72 - بَاب قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ 4380 - حَدَّثَنا عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ : جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ قَالَ : فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : لَا تَفْعَلْ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَننا لَا نُفْلِحُ نَحْنُ ، وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا ، قَالَ : إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا ، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا ، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلَّا أَمِينًا ، فَقَالَ : لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ . فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ . فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَوْلُهُ : ( قِصَّةُ أَهْلِ نَجْرَانَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَلَدٌ كَبِيرٌ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ قَرْيَةً ، مَسِيرَةُ يَوْمِ الرَّاكِبِ السَّرِيعِ ، كَذَا فِي زِيَادَاتِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ فِي الْمَغَازِي ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَهُمْ حِينَئِذٍ عِشْرُونَ رَجُلًا ، لَكِنْ أَعَادَ ذِكْرَهُمْ فِي الْوُفُودِ بِالْمَدِينَةِ فَكَأَنَّهُمْ قَدِمُوا مَرَّتَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَفْدُهُمْ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ ، وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، وَسَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْحُسَيْنِ ) هُوَ بَغْدَادِيٌّ ثِقَةٌ ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَآخَرَ تَقَدَّمَ فِي التَّهَجُّدِ مَقْرُونًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ) فِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنِ الْأَصَمِّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدَلَ حُذَيْفَةَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنْ إِسْرَائِيلَ ، وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ هَذِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ شُعْبَةَ قَدْ رَوَى أَصْلَ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَقَالَ : عَنْ حُذَيْفَةَ كَمَا فِي الْبَابِ أَيْضًا ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ ذَلِكَ فَاسْتَظْهَرَ بِرِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ صَحِيحَانِ ، فَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ صِلَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ صَاحِبَا نَجْرَانَ ) أَمَّا السَّيِّدُ فَكَانَ اسْمُهُ الْأَيْهَمَ بِتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَيُقَالُ شُرَحْبِيلُ ، وَكَانَ صَاحِبَ رِحَالِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ وَرَئِيسَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْعَاقِبُ فَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَكَانَ صَاحِبَ مَشُورَتِهِمْ ، وَكَانَ مَعَهُمْ أَيْضًا أَبُو الْحَارِثِ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَكَانَ أُسْقُفَهُمْ وَحَبْرَهُمْ وَصَاحِبَ مِدْرَاسِهِمْ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : دَعَاهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ فَامْتَنَعُوا ، فَقَالَ : إِنْ أَنْكَرْتُمْ مَا أَقُولُ فَهَلُمَّ أُبَاهِلْكُمْ ، فَانْصَرَفُوا عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ ) أَيْ يُبَاهِلَاهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ أَنَّ ثَمَانِينَ آيَةً مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ، يُشِيرُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ) ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ هُوَ السَّيِّدُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلِ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ هُوَ الْعَاقِبُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ رَأْيِهِمْ ، وَفِي زِيَادَاتِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ فِي الْمَغَازِي بِإِسْنَادٍ لَهُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ شُرَحْبِيلُ أَبُو مَرْيَمَ . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَلَاعَنَنَا بِإِظْهَارِ النُّونِ . قَوْلُهُ : ( لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَبَدًا ، وَفِي مُرْسَلِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَقَدْ أَتَانِي الْبَشِيرُ بِهَلَكَةِ أَهْلِ نَجْرَانَ لَوْ تَمُّوا عَلَى الْمُلَاعَنَةِ . وَلَمَّا غَدَا عَلَيْهِمْ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ ، وَحُسَيْنٍ وَفَاطِمَةَ تَمْشِي خَلْفَهُ لِلْمُلَاعَنَةِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا ) وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ ، أَلْفٍ فِي رَجَبٍ ، وَأَلْفٍ فِي صَفَرٍ ، وَمَعَ كُلِّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ ، وَسَاقَ الْكِتَابَ الَّذِي كَتَبَهُ بَيْنَهُمْ مُطَوَّلًا . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ السَّيِّدَ وَالْعَاقِبَ رَجَعَا بَعْدَ ذَلِكَ فَأَسْلَمَا ، زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : لَا نُلَاعِنُكَ ، وَلَكِنْ نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَ وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ إِقْرَارَ الْكَافِرِ بِالنُّبُوَّةِ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَلْتَزِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ . وَفِيهَا جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ تَجِبُ إِذَا تَعَيَّنَتْ مَصْلَحَتُهُ . وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ مُبَاهَلَةِ الْمُخَالِفِ إِذَا أَصَرَّ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ . وَقَدْ دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَمِمَّا عُرِفَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ مَنْ بَاهَلَ وَكَانَ مُبْطِلًا لَا تَمْضِي عَلَيْهِ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ الْمُبَاهَلَةِ . وَوَقَعَ لِي ذَلِكَ مَعَ شَخْصٍ كَانَ يَتَعَصَّبُ لِبَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ ، فَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهَا غَيْرَ شَهْرَيْنِ . وَفِيهَا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ ، وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ فِي كُلِّ عَامٍ . وَفِيهَا بَعْثُ الْإِمَامِ الرَّجُلَ الْعَالِمَ الْأَمِينَ إِلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ . وَفِيهَا مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ عَلِيًّا إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَأْتِيَهُ بِصَدَقَاتِهِمْ وَجِزْيَتِهِمْ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ غَيْرُ قِصَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ ؛ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ تَوَجَّهَ مَعَهُمْ فَقَبَضَ مَالَ الصُّلْحِ وَرَجَعَ ، وَعَلِيٌّ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ يَقْبِضُ مِنْهُمْ مَا اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَيَأْخُذُ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ · ص 695 عمدة القاري شرح صحيح البخاريقصة أهل نجران · ص 26 ( قصة أهل نجران ) أي هذا بيان قصة أهل نجران بفتح النون ، وسكون الجيم ، وهو بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن يشتمل على ثلاث وسبعين قرية مسيرة يوم للراكب السريع ، وكان نجران منزلا للنصارى ، وكان أهله أهل كتاب . 373 - حدثني عباس بن الحسين ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه ، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أمينا ، فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قم يا أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أمين هذه الأمة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعباس بالباء الموحدة ابن الحسين أبو الفضل البغدادي مات قريبا من سنة أربعين ومائتين ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث مفردا ، وآخر في التهجد مقرونا ، ويحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي صاحب الثوري ، وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن يحيى هذا بهذا الإسناد عن ابن مسعود بدل حذيفة ، وكذلك أخرجه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه من طريق آخر عن إسرائيل ، ورجح الدارقطني في ( العلل ) هذه الرواية ، ورد الترجيح بأن أصل الحديث رواه شعبة عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة مثل حديث الباب ، وقد مر في مناقب أبي عبيدة ويحيى عن قريب أيضا فالبخاري استظهر برواية شعبة ، والظاهر من هذا أن الطريقين صحيحان ، والله أعلم ، وقال المزي : وحذيفة أصح ، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، وصلة بن زفر العبسي الكوفي ، وحذيفة بن اليمان العبسي . والحديث أخرجه البخاري في خبر الواحد أيضا ، وأخرجه بقية الجماعة غير أبي داود . قوله ( جاء العاقب ) بالعين المهملة ، وبالقاف المكسورة ، وبالباء الموحدة ، واسمه عبد المسيح . قوله : ( والسيد ) بفتح السين المهملة ، وتشديد الياء آخر الحروف ، واسمه الأيهم بفتح الهمزة ، وسكون الياء آخر الحروف ، ويقال شرحبيل ، وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى أهل نجران فخرج إليه وفدهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم فيهم العاقب ، وهو عبد المسيح رجل من كندة ، وأبو الحارث بن علقمة رجل من ربيعة ، وأخوه كرز ، والسيد وأوس ابنا الحارث ، وزيد بن قيس ، وشيبة ، وخويلد ، وخالد ، وعمرو ، وعبد الله ، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم العاقب أميرهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي يصدرون عن رأيه ، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وإمامهم ، وصاحب مدراسهم ، والسيد وهو صاحب رحالهم ، فدخلوا المسجد ، وعليهم ثياب الحبرة ، وأردية مكفوفة بالحرير ، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق فقال صلى الله عليه وسلم : دعوهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم ، ولم يكلمهم فقال لهم عثمان ذلك من أجل زيكم فانصرفوا يومهم ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا فرد عليهم ، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا ، وكثر الكلام واللجاج ، وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم بأهلكم فانصرفوا على ذلك . قوله : ( يريدان أن يلاعناه ) أي يباهلاه من الملاعنة ، وهي المباهلة ، وفيه نزلت : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ، والمباهلة أن يجتمع قوم إذا اختلفوا في شيء فيقولون لعنة الله على الظالم . قوله : ( فيقال أحدهما لصاحبه ) ذكر أبو نعيم في الصحابة أنه السيد ، وقيل : هو العاقب ، وقيل : شرحبيل . قوله : ( فلاعناه ) بفتح العين ، وتشديد النون على صيغة المتكلم مع الغير ، وفي رواية الكشميهني فلاعننا بفتح النونين على أن لاعن فعل ماض فيه الضمير يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونا مفعوله . قوله : ( من بعدنا ) وفي رواية ابن مسعود ، ولا عقبنا من بعدنا أبدا . قوله : ( قالا ) أي العاقب والسيد إنا نعطيك ما سألتنا ، وذلك بعد أن انصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم ممتنعون عن الإسلام كما ذكرناه عن قريب . وجاء السيد والعاقب ، وقالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وفي رواية ابن سعد : فغدا عبد المسيح ، وهو العاقب ، ورجلان من ذوي رأيهم فقالوا : قد بدا لنا أن لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت ونصالحك ، فصالحهم على ألفي حلة في رجب ، وألف في صفر أو قيمة ذلك من الأواق ، وعلى عارية ثلاثين درعا ، وثلاثين رمحا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين فرسا ، إن كان باليمن كيد ، ولنجران وحاشيتهم جوار الله ، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم ، وملتهم ، وأرضهم ، وأموالهم ، غائبهم وشاهدهم وبيعهم ، لا يغير أسقف عن سقيفاه ، ولا راهب عن رهبانيته ، ولا واقف عن وقفانيته ، وأشهد على ذلك شهودا منهم أبو سيفيان ، والأقرع بن حابس ، والمغيرة بن شعبة ، فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما انتهى . قوله : ( فاستشرف ) من الاستشراف ، وهو الاطلاع ، وأصله أن تضع يدك على حاجبك ، وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء ، والحاصل أنهم ترقبوا له كل منهم يأمل أن يكون هو المبعوث إليهم . فإن قلت : ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله تعالى عنه إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم ، وجزيتهم . قلت : قصة علي غير قصة أبي عبيدة فإن أبا عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع ، وعلي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ، وأخذ ممن أسلم منهم ما استحق عليه من الصدقة .