4 - سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَسْتَنْكِفُ : يَسْتَكْبِرُ ، قِوَامًا : قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ ، لَهُنَّ سَبِيلا يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَعْنِي : اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا ، وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ النِّسَاءِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَسْتَنْكِفَ : يَسْتَكْبِرَ ) وَقَعَ هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَسْبُ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ قَالَ : يَسْتَكْبِرْ ، وَهُوَ عَجِيبٌ ؛ فَإِنَّ فِي الْآيَةِ عَطْفَ الِاسْتِكْبَارِ عَلَى الِاسْتِنْكَافِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّوْكِيدِ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : مَعْنَى يَسْتَنْكِفُ : يَأْنَفُ ، وَأَسْنَدَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : يَحْتَشِمُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنَ النَّكَفِ وَهُوَ الْأَنَفَةُ ، وَالْمُرَادُ دَفْعُ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَمِنْهُ نَكَفْتُ الدَّمْعَ بِالْإِصْبَعِ إِذَا مَنَعْتَهُ مِنَ الْجَرْيِ عَلَى الْخَدِّ . قَوْلُهُ : ( قِوَامًا : قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ ) هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا يَعْنِي : قِوَامَكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تَعْمِدْ إِلَى مَالِكَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأَتَكَ وَنَحْوَهَا ، وَقَوْلُهُ : قِيَامًا الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالتَّحْتَانِيَّةِ بَدَلَ الْوَاوِ ، لَكِنْهُمَا بِمَعْنًى ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُقَالُ : قِيَامُ أَمْرِكُمْ ، وَقِوَامُ أَمْرِكُمْ ، وَالْأَصْلُ بِالْوَاوِ فَأَبْدَلُوهَا يَاءً ؛ لِكَسْرَةِ الْقَافِ ، قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ : فَأَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَصْلِ . قُلْتُ : وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لَهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ كِلَا الْأَمْرَيْنِ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا أَيْضًا قِرَاءَةُ ابْنِ عُمَرَ أَعْنِي بِالْوَاوِ ، وَقَدْ قُرِئَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْضًا : قِيَمًا بِلَا أَلِفٍ ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى . وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ قَوْلُهُ : قِوَامُكُمْ إِنَّمَا قَالَهُ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ : ( قِيَامًا ) عَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى . قُلْتُ : وَمِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ يَحْصُلُ جَوَابُهُ . قَوْلُهُ : مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَعْنِي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا ، وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ ، فَأَوْهَمَ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا كَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَثْنَى إِلَخْ وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُرْوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ : لَا تَنْوِينَ فِي مَثْنَى لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ حَدِّهِ ، وَالْحَدُّ أَنْ يَقُولُوا : اثْنَيْنِ ، وَكَذَلِكَ ثُلَاثُ وَرُبَاعُ ؛ لِأَنَّهُ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ ، ثُمَّ أَنْشَدَ شَوَاهِدَ لِذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ ، غَيْرَ أَنَّ الْكُمَيْتَ قَالَ : فَلَمْ يَسْتَرْيِثُوكَ حَتَّى رَمَيْـ تَ فَوْقَ الرِّجَالِ خِصَالًا عُشَارَا انْتَهَى . وَقِيلَ : بَلْ يَجُوزُ إِلَى سُدَاسَ ، وَقِيلَ : إِلَى عُشَارَ . قَالَ الْحَرِيرِيُّ فِي دُرَّةِ الْغَوَّاصِ : غَلِطَ الْمُتَنَبِّي فِي قَوْلِهِ : أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادٍ لَمْ يُسْمَعْ فِي الْفَصِيحِ إِلَّا مَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ ، وَالْخِلَافُ فِي خُمَاسَ إِلَى عُشَارَ . وَيُحْكَى عَنْ خَلَفٍ الْأَحْمَرِ أَنَّهُ أَنْشَدَ أَبْيَاتًا مِنْ خُمَاسَ إِلَى عُشَارَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمَعْدُولَةِ ، هَلْ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى السَّمَاعِ أَوْ يُقَاسُ عَلَيْهَا ؟ قَوْلَانِ أَشْهُرُهُمَا الِاقْتِصَارُ ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ . كَذَا قَالَ . قُلْتُ : وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ بَيْتُ الْكُمَيْتِ ، وَكَذَا قَوْلُ الْآخَرِ : ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ أَرَادَ سُدَاسُ أَنْ لَا تَسْتَقِيمَا وَهَذِهِ الْمَعْدُولَاتُ لَا تَقَعُ إِلَّا أَحْوَالًا كَهَذِهِ الْآيَةِ ، أَوْ أَوْصَافًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ أَوْ إِخْبَارًا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى وَلَا يُقَالُ فِيهَا : مَثْنَاةٌ وَثَلَاثَةٌ ، بَلْ تَجْرِي مَجْرًى وَاحِدًا ، وَهَلْ يُقَالُ : مَوْحَدُ كَمَا يُقَالُ مَثْنَى ؟ الْفَصِيحُ لَا . وَقِيلَ : يَجُوزُ ، وَكَذَا مَثْلَثُ إِلَخْ . وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ : إِنَّ مَعْنَى مَثْنَى اثْنَتَيْنِ فِيهِ اخْتِصَارٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثٌ ثَلَاثٌ ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لِشُهْرَتِهِ ، أَوْ كَانَ لَا يَرَى التَّكْرَارَ فِيهِ ، وَسَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِعَدَدِ مَا يُنْكَحُ مِنَ النِّسَاءِ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : لَهُنَّ سَبِيلا يَعْنِي الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ ) ثَبَتَ هَذَا أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ حَسْبُ ، وَهُوَ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : خُذُوا عَنِّي ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ، وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ، وَالْمُرَادُ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا حَبْسَ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ لِلثَّيِّبِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 1 - بَاب وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى 4573 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا ، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ ، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ ، فَنَزَلَتْ فِيهِ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى أَحْسِبُهُ قَالَ : كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَمَعْنَى ( خِفْتُمْ ) : ظَنَنْتُمْ ، وَمَعْنَى ( تُقْسِطُوا ) : تَعْدِلُوا ، وَهُوَ مِنْ أَقْسَطَ ، يُقَالُ : قَسَطَ إِذَا جَارَ ، وَأَقْسَطَ إِذَا عَدَلَ ، وَقِيلَ : الْهَمْزَةُ فِيهِ لِلسَّلْبِ أَيْ : أَزَالَ الْقِسْطَ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ فِي أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ لَا تَكُونُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، نَعَمْ حَكَى السِّيرَافِيُّ فِي جَوَازِ التَّعَجُّبِ بِالرُّبَاعِيِّ ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَنَّ أَقْسَطَ مِنَ الْأَضْدَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا هِشَامٌ ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةِ مِنْ لَطَائِفِ أَنْوَاعِ الْإِسْنَادِ ، وَهِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَهِشَامٌ الْأَعْلَى هُوَ ابْنُ عُرْوَةَ ، وَالْأَدْنَى ابْنُ يُوسُفَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا ) هَكَذَا قَالَ هِشَامُ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، فَأَوْهَمَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ التَّعْمِيمُ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَلَفْظُهُ : أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ إِلَخْ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَفِيهِ شَيْءٌ آخَرُ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ : فَكَانَ لَهَا عَذْقٌ فَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا نَزَلَ فِي الَّتِي يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا ، وَأَمَّا الَّتِي يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا فَهِيَ الَّتِي يُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَلَا يُزَوِّجُهَا لِغَيْرِهِ ، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْقِصَّتَيْنِ ، وَرِوَايَةُ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ سَالِمَةٌ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا : أُنْزِلَتْ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ وَهِيَ ذَاتُ مَالٍ إِلَخْ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَفِي النِّكَاحِ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( عَذْقٌ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ : النَّخْلَةُ ، وَبِالْكَسْرِ الْكُبَاسَةُ وَالْقِنْوُ ، وَهُوَ مِنَ النَّخْلَةِ كَالْعُنْقُودِ مِنَ الْكَرْمَةِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَفَسَّرَ الْعَذْقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بِالْحَائِطِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ ) أَيْ : لِأَجْلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَيُمْسِكُ بِسَبَبِهِ قَوْلُهُ : ( أَحْسَبُهُ قَالَ : كَانَتْ شَرِيكَتُهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ ) هُوَ شَكٌّ مِنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ، وَوَقَعَ مُبَيَّنًا مَجْزُومًا بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ وَلَفْظُهُ : هُوَ الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الْيَتِيمَةُ هُوَ وَلِيُّهَا وَشَرِيكَتُهُ فِي مَالِهِ حَتَّى فِي الْعَذْقِ فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا رَجُلًا فَيَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ فَيَعْضُلُهَا ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَرِوَايَةُ ابْنِ شِهَابٍ شَامِلَةٌ لِلْقِصَّتَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْوَصَايَا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ عَنْهُ . 4574 - حَدَّثَنَي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَقَالَتْ : يَا ابْنَ أُخْتِي ، هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا ، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ وَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا ، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا ، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ . قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ : وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ ، قَالَتْ : فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ . قَوْلُهُ : ( الْيَتِيمَةُ ) أَيِ : الَّتِي مَاتَ أَبُوهَا . قَوْلُهُ : ( فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا ) أَيِ : الَّذِي يَلِي مَالَهَا . قَوْلُهُ : ( بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا ) فِي النِّكَاحِ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَيُرِيدُ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ صَدَاقِهَا . قَوْلُهُ : ( فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَعْمُولِ بِغَيْرِ ، أَيْ : يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهَا ، مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ ، أَيْ : مِمَّنْ يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا سِوَاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّرِكَةِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، بِلَفْظِ : بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ ) أَيْ بِأَيِّ مَهْرٍ تَوَافَقُوا عَلَيْهِ ، وَتَأْوِيلُ عَائِشَةَ هَذَا جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ في مُنَاسَبَةِ تَرَتُّبِ قَوْلِهِ : فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ عَلَى قَوْلِهِ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى شَيْءٌ آخَرُ ، قَالَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى أَيْ : إِذَا كُنْتُمْ تَخَافُونَ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فِي مَالِ الْيَتَامَى ، فَتَحَرَّجْتُمْ أَنْ لَا تَلُوهَا ، فَتَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنَا ، وَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ، وَعَلَى تَأْوِيلِ عَائِشَةَ يَكُونُ الْمَعْنَى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي نِكَاحِ الْيَتَامَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ عُرْوَةُ : قَالَتْ عَائِشَةُ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَدَاةِ عَطْفٍ ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ ، وَشُعَيْبٍ الْمَذْكُورَيْنِ : قَالَتْ عَائِشَةُ : فَاسْتَفْتَى النَّاسُ إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ) أَيْ : بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ : بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي نَفْسِ الْآيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَعُقَيْلٍ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ - إِلَى قَوْلِهِ : - وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ اقْتَضَى هَذَا الْخَطَأَ ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ فَذَكَرَ اللَّهُ أَنْ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الْآيَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ ، إِلَخْ ، كَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَيْضًا فِي الشَّرِكَةِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَقْرُونًا بِطَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ الْمَذْكُورَةِ هُنَا ، فَوَضَحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ أَنَّ فِي الْبَابِ اخْتِصَارًا ، وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ فَقَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : فِي آيَةٍ أُخْرَى أَيْ : بَعْدَ قَوْلِهِ : وَإِنْ خِفْتُمْ وَمَا أَوْرَدْنَاهُ أَوْضَحُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَغْفَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ عَزْوَ هَذِهِ الطَّرِيقِ ، أَيْ طَرِيقِ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِلَى كِتَابِ التَّفْسِيرِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى عَزْوِهَا إِلَى كِتَابِ الشَّرِكَةِ . قَوْلُهُ : وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ ) فِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَتَرْغَبُونَ ) لِأَنَّ رَغِبَ يَتَغَيَّرُ مَعْنَاهُ بِمُتَعَلَّقِهِ ؛ يُقَالُ : رَغِبَ فِيهِ إِذَا أَرَادَهُ ، وَرَغِبَ عَنْهُ إِذَا لَمْ يُرِدْهُ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تُحْذَفَ فِي ، وَأَنْ تُحْذَفَ عَنْ ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَقَالَ : نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ وَالْمُعْدَمَةِ ، وَالْمَرْوِيُّ هُنَا عَنْ عَائِشَةَ أَوْضَحُ فِي أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى نَزَلَتْ فِي الْغَنِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الْمُعْدِمَةِ . قَوْلُهُ : ( فَنُهُوا ) أَيْ : نُهُوا عَنْ نِكَاحِ الْمَرْغُوبِ فِيهَا لِجَمَالِهَا وَمَالِهَا ؛ لِأَجْلِ زُهْدِهِمْ فِيهَا إِذَا كَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِكَاحُ الْيَتِيمَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فِي الْعَدْلِ ، وَفِي الْحَدِيثِ اعْتِبَارُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْمَحْجُورَاتِ ، وَأَنَّ غَيْرَهُنَّ يَجُوزُ نِكَاحُهَا بِدُونِ ذَلِكَ ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ هِيَ تَحْتَ حِجْرِهِ ، لَكِنْ يَكُونُ الْعَاقِدُ غَيْرَهُ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي النِّكَاحِ ، وَفِيهِ جَوَازُ تَزْوِيجِ الْيَتَامَى قَبْلَ الْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّهُنَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَا يُقَالُ لَهُنَّ يَتِيمَاتٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِنَّ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى · ص 85 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى · ص 163 96 - حدثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فقالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ، ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره ، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق ، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ، قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية ، فأنزل الله وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قالت عائشة : وقول الله تعالى في آية أخرى وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال ، قالت : فنهوا أن ينكحوا عمن رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعبد العزيز بن عبد الله بن يحيى أبو القاسم الأويسي المدني ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، والحديث قد مضى في كتاب الشركة ، في باب شركة اليتيم وأهل الميراث ، فإنه أخرجه هناك عن عبد العزيز المذكور ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : تكون في حجر وليها أي الذي يلي مالها . قوله : بغير أن يقسط أي بغير أن يجبر عليها في صداقها ، وقد مر أن معنى أقسط عدل وقسط جار . قوله : فيعطيها بالنصب لأنه عطف على قوله أن يقسط . قوله : مثل ما يعطيها غيره أي ممن يرغب في نكاحها سواه ، قوله : عن ذلك أي عن ترك الإقساط ، قوله : ويبلغوا لهن ويروى ويبلغوا بهن بالباء الموحدة . قوله : أعلى سنتهن أي أعلى طريقتهن في الصداق وعادتهن في ذلك . قوله : ما طاب لهم أي ما حل لكم من قبيل قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وقيل طاب بمعنى المحبة والاشتهاء ، أي ما كنتم تحبون وتشتهون ، وكلمة ما في الأصل لما لا يعقل ، وقد يطلق على من يعقل كما في هذه الآية الكريمة . قوله : سواهن أي سوى اليتامى من النساء . قوله : قال عروة قالت عائشة هذا متصل بالإسناد المذكور ، وترك حرف العطف فيه . قوله : بعد هذه الآية أي بعد نزول هذه الآية بهذه القصة ، وأراد بهذه الآية قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فأنزل الله تعالى وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الآية . قالت عائشة : والتي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي هي وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا الآية . قوله : وقول الله تعالى في آية أخرى وترغبون هكذا وقع في رواية صالح بن كيسان المذكورة في آية أخرى ، وهو خطأ ؛ لأن قوله تعالى: وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ الآية في نفس الآية التي هي وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قوله : رغبة أحدكم عن يتيمته أي كرغبة أحدكم ، ومعنى الرغبة هنا عدم الإرادة ؛ لأن لفظ رغب يستعمل بصلتين يقال رغب عنه إذا لم يرده ، ورغب فيه إذا أراده . قوله : حين تكون أي اليتيمة قليلة المال ، وحاصل المعنى أن اليتيمة إذا كانت فقيرة وذميمة يعرضون عن نكاحها . قالت عائشة رضي الله تعالى عنها : فنهوا أي نهوا عن نكاح المرغوب فيها لمالها وجمالها لأجل زهدهم فيها إذا كانت قليلة المال والجمال ، فينبغي أن يكون نكاح الغنية الجميلة ونكاح الفقيرة الذميمة على السواء في العدل ، وكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا ، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها وإن كانت ذميمة منعها الرجال حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها ، فحرم الله ذلك ونهى عنه ، وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات ، وأن غيرهن يجوز نكاحها بدون ذلك ، وفيه أن للولي أن يتزوج من هي تحت حجره ، لكن يكون العاقد غيره ، وفيه خلاف مذكور في الفروع ، وفيه جواز تزويج اليتامى قبل البلوغ ؛ لأن بعد البلوغ لا يتم على الحقيقة .