23 - باب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ 385 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّانُ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَانِ السُّجُودِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ) التَّقْيِيدُ بِشِدَّةِ الْحَرِّ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْبَرْدِ كَذَلِكَ ، بَلِ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ لَا يُقَيِّدُهُ بِالْحَاجَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ الْقَوْمُ ) أَيِ الصَّحَابَةُ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ . قَوْلُهُ : ( وَالْقَلَنْسُوَةُ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، وَقَدْ تُبْدَلُ يَاءً مُثَنَّاةً مِنْ تَحْتُ ، وَقَدْ تُبْدَلُ أَلِفًا وَتُفْتَحُ السِّينُ فَيُقَالُ : قَلَنْسَاةٌ ، وَقَدْ تُحْذَفُ النُّونُ مِنْ هَذِهِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ : غِشَاءٌ مُبَطَّنٌ يُسْتَرُ بِهِ الرَّأْسُ قَالَهُ الْقَزَّازُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا : الْعِمَامَةُ الشَّاشِيَّةُ ، وَفِي الْمُحْكَمِ : هِيَ مِنْ مَلَابِسِ الرَّأْسِ مَعْرُوفَةٌ ، وَقَالَ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ : هِيَ الَّتِي تُغَطَّى بِهَا الْعَمَائِمُ وَتَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْمَطَرِ ، كَأَنَّهَا عِنْدَهُ رَأْسُ الْبُرْنُسِ . قَوْلُهُ : ( وَيَدَاهُ ) أَيْ يَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِتَغْيِيرِ الْأُسْلُوبِ بَيَانَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ السُّجُودِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ مَعًا ، لَكِنْ فِي كُلِّ حَالَةٍ كَانَ يَسْجُدُ وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَيَدَيْهِ فِي كُمِّهِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ ، أَيْ : وَيَجْعَلُ يَدَيْهِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَسْجُدُونَ وَأَيْدِيهِمْ فِي ثِيَابِهِمْ ، وَيَسْجُدُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَعِمَامَتِهِ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا غَالِبٌ الْقَطَّانُ ) ، وَلِلْأَكْثَرِ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( طَرَفُ الثَّوْبِ ) وَلِمُسْلِمٍ بَسَطَ ثَوْبَهُ [ وَكَذَا ] لِلْمُصَنِّفِ فِي أَبْوَابِ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ غَالِبٍ : سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ وَالثَّوْبُ فِي الْأَصْلِ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْمَخِيطِ . وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَخِيطِ مَجَازًا . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الثِّيَابِ وَكَذَا غَيْرُهَا فِي الْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَبَيْنَ الْأَرْضِ لِاتِّقَاءِ حَرِّهَا وَكَذَا بَرْدُهَا . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَرْضِ عِنْدَ السُّجُودِ هُوَ الْأَصْلِيُّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بَسْطَ الثَّوْبِ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِجَازَةِ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُصَلِّي ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ ، وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الثَّوْبِ الْمُنْفَصِلِ . انْتَهَى . وَأَيَّدَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَمْلَ بِمَا رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَيَأْخُذُ أَحَدُنَا الْحَصَى فِي يَدِهِ فَإِذَا بَرَدَ وَضَعَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ قَالَ : فَلَوْ جَازَ السُّجُودُ عَلَى شَيْءٍ مُتَّصِلٍ بِهِ لَمَا احْتَاجُوا إِلَى تَبْرِيدِ الْحَصَى مَعَ طُولِ الْأَمْرِ فِيهِ . وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي كَانَ يُبَرِّدُ الْحَصَى لَمْ يَكُنْ فِي ثَوْبِهِ فَضْلَةٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا مَعَ بَقَاءِ سُتْرَتِهِ لَهُ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَحْتَاجُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ إِلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ لَفْظَ ثَوْبِهِ دَالٌّ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ ، إِمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَهُوَ تَعْقِيبُ السُّجُودِ بِالْبَسْطِ يَعْنِي : كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَإِمَّا مِنْ خَارِجِ اللَّفْظِ وَهُوَ قِلَّةُ الثِّيَابِ عِنْدَهُمْ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ - وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي - يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِمَحَلِّ النِّزَاعِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الْمُصَلِّي ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ ، وَمُرَاعَاةُ الْخُشُوعِ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ صَنِيعَهُمْ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ التَّشْوِيشِ الْعَارِضِ مِنْ حَرَارَةِ الْأَرْضِ . وَفِيهِ تَقْدِيمُ الظُّهْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَوَاقِيتِ يُعَارِضُهُ ، فَمَنْ قَالَ الْإِبْرَادُ رُخْصَةٌ فَلَا إِشْكَالَ ، وَمَنْ قَالَ سُنَّةٌ ؛ فَإِمَّا أَنْ يَقُولَ التَّقْدِيمُ الْمَذْكُورُ رُخْصَةٌ ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ مَنْسُوخٌ بِالْأَمَرِ بِالْإِبْرَادِ . وَأَحْسَنُ مِنْهُمَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ قَدْ تُوجَدُ مَعَ الْإِبْرَادِ فَيَحْتَاجُ إِلَى السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ إِلَى تَبْرِيدِ الْحَصَى ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَمِرُّ حَرُّهُ بَعْدَ الْإِبْرَادِ ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الْإِبْرَادِ وُجُودَ ظِلٍّ يَمْشِي فِيهِ إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ يُصَلِّي فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الْجَمْعِ الْقُرْطُبِيُّ ثُمَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى تَعَارُضِ الْحَدِيثَيْنِ . وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ : كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَى تَخْرِيجِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلْ وَمُعْظَمُ الْمُصَنِّفِينَ ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : إِنَّ فِي هَذَا زِيَادَةٌ عَلَى مُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِكَوْنِهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانَ يَرَى فِيهَا مَنْ خَلْفَهُ كَمَا يَرَى مَنْ أَمَامَهُ فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ فِيهِ مَأْخُوذًا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ صِيغَةِ كُنَّا نَفْعَلُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ · ص 587 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السجود على الثوب في شدة الحر · ص 264 23 - باب السجود على الثوب في شدة الحر وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ، ويداه في كمه . روى ابن أبي شيبة : ثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن الحسن ، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم ، ويسجد الرجل منهم على عمامته . فقد تضمن ما قاله الحسن في هذا مسألتين : إحداهما : سجود المصلي ويداه في كمه ، أو في ثوبه ، وقد حكى عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه . وروى أبو نعيم ووكيع في كتابيهما عن سفيان ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كانوا يصلون في برانسهم ومساتقهم وطيالستهم ، لا يخرجون أيديهم . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن محارب - أو وبرة - قَالَ : كان ابن عمر يلتحف بالملحفة ، ثُمَّ يسجد فيها ، لا يخرج يديه . والصحيح عن ابن عمر : ما رواه مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان إذا سجد يضع كفيه على الذي يضع عليه وجهه . قال : ولقد رأيته في يوم شديد البرد ويخرج يديه من تحت برنس له . وممن كان يسجد ويداه في ثوبه لا يخرجهما : سعيد بن جبير ، وعلقمة ، ومسروق ، والأسود . وحكى ابن المنذر ، عن عمر الرخصة في السجود على الثوب في الحر ، وعن عطاء وطاوس . قال : ورخص فيه للحر والبرد النخعي والشعبي ، وبه قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، ورخص الشافعي في وضع اليدين على الثوب في الحر والبرد . انتهى . ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق : لا يسجد ويداه في ثوبه ، إلا من برد أو علة ، وكذا نقل غير واحد عن أحمد : أنه لا يفعل ذلك إلا من علة ، ولا يفعله من غير علة . وروى عنه جماعة من أصحابه : أنه لا بأس بذلك ، ولم يقيده بالعلة ، فيحتمل أن يكون ذلك رواية عنه بعدم الكراهة مطلقا ، ويحتمل أن تحمل رواياته المطلقة على رواياته المقيدة ، وكلام أكثر أصحابنا يدل على ذلك ، وفيه نظر . وبكل حال ؛ فيجرئ السجود وإن لم يباشر الأرض بيديه رواية واحدة ، ولا يصح عن أحمد خلاف ذلك البتة ، وإنما أصل نقل الخلاف في ذلك عن أحمد مأخوذ من كتب مجهولة لا يعرف أصحابها ، فلا يعتمد عليها . ومذهب مالك : أنه إن كان حر أو برد جاز له أن يبسط ثوبا يسجد عليه ، ويجعل عليه كفيه ، مع قوله : يكره السجود على الثياب من غير عذر ، كما سبق . وللشافعي قولان في وجوب السجود على الكفين . وعلى قوله بالوجوب ، فهل يجب كشفهما أو يجوز السجود عليهما وهما في كمه ؟ على قولين له - أيضا - أصحهما : أنه يجوز . وعلى القول الآخر ، فإنما يجب كشف أدنى جزء منهما ، لا كشف جميعهما . المسألة الثانية : سجود الرجل على كور عمامته وعلى قلنسوته ، وقد حكى الحسن عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه . وممن روي عنه أنه كان يسجد على كور عمامته : عبد الله بن أبي أوفى ، لكن من وجه فيه ضعف . وروى عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنه كان يسجد على كور عمامته . وقد خالفه من هو أحفظ منه كما سيأتي . وروي عن عبد الله بن يزيد الأنصاري ومسروق وشريح السجود على كور العمامة والبرنس . ورخص فيه ابن المسيب والحسن ومكحول والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق . وكان عبد الرحمن بن يزيد يسجد على كور عمامة له غليظة ، تحول بينه وبين الأرض . وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يفعله ، من وجوه كلها باطلة ، لا يصح منها شيء - : قاله البيهقي وغيره . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عنه ، من وجوه مرسلة ، وفيها ضعف - أيضا . وروي عن علي ، قال : إذا صلى أحدكم فليحسر العمامة عن جبهته . وكان عبادة بن الصامت يفعله . وروى أيوب ، عن نافع ، أن ابن عمر كان لا يسجد على كور العمامة . وروى عبيد الله ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يحسر عن جبهته كور العمامة إذا سجد ، ويخرج يديه ، ويقول : إن اليدين تسجدان مع الوجه . وكره ابن سيرين السجود على كور العمامة . وعن عمر بن عبد العزيز ما يدل على ذلك . وقال النخعي وميمون بن مهران : أبرز جبيني أحب إلي . وقال عروة : يمكن جبهته من الأرض . وقال مالك : من صلى على كور العمامة كرهته ، ولا يعيد ، وأحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى تمس الأرض بذلك - : نقله صاحب تهذيب المدونة . ومذهب الشافعي : لا يجزئه أن يسجد على كور عمامته ، ولا على طرف ثوبه وما هو متصل به ، حتى يكشف عن بعض محل سجوده فيباشر به المصلي . وكره أحمد السجود على كور العمامة ، إلا لعلة من حر أو برد يؤذيه ، فلم يكرهه كذلك . وقال - في رواية صالح - : لا بأس بالسجود على كور العمامة ، وأعجب إلي أن يبرز جبهته ويسجد عليها . وقال - في رواية أبي داود - : لا يسجد على كور العمامة ، ولا على القلنسوة . قيل له : فمن صلى هكذا يعيد ؟ قال : لا ، ولكن لا يسجد عليها . ولم يذكر القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير وغيره من كتبه في صحة صلاته على كور العمامة ونحوها خلافا . وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى : أنه إذا سجد على كور عمامته لغير حر ولا برد أنه لا يجزئه . ولم نجد بذلك نصا عنه صريحا بالإعادة ، إنما النص عنه بكراهته والنهي عنه . وقد نقل أبو داود النهي عنه مع الإجزاء . ونهى أحمد ابنه عبد الله عن سجوده في الصلاة على كمه ، ولم يأمره بالإعادة . وأما من نقل رواية عن أحمد بالإعادة مطلقا بذلك فلا يصح نقله . وقول ابن أبي موسى : إن سجد على قلنسوته لم يجزئه - قولا واحدا - لا يصح ، ورواية أبي داود عن أحمد ترده . ولو كان جبينه جريحا وعصبه بعصابة ، جاز السجود عليها عند الشافعي ، ولا إعادة عليه ، ومن أصحابه من حكى وجها ضعيفا بالإعادة . ولم يرخص عبيدة السلماني في السجود على العصابة للجرح ، وهذا حرج شديد تأباه الشريعة السمحة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السجود على الثوب في شدة الحر · ص 268 قال البخاري - رحمه الله - : 385 - ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك - هو : الطيالسي - : ثنا بشر بن المفضل : ثنا غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود وقد خرجه في موضع آخر من كتابه من طريق ابن المبارك ، عن خالد بن عبد الرحمن - وهو : ابن بكير السلمي البصري - : حدثني غالب القطان ، عن بكر المزني ، عن أنس ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر . وقد خرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل ، عن غالب ، ولفظه : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه . وخرجه البخاري في أواخر الصلاة كذلك . وقد خرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الرحمن ، وقال : حسن صحيح . وإنما ذكرت هذا ؛ لأن العقيلي قال : حديث أنس في هذا : فيه لين ، ولعله ظن تفرد خالد به ، وقد قال هو في خالد : يخالف في حديثه ، وقد تبين أنه تابعه بشر بن المفضل على جلالته وحفظه . وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث : الحسن البصري بين بكر وأنس ، وهو وهم - : قاله الدارقطني . ومن تأول هذا الحديث على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم ، فقد أبعد ، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما ، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق ، فكيف كانوا يجدون ثيابا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها ؟ وقد روي عن أنس حديث يخالف هذا : خرجه أبو بكر بن أبي داود في كتاب الصلاة له : ثنا محمد بن عامر الأصبهاني : حدثني أبي : ثنا يعقوب ، عن عنبسة ، عن عثمان الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الرمضاء ، فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة فجعلها تحت قدميه ولم يجعل تحت جبينه ؛ لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت خفيفة في إتمام . وقال : سنة تفرد بها أهل البصرة . قلت : يشير إلى تفرد عثمان الطويل به عن أنس ، وهما بصريان ، وعثمان هذا قد روى عنه شعبة وغيره ، وقال أبو حاتم فيه : هو شيخ . وأما من قبل عثمان فهم ثقات مشهورون ، فعنبسة هو : ابن سعيد قاضي الري ، أصله كوفي ، ثقة مشهور ، وثقه أحمد ويحيى . ويعقوب هو : القمي ، ثقة مشهور - أيضا - وعامر هو : ابن إبراهيم الأصبهاني ، ثقة مشهور من أعيان أهل أصبهان ، وكذلك ابنه محمد بن عامر . ولكن إسناد حديث بكر أصح ، ورواته أشهر ؛ ولذلك خرج في الصحيح دون هذا . والله أعلم . واستدل بعض من لم ير السجود على الثوب بما روى أبو إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء ، فلم يشكنا . خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء ، فلم يشكنا . قالوا : والمراد بذلك أنهم شكوا إليه مشقة السجود على الحصى في شدة الحر ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم ، فلم يجبهم إلى ما سألوا ، ولا أزال شكواهم . واستدلوا على ذلك : بما روى محمد بن جحادة ، عن سليمان بن أبي هند ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الحر في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكنا . ويجاب عن ذلك : بأن حديث خباب اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فروي عنه ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب . وروي عنه ، عن حارثة بن مضرب ، عن خباب . وقد قيل : إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لم يرو عنهم غيره ، وفي إسناده اختلاف كثير ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري . وأما معنى الحديث : فقد فسره جمهور العلماء بأنهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في شدة الحر ، وطلبوا منه الإبراد بها ، فلم يجبهم ، وبهذا فسره رواة الحديث ، منهم : أبو إسحاق وشريك . وقد خرجه البزار في مسنده ، وزاد فيه : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير . وخرجه ابن المنذر ، وزاد في آخره : وقال : إذا زالت الشمس فصلوا . وأما رواية من زاد فيه : في جباهنا وأكفنا ، فهي منقطعة . حكى إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هي مرسلة . يعني : أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خباب . وعلى تقدير صحتها ، فقد يكون شكوا إليه ما يلقونه من شدة حر الحصى في سجودهم ، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه . وأيضا ؛ فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حر الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل ؛ فإن ذلك لا يكره عند الشافعي ولا عند غيره ؛ لشدة الحر كما سبق . فإن قيل : فحمله على هذا ترده أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر . قيل : عنه جوابان : أحدهما : أن ذلك كان قبل أن يشرع الإبراد بها ، ثم نسخ ، وقد روي من حديث المغيرة ما يدل على ذلك . والثاني : أن شدة الحر في الصيف لا تزول في المدينة إلا بتأخر الظهر إلى آخر وقتها ، وهو الذي طلبوه ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير ، ولا تزول به شدة حر الحصى . وقد قيل : إنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة ، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر ، فأمرهم بالصبر في الله . وقد روى قيس بن أبي حازم ، عن خباب هذا المعنى صريحا ، وبهذا فسره علي ابن المديني وغيره . والصحيح : الأول . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السجود على الثوب في شدة الحر · ص 116 باب السجود على الثوب في شدة الحر أي هذا باب في بيان سجود المصلي على طرف ثوبه مثل كمه وذيله لأجل شدة الحر ، ولفظ الحر ليس بقيد ؛ لأن حكم البرد كذلك ، وإنما ذكر موافقة للفظ الحديث ، والمناسبة بين البابين ظاهرة . ( وقال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه ) مطابقة هذا الأثر للترجمة غير ظاهرة إلا بالتعسف ؛ لأن الترجمة في السجود على الثوب ، وهذا لا يطلق على العمامة ولا على القلنسوة ، ولكن كان هذا الباب ، والأبواب الثلاثة التي قبله في السجود على غير وجه الأرض ، بل كان على شيء هو على الأرض ، وهو أعم من أن يكون حصيرا أو خمرة أو فراشا أو عمامة أو قلنسوة أو نحو ذلك ، فبهذه الحيثية تدخل العمامة والقلنسوة في الباب ، والحسن هو البصري ، وأراد بالقوم الصحابة ، والقلسنوة غشاء مبطن تلبس على الرأس قاله القزاز في شرح الفصيح ، وعن ابن خالويه العرب تسمي القلنسوة برنسا ، وفي التلخيص لأبي هلال العسكري البرنس القلنسوة الواسعة التي تغطى بها العمائم تستر من الشمس والمطر ، وفي المحكم هي من ملابس الرؤوس معروف ، وقال ابن هشام في شرحه : هي التي تقول لها العامة الشاشية ، وذكر ثعلب في فصيحه لغة أخرى ، وهي القليسية بضم القاف وفتح اللام وسكون الياء ، وكسر السين وفتح الياء ، وفي آخره هاء ، وفي المحكم وعندي أن قليسية ليست بلغة ، وإنما هي مصغرة ، وفي شرح الغريب لابن سيده : وهي قلنساة وقلساة ، وجمعها قلانس ، وقلاسي ، وقلنسي ، وقلونس ، ثم يجمع على قلنس ، وفيه قلب حيث جعل الواو قبل النون ، وعن يونس : أهل الحجاز يقولون قلنسية ، وتميم يقولون قلنسوة ، وفي شرح المرزوقي : قلنست الشيء إذا غطيته . قوله : ويداه في كمه هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ويديه في كمه ، وجه الأول أن يداه كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : في كمه خبره ، والجملة حال ، والتقدير : ويدا كل واحد في كمه فلأجل ذلك قال : ويداه في كمه ، وذلك لأن المقام يقتضي أن يقال وأيديهم في أكمامهم ، ووجه الثاني أن يديه منصوب بفعل مقدر تقديره ، ويجعل كل واحد يديه في كمه ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي أسامة عن هشام عن الحسن قال : إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسجدون وأيديهم في ثيابهم ، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته وعمامته ، وأخرجه أيضا عبد الرزاق في مصنفه عن هشام بن حسان عن الحسن نحوه ، وأخرج ابن أبي شيبة عن هشيم عن يونس عن الحسن أنه كان يسجد في طيلسانه ، وأخرج عن محمد بن عدي عن حميد رأيت الحسن يلبس أنبجانيا في الشتاء ويصلي فيه ولا يخرج يديه ، وكان عبد الرحمن بن زيد يسجد على كور عمامته ، وكذلك الحسن ، وسعيد بن المسيب ، وبكر بن عبد الله ، ومكحول ، والزهري ، وعبد الله بن أبي أوفى ، وعبد الرحمن بن يزيد ، وكان عبادة بن الصامت ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عمر ، وأبو عبيدة ، وإبراهيم النخعي ، وابن سيرين ، وميمون بن مهران ، وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وجعدة بن هبيرة يكرهون السجود على العمامة ، وذكر محمد بن أسلم الطوسي في كتابه تعظيم قدر الصلاة عن خلاد بن يحيى عن عبد الله بن المحرز عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على كور عمامته قال ابن أسلم : هذا سند ضعيف . 51 - ( حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثني غالب القطان عن بكر بن عبد الله عن أنس بن مالك قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود ) مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم خمسة ذكروا ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون المعجمة ابن المفضل بضم الميم وفتح الفاء وتشديد المعجمة المفتوحة الرقاشي بفتح الراء العثماني ، كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة ، وغالب بالغين المعجمة وكسر اللام ابن خطاف بضم الخاء المعجمة وبفتحها ، وتشديد الطاء المهملة القطان بالقاف . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في أبي الوليد ، وفي بشر ، وبالإفراد في غالب عند الأكثرين ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه حكاية قول الصحابي عما يفعله ، والنبي صلى الله عليه وسلم يشاهده ، ولا ينكره فيكون تقريرا منه صلى الله عليه وسلم ، فإن قلت : كان أنس خلف النبي صلى الله عليه وسلم ( قلت ) ما كان يخفى عليه شيء من أحوال من كان خلفه في الصلاة ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد كان يرى من خلفه كما يرى من قدامه فيكون قول الصحابي كنا نفعل كذا من قبيل المرفوع ، ولا سيما اتفق الشيخان على تخريج هذا الحديث في صحيحيهما ، وغيرهما كذلك. ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن مسدد ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد عن ابن المبارك ، وأخرجه النسائي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن إسحاق بن إبراهيم . ذكر معناه : قوله : فيضع أحدنا جملة معطوفة على قوله : كنا نصلي. قوله : طرف ثوبه كلام إضافي منصوب ؛ لأنه مفعول يضع ، وفي رواية مسلم وأبي داود بسط ثوبه فسجد عليه ، وفي رواية النسائي كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر ، وعند ابن أبي شيبة كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر والبرد فيسجد على ثوبه ذكر ما يستنبط منه : احتج به أبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق على جواز السجود على الثوب في شدة الحر والبرد ، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، رواه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم قال : صلى عمر ذات يوم بالناس الجمعة في يوم شديد الحر فطرح طرف ثوبه بالأرض فجعل يسجد عليه ، ثم قال : يا أيها الناس إذا وجد أحدكم الحر فليسجد على طرف ثوبه ، ورواه زيد بن وهب عن عمر بنحوه ، وأمر به إبراهيم أيضا ، وعطاء ، وفعله مجاهد ، وقال الحسن لا بأس به ، وحكاه ابن المنذر أيضا عن الشعبي ، وطاوس ، والأوزاعي ، والنخعي ، والزهري ، ومكحول ، ومسروق ، وشريح ، وقال صاحب التهذيب من الشافعية : وبه قال أكثر العلماء ، والحديث حجة على الشافعي حيث لم يجوز ذلك ، وقال النووي : حمله الشافعي على الثوب المنفصل. قلنا : لفظ ثوبه دل على المتصل به من حيث اللفظ ، وهو تعقيب السجود بالبسط كما في رواية مسلم ، وأبي داود ، وكذا دل على المتصل به من خارج اللفظ ، وهو قلة الثياب عندهم ، فإن قلت : أيد البيهقي حمل الشافعي على الثوب المنفصل بما رواه الإسماعيلي في هذا الحديث بلفظ فيأخذ أحدنا الحصى في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه قال : فلو جاز السجود على شيء متصل به لما احتاجوا إلى تبريد الحصى مع طول الأمر فيه. ( قلت ) ورد هذا باحتمال أن يكون الذي كان يبرد الحصى لم يكن في ثوبه فضلة يسجد عليها مع بقاء سترة له ، فإن قلت : احتج الشافعي بحديث خباب . قال : شكونا إلى النبي عليه الصلاة والسلام حر الرمضاء في جباهنا فلم يشكنا أي فلم يزل شكوانا ، وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ترب جبينك يا رباح ( قلت ) حديث خباب ليس فيه ذكر الجباه والأكف في المسانيد المشهورة ، ولو ثبت فهو محمول على التأخير الكثير حتى تبرد الرمضاء ، وذلك يكون في أرض الحجاز بعد العصر ، ويقال : إنه منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم : أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم ، ويدل عليه ما رواه عبد الله بن عبد الرحمن قال : جاءنا رسول الله عليه الصلاة والسلام فصلى بنا في مسجد بني عبد الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد رواه أحمد ، وابن ماجه ، فإن قلت : هذا محمول على الثوب المنفصل الذي لا يتحرك بحركته . ( قلت ) هذا بعيد لقوله : بسط ثوبه فسجد عليه إذ الفاء فيه للتعقيب ، وكل حديث احتج به الشافعي في هذا الباب فهو محتمل ، وما احتج به غيره من الأئمة المذكورين فهو محكم فيحمل المحتمل على المحكم على أنه قد روي عن جماعة من الصحابة أنهم رووا سجوده عليه الصلاة والسلام على كور عمامته منهم أبو هريرة أخرج حديثه عبد الرزاق في مصنفه ، وابن عباس أخرج حديثه أبو نعيم في الحلية ، وعبد الله بن أبي أوفي أخرج حديثه الطبراني في الأوسط ، وجابر أخرج حديثه ابن عدي في الكامل ، وأنس أخرج حديثه ابن أبي حاتم في كتابه العلل ، وابن عمر أخرج حديثه الحافظ أبو القاسم تمام بن محمد الرازي في فوائده ، فإن قلت : قال البيهقي في المعرفة أما ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسجد على كور عمامته فلا يثبت منه شيء ( قلت ) حديث ابن عمر ، وابن عباس ، وابن أبي أوفى جياد ، وما كان منه من الضعيف يشتد بالقوي ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في هذا الباب ، وبما ذكرنا هاهنا يحصل الجواب عما قاله الكرماني في هذا الباب من فرقه بين المحمول المتحرك وغيره ، والاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : ترب وجهك ، وحديث الباب أيضا يرد ما ذكره من قوله والقياس على سائر الأعضاء قياس بالفارق ، وقياس في مقابلة النص . قلنا لا نسلم ذلك ؛ لأنا عملنا أولا بالحديث الذي ورد في هذا الباب ، وبالقياس أيضا فهذا أقوى ، وقوله : ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان يباشر الأرض بوجهه في سجوده فنقول باشر أيضا ثوبه في سجوده كما مر ، وبدليل ما لو سجد على البساط يجوز بالإجماع ، فإن احتج بقوله صلى الله عليه وسلم : مكن جبهتك وأنفك من الأرض فنقول بموجبه وهو وجد أن حجم الأرض حتى إذا امتنع حجمها لا يجوز ، وقال بعضهم : فيه أي في حديث الباب تقديم الظهر في أول الوقت . قلنا : ظاهر الأحاديث الواردة في الأمر بالإبراد بالظهر يعارضه ، ودفعها إما بأن نقول إن التقديم رخصة ، والإبراد سنة ، فإذا قلنا : أحاديث الأمر بالإبراد ناسخة لا يبقى تعارض فافهم . ومما يستنبط من الحديث المذكور أن العمل اليسير في الصلاة عفو ؛ لأن وضع طرف الثوب في موضع السجود عمل ، والله أعلم .