حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الصلاة في النعال

باب الصلاة في النعال 386 - حدثنا آدم بن أبي إياس : ثنا شعبة : أبنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي ، قال : سألت أنس بن مالك : أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه ؟ قال : نعم لم يخرج في الصحيحين من أحاديث الصلاة في النعلين غير حديث سعيد بن يزيد ، عن أنس هذا ، وتفرد به البخاري من طريق شعبة ، عنه . وقد رواه سلم بن قتيبة ، عن شعبة ، عن سعيد وأبي عمران الجوني - كلاهما - عن أنس . وأنكر ذلك على سلم يحيى القطان .

وقال الدارقطني : وهم في ذلك . والصلاة في النعلين جائزة ، لا اختلاف بين العلماء في ذلك ، وقد قال أحمد : لا بأس أن يصلي في نعليه إذا كانتا طاهرتين . وليس مراده : إذا تحقق طهارتهما ، بل مراده : إذا لم تتحقق نجاستهما .

يدل على ذلك : أن ابن مسعود قال : كنا لا نتوضأ من موطئ . خرجه أبو داود . وخرجه ابن ماجه ، ولفظه : أُمرنا أن لا نكفت شعرا ولا ثوبا ، ولا نتوضأ من موطئ .

وخرجه وكيع في كتابه ، ولفظه : لقد رأيتنا وما نتوضأ من موطئ ، إلا أن يكون رطبا فنغسل أثره . وروي عن ابن عمر ، أنه قال : أمرنا أن لا نتوضأ من موطئ . خرجه الدارقطني في العلل .

وذكر أن بعضهم لم يرفعه ، وجعله من فعل ابن عمر . والمراد بذلك : أن من مشى حافيا على الأرض النجسة اليابسة أو خاض طين المطر ، فإنه يصلي ولا يغسل رجليه . وقد ذكر مالك وغيره أن الناس لم يزالوا على ذلك .

وذكره ابن المنذر إجماعا من أهل العلم ، إلا عن عطاء ، فإنه قال : يغسل رجليه . قال : ويشبه أن يكون هذا منه استحبابا لا إيجابا . قال : وبقول جل أهل العلم نقول .

وهذا يبين أن جمهور العلماء لا يرون غسل ما يصيب الرجل من الأرض ، مما لا تتحقق نجاسته ، ولا التنزه عنه في الصلاة . وقد روي الأمر بالصلاة في النعلين ، ما خرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه من حديث شداد بن أوس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ، ولا في خفافهم . وروى عبد الله بن المثنى ، عن ثمامة ، عن أنس ، قال : لم يخلع النبي صلى الله عليه وسلم نعله في الصلاة إلا مرة ، فخلع القوم نعالهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لم خلعتم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك خلعت فخلعنا ، قال : إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرًا .

قال البيهقي : تفرد به عبد الله بن المثنى ، ولا بأس بإسناده . قلت : عبد الله بن المثنى ، يخرج له البخاري كما تقدم . وهذا يدل على أن عادة النبي صلى الله عليه وسلم المستمرة الصلاة في نعليه ، وكلام أكثر السلف يدل على أن الصلاة في النعلين أفضل من الصلاة حافيا .

وقد أنكر ابن مسعود على أبي موسى خلعه نعليه عند إرادة الصلاة ، وقال لهُ : أبالوادي المقدس أنت ؟ ! وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم في الصلاة . وأنكر الربيع بن خثيم على من خلع نعليه عند الصلاة ، ونسبه إلى أنه أحدث - يريد : أنه ابتدع . وكان النخعي وأبو جعفر محمد بن علي إذا قاما إلى الصلاة لبسا نعالهما وصليا فيها .

وأمر غير واحد منهم بالصلاة في النعال ، منهم : أبو هريرة وغيره . وقال أصحاب الشافعي - ونقلوه عنه - : إن خلع النعلين في الصلاة أفضل ؛ لما فيه من مباشرة المصلى بأطراف القدمين إذا سجد عليهما . ووافقهم على ذلك القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا .

ولم يعللوا ذلك باحتمال إصابة النجاسة ، مع حكايتهم الخلاف في طين الشوارع : هل هو نجس أو طاهر يعفى عن يسيره ؟ فحكى أصحاب الشافعي له في ذَلكَ قولين ، وكذلك حكى الخلاف في مذهب أحمد بعض أصحابنا . والصحيح عند محققيهم : أن المذهب طهارته ، وعليه تدل أحوال السلف الصالح وأقوالهم ، كما تقدم عنهم في ترك غسل القدمين من الخوض في الطين ، وهذا مروي عن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة . قال الجوزجاني : لم ير المسلمون بطين المطر بأسا .

وقد صرح كثير من السلف بأنه طاهر ولو خالطه بول ، منهم : سعيد بن جبير وبكر المزني وغيرهما . والتحرز من النجاسات إنما يشرع على وجه لا يفضي إلى مخالفة ما كان عليه السلف الصالح ، فكيف يشرع مع مخالفتهم ومخالفة السنن الصحيحة ؟ وقد اختلف العلماء في نجاسة أسفل النعل ونحوه : هل تطهر بدلكها بالأرض ، أم لا تطهر بدون غسل ، أم يفرق بين أن يكون بول آدمي أو عذرته فلا بد من غسلها وبين غيرها من النجاسات فتطهر بالدلك ؟ على ثلاثة أقوال . وقد حكي عن أحمد ثلاث روايات كذلك .

والقول بطهارتها بالدلك اختيار كثير من أصحابنا ، وهو قول قديم للشافعي ، وقول ابن أبي شيبة ويحيى بن يحيى النيسابوريين . وقال ابن حامد من أصحابنا : تطهر بذلك . والقول بالفرق بين البول والعذرة قول أبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي .

وفي هذا الباب أحاديث متعددة . وأجودها حديث أبي نعامة السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ، فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه ، وليصل فيه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم .

وقال : صحيح على شرط مسلم . يشير إلى أن أبا نعامة وأبا نضرة خرج لهما مسلم ، وقد رواه جماعة عن أبي نعامة بهذا الإسناد . ورواه أيوب ، واختلف عليه فيه ، فروي عنه كذلك ، وروي عنه مرسلا ، وهو أشهر عن أيوب .

قال الدارقطني : الصحيح : عن أيوب سمعه من أبي نعامة ، ولم يحفظ إسناده فأرسله ، والقول : قول من قال : عن أبي سعيد . وقال أبو حاتم الرازي : المتصل أشبه . والله أعلم .

ورد في أحاديث9 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث