حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

قصة أهل نجران

( قصة أهل نجران )

373 - حدثني عباس بن الحسين ، حدثنا يحيى بن آدم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة قال : جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه ، قال : فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا ، قالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وابعث معنا رجلا أمينا ، ولا تبعث معنا إلا أمينا ، فقال : لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين ، فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قم يا أبا عبيدة بن الجراح ، فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا أمين هذه الأمة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعباس بالباء الموحدة ابن الحسين أبو الفضل البغدادي مات قريبا من سنة أربعين ومائتين ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث مفردا ، وآخر في التهجد مقرونا ، ويحيى بن آدم بن سليمان القرشي الكوفي صاحب الثوري ،
وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن يحيى هذا بهذا الإسناد عن ابن مسعود بدل حذيفة ، وكذلك أخرجه أحمد ، والنسائي ، وابن ماجه من طريق آخر عن إسرائيل ، ورجح الدارقطني في ( العلل ) هذه الرواية ، ورد الترجيح بأن أصل الحديث رواه شعبة عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة مثل حديث الباب ، وقد مر في مناقب أبي عبيدة ويحيى عن قريب أيضا فالبخاري استظهر برواية شعبة ، والظاهر من هذا أن الطريقين صحيحان ، والله أعلم ، وقال المزي : وحذيفة أصح
، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق يروي عن جده أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، وصلة بن زفر العبسي الكوفي ، وحذيفة بن اليمان العبسي .

والحديث أخرجه البخاري في خبر الواحد أيضا ، وأخرجه بقية الجماعة غير أبي داود . قوله ( جاء العاقب ) بالعين المهملة ، وبالقاف المكسورة ، وبالباء الموحدة ، واسمه عبد المسيح . قوله : ( والسيد ) بفتح السين المهملة ، وتشديد الياء آخر الحروف ، واسمه الأيهم بفتح الهمزة ، وسكون الياء آخر الحروف ، ويقال شرحبيل ، وذكر ابن سعد أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتب إلى أهل نجران فخرج إليه وفدهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم فيهم العاقب ، وهو عبد المسيح رجل من كندة ، وأبو الحارث بن علقمة رجل من ربيعة ، وأخوه كرز ، والسيد وأوس ابنا الحارث ، وزيد بن قيس ، وشيبة ، وخويلد ، وخالد ، وعمرو ، وعبد الله ، وفيهم ثلاثة نفر يتولون أمورهم العاقب أميرهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي يصدرون عن رأيه ، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وإمامهم ، وصاحب مدراسهم ، والسيد وهو صاحب رحالهم ، فدخلوا المسجد ، وعليهم ثياب الحبرة ، وأردية مكفوفة بالحرير ، فقاموا يصلون في المسجد نحو المشرق فقال صلى الله عليه وسلم : دعوهم ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنهم ، ولم يكلمهم فقال لهم عثمان ذلك من أجل زيكم فانصرفوا يومهم ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا فرد عليهم ، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا ، وكثر الكلام واللجاج ، وتلا عليهم القرآن ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أنكرتم ما أقول لكم فهلم بأهلكم فانصرفوا على ذلك .

قوله : ( يريدان أن يلاعناه ) أي يباهلاه من الملاعنة ، وهي المباهلة ، وفيه نزلت : تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ ، والمباهلة أن يجتمع قوم إذا اختلفوا في شيء فيقولون لعنة الله على الظالم . قوله : ( فيقال أحدهما لصاحبه ) ذكر أبو نعيم في الصحابة أنه السيد ، وقيل : هو العاقب ، وقيل : شرحبيل . قوله : ( فلاعناه ) بفتح العين ، وتشديد النون على صيغة المتكلم مع الغير ، وفي رواية الكشميهني فلاعننا بفتح النونين على أن لاعن فعل ماض فيه الضمير يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونا مفعوله .

قوله : ( من بعدنا ) وفي رواية ابن مسعود ، ولا عقبنا من بعدنا أبدا . قوله : ( قالا ) أي العاقب والسيد إنا نعطيك ما سألتنا ، وذلك بعد أن انصرفوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم ممتنعون عن الإسلام كما ذكرناه عن قريب . وجاء السيد والعاقب ، وقالا : إنا نعطيك ما سألتنا ، وفي رواية ابن سعد : فغدا عبد المسيح ، وهو العاقب ، ورجلان من ذوي رأيهم فقالوا : قد بدا لنا أن لا نباهلك فاحكم علينا بما أحببت ونصالحك ، فصالحهم على ألفي حلة في رجب ، وألف في صفر أو قيمة ذلك من الأواق ، وعلى عارية ثلاثين ج١٨ / ص٢٨درعا ، وثلاثين رمحا ، وثلاثين بعيرا ، وثلاثين فرسا ، إن كان باليمن كيد ، ولنجران وحاشيتهم جوار الله ، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على أنفسهم ، وملتهم ، وأرضهم ، وأموالهم ، غائبهم وشاهدهم وبيعهم ، لا يغير أسقف عن سقيفاه ، ولا راهب عن رهبانيته ، ولا واقف عن وقفانيته ، وأشهد على ذلك شهودا منهم أبو سيفيان ، والأقرع بن حابس ، والمغيرة بن شعبة ، فرجعوا إلى بلادهم فلم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما انتهى .

قوله : ( فاستشرف ) من الاستشراف ، وهو الاطلاع ، وأصله أن تضع يدك على حاجبك ، وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء ، والحاصل أنهم ترقبوا له كل منهم يأمل أن يكون هو المبعوث إليهم . فإن قلت : ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله تعالى عنه إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم ، وجزيتهم . قلت : قصة علي غير قصة أبي عبيدة فإن أبا عبيدة توجه معهم فقبض مال الصلح ورجع ، وعلي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فقبض منهم ما استحق عليهم من الجزية ، وأخذ ممن أسلم منهم ما استحق عليه من الصدقة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث