حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب السجود على الثوب في شدة الحر

ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك - هو : الطيالسي - : ثنا بشر بن المفضل : ثنا غالب القطان ، عن بكر بن عبد الله ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود وقد خرجه في موضع آخر من كتابه من طريق ابن المبارك ، عن خالد بن عبد الرحمن - وهو : ابن بكير السلمي البصري - : حدثني غالب القطان ، عن بكر المزني ، عن أنس ، قال : كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر . وقد خرجه مسلم من طريق بشر بن المفضل ، عن غالب ، ولفظه : كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدة الحر ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه . وخرجه البخاري في أواخر الصلاة كذلك .

وقد خرجه الترمذي من طريق خالد بن عبد الرحمن ، وقال : حسن صحيح . وإنما ذكرت هذا ؛ لأن العقيلي قال : حديث أنس في هذا : فيه لين ، ولعله ظن تفرد خالد به ، وقد قال هو في خالد : يخالف في حديثه ، وقد تبين أنه تابعه بشر بن المفضل على جلالته وحفظه . وقد أدخل بعض الرواة في إسناد هذا الحديث : الحسن البصري بين بكر وأنس ، وهو وهم - : قاله الدارقطني .

ومن تأول هذا الحديث على أنهم كانوا يسجدون على ثياب منفصلة عنهم ، فقد أبعد ، ولم يكن أكثر الصحابة - أو كثير منهم - يجد ثوبين يصلي فيهما ، فكانوا يصلون في ثوب واحد كما سبق ، فكيف كانوا يجدون ثيابا كثيرة يصلون في بعضها ويتقون الأرض ببعضها ؟ وقد روي عن أنس حديث يخالف هذا : خرجه أبو بكر بن أبي داود في كتاب الصلاة له : ثنا محمد بن عامر الأصبهاني : حدثني أبي : ثنا يعقوب ، عن عنبسة ، عن عثمان الطويل ، عن أنس بن مالك ، قال : كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الرمضاء ، فإذا كان في ثوب أحدنا فضلة فجعلها تحت قدميه ولم يجعل تحت جبينه ؛ لأن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت خفيفة في إتمام . وقال : سنة تفرد بها أهل البصرة . قلت : يشير إلى تفرد عثمان الطويل به عن أنس ، وهما بصريان ، وعثمان هذا قد روى عنه شعبة وغيره ، وقال أبو حاتم فيه : هو شيخ .

وأما من قبل عثمان فهم ثقات مشهورون ، فعنبسة هو : ابن سعيد قاضي الري ، أصله كوفي ، ثقة مشهور ، وثقه أحمد ويحيى . ويعقوب هو : القمي ، ثقة مشهور - أيضا - وعامر هو : ابن إبراهيم الأصبهاني ، ثقة مشهور من أعيان أهل أصبهان ، وكذلك ابنه محمد بن عامر . ولكن إسناد حديث بكر أصح ، ورواته أشهر ؛ ولذلك خرج في الصحيح دون هذا .

والله أعلم . واستدل بعض من لم ير السجود على الثوب بما روى أبو إسحاق ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء ، فلم يشكنا . خرجه مسلم .

وفي رواية له - أيضا - : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه حر الرمضاء ، فلم يشكنا . قالوا : والمراد بذلك أنهم شكوا إليه مشقة السجود على الحصى في شدة الحر ، واستأذنوه أن يسجدوا على ثيابهم ، فلم يجبهم إلى ما سألوا ، ولا أزال شكواهم . واستدلوا على ذلك : بما روى محمد بن جحادة ، عن سليمان بن أبي هند ، عن خباب ، قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة الحر في جباهنا وأكفنا ، فلم يشكنا .

ويجاب عن ذلك : بأن حديث خباب اختلف في إسناده على أبي إسحاق : فروي عنه ، عن سعيد بن وهب ، عن خباب . وروي عنه ، عن حارثة بن مضرب ، عن خباب . وقد قيل : إنهما من مشايخ أبي إسحاق المجهولين الذين لم يرو عنهم غيره ، وفي إسناده اختلاف كثير ؛ ولذلك لم يخرجه البخاري .

وأما معنى الحديث : فقد فسره جمهور العلماء بأنهم شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في شدة الحر ، وطلبوا منه الإبراد بها ، فلم يجبهم ، وبهذا فسره رواة الحديث ، منهم : أبو إسحاق وشريك . وقد خرجه البزار في مسنده ، وزاد فيه : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير . وخرجه ابن المنذر ، وزاد في آخره : وقال : إذا زالت الشمس فصلوا .

وأما رواية من زاد فيه : في جباهنا وأكفنا ، فهي منقطعة . حكى إسحاق بن منصور ، عن يحيى بن معين ، أنه قال : هي مرسلة . يعني : أن سليمان بن أبي هند لم يسمع من خباب .

وعلى تقدير صحتها ، فقد يكون شكوا إليه ما يلقونه من شدة حر الحصى في سجودهم ، وأنه لا يقيهم منه ثوب ونحوه . وأيضا ؛ فلو كانوا قد طلبوا منه السجود على ثوب يقيهم حر الرمضاء لأمرهم بالسجود على ثوب منفصل ؛ فإن ذلك لا يكره عند الشافعي ولا عند غيره ؛ لشدة الحر كما سبق . فإن قيل : فحمله على هذا ترده أحاديث الأمر بالإبراد بالظهر في شدة الحر .

قيل : عنه جوابان : أحدهما : أن ذلك كان قبل أن يشرع الإبراد بها ، ثم نسخ ، وقد روي من حديث المغيرة ما يدل على ذلك . والثاني : أن شدة الحر في الصيف لا تزول في المدينة إلا بتأخر الظهر إلى آخر وقتها ، وهو الذي طلبوه ، فلم يجبهم إلى ذلك ، وإنما أمرهم بالإبراد اليسير ، ولا تزول به شدة حر الحصى . وقد قيل : إنهم إنما شكوا إليه أنهم كانوا يعذبون في الله بمكة في حر الرمضاء قبل الهجرة ، وطلبوا منه أن يدعو لهم ويستنصر ، فأمرهم بالصبر في الله .

وقد روى قيس بن أبي حازم ، عن خباب هذا المعنى صريحا ، وبهذا فسره علي ابن المديني وغيره . والصحيح : الأول . والله أعلم .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث