدة ، وعبد الله . قوله ( فنزل ) إلى قوله : ( فأتاه كريز ) بضم الكاف ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره زاي ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، وفيه وهي أم عبد الله بن عامر ، وقال الدمياطي : الصواب أم أولاد عبد الله بن عامر لأنها زوجته لا أمه فإن أم ابن عامر أروى بنت كريز ، وهي والدة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ، وقيل : لعله كان فيه أم عبد الله بن عبد الله بن عامر فإن لعبد الله بن عامر ولدا اسمه عبد الله كاسم أبيه ، وهو من بنت الحارث ، واسمها كيسة بتشديد الياء آخر الحروف بعدها سين مهملة ، وهي بنت عم عبد الله بن عامر بن كريز ، ولها منه أيضا عبد الرحمن ، وعبد الملك ، وكانت كيسة قبل عبد الله بن عامر بن كريز تحت مسيلمة الكذاب ، وإذا ثبت ذلك ظهر وجه نزول مسيلمة عليها لكونها كانت امرأته ، وقال الكرماني : وبنت الحارث بالمثلثة امرأة من الأنصار من بني النجار . قلت : هذا من كلام ابن إسحاق ، وذكر غيره أن اسمها رملة بنت الحارث بن نعامة بن الحارث بن زيد ، وهي من الأنصار من بني النجار ، ولها صحبة ، وتكنى أم ثابت ، وكانت زوج معاذ بن عفراء الصحابي المشهور ، وقال ابن سعد : كانت دار بنت الحارث معدة لنزول الوفود فإنه ذكر في وفد بني محارب ، وبني كلاب ، وبني تغلب ، وغيرهم نزلوا في دار بنت الحارث انتهى . قلت : إذا كان الأمر كذلك فلا حاجة إلى ذكر وجه نزول مسيلمة في دار بنت الحارث لأنه من جملة الوفود . قوله : ثم جعلته أي الأمر . قوله : ( بعدك ) يرد كلام ابن إسحاق أنه ادعى الشركة ، ولكن يحمل على أنه ادعى ذلك بعد أن رجع . قوله : ( ذكر ) على صيغة المجهول ، والذاكر هو أبو هريرة يظهر ذلك من الحديث الذي قبله . قوله : ( ففظعتهما ) من فظع بالفاء ، والظاء المعجمة ، والعين المهملة ، يقال فظع الأمر فهو فظيع إذا جاوز المقدار ، وقال الكرماني : بكسر الظاء . قلت : ليس بصحيح بل هو بضم الظاء ، وقال الجوهري : فظع الأمر بالضم فظاعة ، وذكره في دستور اللغة من باب بصر يبصر ، وفي التوضيح يقال : فظع الأمر بالضم فظاعة فهو فظيع أي شديد بشيع جاوز المقدار ، وكذلك أفظع الأمر فهو مفظع ، وأفظع الرجل على ما لم يسم فاعله أي نزل به أمر عظيم ، وقال ابن الأثير : الفظيع الأمر الشديد ، وجاء هنا متعديا ، والمعروف فظعت به ، وفظعت منه ، فيحمل التعدية على المعنى أي خفتهما أو اشتد أمرهما على قوله الذي قتله فيروز باليمن ، ومن قصته أن الأسود كان له شيطانان يقال لأحدهما سحيق بمهملتين ، وقاف مصغرا ، والآخر شقيق بمعجمة ، وقافين مصغرا ، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس ، وكان باذان عامل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بصنعاء فمات فجاء شيطان الأسود فأخبره فخرج في قومه حتى ملك صنعاء ، وتزوج المرزبانة زوجة بازان فواعدها رازوبة ، وفيروز ، وغيرهما حتى دخلوا على الأسود ، وقد سقته المرزبانة الخمر صرفا حتى سكر ، وكان على بابه ألف حارس فنقب فيروز ومن معه الجدار حتى دخلوا فقتله فيروز ، وحز رأسه ، وأخرجوا المرأة ، وما أحبوا من متاع البيت ، وأرسلوا الخبر إلى المدينة فوافى ذلك عند وفاة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وقد مر شيء من ذلك عن قريب .