403 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، فَاسْتَقْبِلُوهَا . وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّام فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ ) بِالْمَدِّ وَالصَّرْفِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْقَصْرُ وَعَدَمُ الصَّرْفِ وَهُوَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ : مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَسْجِدُ أَهْلِ قُبَاءَ فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ ، وَاللَّامُ فِي النَّاسِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَالْمُرَادُ أَهْلُ قُبَاءَ وَمَنْ حَضَرَ مَعَهُمْ . قَوْلُهُ : ( فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ) وَلِمُسْلِمٍ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَهُوَ أَحَدُ أَسْمَائِهَا ، وَقَدْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ كَرَاهِيَةَ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ . وَهَذَا فِيهِ مُغَايَرَةٌ لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَالْجَوَابُ أَنْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ وَقْتَ الْعَصْرِ إِلَى مَنْ هُوَ دَاخِلَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو حَارِثَةَ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ ، وَالْآتِي إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ أَوِ ابْنُ نَهِيكٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَوَصَلَ الْخَبَرُ وَقْتَ الصُّبْحِ إِلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَهُمْ بَنُو عَمْرو بْنِ عَوْفٍ أَهْلُ قُبَاءٍ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلَمْ يُسَمَّ الْآتِي بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ طَاهِرٍ وَغَيْرُهُ نَقَلُوا أَنَّهُ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَقِّ بَنِي حَارِثَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَإِنْ كَانَ مَا نَقَلُوا مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبَّادٌ أَتَى بَنِي حَارِثَةَ أَوَّلًا فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ فَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ فِي وَقْتِ الصُّبْحِ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِهِمَا أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مَرَّ وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَهَذَا مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ ، وَبَنُو سَلَمَةَ غَيْرُ بَنِي حَارِثَةَ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ ) فِيهِ إِطْلَاقُ اللَّيْلَةِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ الْمَاضِي وَاللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِيهِ مَجَازًا ، وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ : قُرْآنٌ لِإِرَادَةِ الْبَعْضِيَّةِ ، وَالْمُرَادُ قَوْلُهُ : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الْآيَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ أُمِرَ ) فِيهِ أَنَّ مَا يُؤْمَرُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْزَمُ أُمَّتَهُ ، وَأَنَّ أَفْعَالَهُ يُتَأَسَّى بِهَا كَأَقْوَالِهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ . قَوْلُهُ : ( فَاسْتَقْبَلُوهَا ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ لِلْأَكْثَرِ أَيْ فَتَحَوَّلُوا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ ، وَفَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ وَهُمْ أَهْلُ قُبَاءٍ . وَقَوْلُهُ : ( وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ . . . إِلَخْ ) تَفْسِيرٌ مِنَ الرَّاوِي لِلتَّحَوُّلِ الْمَذْكُورِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ اسْتَقْبَلُوهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ مَعَهُ ، وَضَمِيرُ وُجُوهِهِمْ لَهُمْ أَوْ لِأَهْلِ قُبَاءٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَاسْتَقْبِلُوهَا بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ ، وَيَأْتِي فِي ضَمِيرِ وُجُوهِهِمُ الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ ، وَعَوْدِهِ إِلَى أَهْلِ قُبَاءٍ أَظْهَرُ ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ الْكَسْرِ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ ، أَلَا فَاسْتَقْبِلُوهَا فَدُخُولُ حَرْفِ الِاسْتِفْتَاحِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الَّذِي بَعْدَهُ أَمْرٌ لَا أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَبَرِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَوَقَعَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّحَوُّلِ فِي حَدِيثِ ثُوَيْلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَقَدْ ذَكَرْتُ بَعْضَهُ قَرِيبًا وَقَالَتْ فِيهِ : فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ ، فَصَلَّيْنَا السَّجْدَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ . قُلْتُ : وَتَصْوِيرُهُ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ إِلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفِ ، وَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتِ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتِ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ مِنْ أَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ ، أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُفَرَّقَةً . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ حُكْمَ النَّاسِخِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ حَتَّى يَبْلُغَهُ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ لَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَوْنِ الْأَمْرِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ تِلْكَ بِصَلَوَاتٍ . وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْلَامُ ذَلِكَ فَالْفَرْضُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا تَمَادَوْا فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقْطَعُوهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُمُ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلُ عَلَى الْقَطْعِ وَالِاسْتِئْنَافِ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ ، كَذَا قِيلَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ سَابِقٌ . لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُتَرَقِّبًا التَّحَوُّلَ الْمَذْكُورَ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مَا صَنَعُوا مِنَ التَّمَادِي وَالتَّحَوُّلِ . وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَنَسْخُ مَا تَقَرَّرَ بِطَرِيقِ الْعِلْمِ بِهِ ؛ لِأَنَّ ، وَوَقَعَ تَحَوُّلُهُمْ عَنْهَا إِلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ بِخَبَرِ هَذَا الْوَاحِدِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وَمُقَدَّمَاتٌ أَفَادَتِ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِصِدْقِ ذَلِكَ الْمُخْبِرِ فَلَمْ يُنْسَخْ عِنْدَهُمْ مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إِلَّا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ، وَقِيلَ : كَانَ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ جَائِزًا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُطْلَقًا وَإِنَّمَا مُنِعَ بَعْدَهُ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . وَفِيهِ جَوَازُ تَعْلِيمِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ مَنْ هُوَ فِيهَا ، وَأَنَّ اسْتِمَاعَ الْمُصَلِّي لِكَلَامِ مَنْ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُ صَلَاتَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي حُوِّلَتْ فِيهِ الْقِبْلَةُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْهَا مِنْ قَوْلِهِ : أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ وَعَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ الْمَنْسُوخَةِ جَاهِلِينَ بِوُجُوبِ التَّحَوُّلِ عَنْهَا وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ فَيَكُونُ حُكْمُ السَّاهِي كَذَلِكَ ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْجَاهِلَ مُسْتَصْحِبٌ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ مُغْتَفَرٌ فِي حَقِّهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي حَقِّ السَّاهِي ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَنْ حُكْمٍ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ وَعَرَفَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الْقِبْلَةِ وَمَنْ لَمْ يَرَ الْإِعَادَةَ عَلَى مَنْ سَهَا فَصَلَّى إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ · ص 603 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة · ص 320 الحديث الثاني : قال : 403 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، قال : بينا للناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . قد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر ، وفي حديث ابن عمر أنها كانت في صلاة الصبح . وقد قيل : إن أهل قباء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح ، ومن دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ . وفي هذا بعد ، وقد سبق ذكره في الكلام على حديث البراء في كتاب : الإيمان . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن من صلى إلى غير القبلة لعذر ، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلي إليها ، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها ، إما في الصلاة أو بعد تمامها ، فإنه لا إعادة عليه ، وإن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوا ، فإنه استند إلى ما يجوز له الاستناد إليه عند اشتباه القبلة ، وهو اجتهاده ، وعمل بما أداه اجتهاده إليه ، فلا يكون عليه إعادة . كما أن أهل قباء صلوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، مستصحبين ما أمروا به من استقبال بيت المقدس ، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة ، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة . وهذا هو قول جمهور العلماء ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي ، والثوري ، وابن المبارك ، وأبو حنيفة ، والشافعي - في القديم - وأحمد في ظاهر مذهبه ، حتى قال أبو بكر عبد العزيز : لا يختلف قوله في ذلك ، وهو قول إسحاق والمزني . وقال مالك والأوزاعي : يعيد في الوقت ، ولا يعيد بعده . قال ابن عبد البر : وهذا على الاستحباب دون الوجوب . وقال الشافعي - في الجديد - : يجب عليه أن يعيد . وعليه عامة أصحابه ، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية ، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد . وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء ، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ ، بل على نص تمسكوا به ، والناسخ له لم يبلغهم إلا في أثناء الصلاة . فإن قيل : إن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم ، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم ، فلذلك بنوا على ما مضى منها . وإن قيل : يثبت في حقهم قبل ذلك ، فقد تمسكوا بنص لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه ، ولا يلزمهم البحث عن استمراره ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد المخطئ . ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن أهل قباء قد صح أنهم بلغهم ذلك في صلاة الصبح ، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر ، وبينهما زمان طويل ، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة ، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة ، فإذا لم ينسبوا ذلك إلى نوع التفريط ، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير ، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب ، فإن ذلك يقع في الأسفار كثيرا ، فالأمر بالإعادة يشق بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة . هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ . فإن تعذر الاجتهاد لظلمة ونحوها أو فقدت الأمارات أو تعارضت ، وصلى بحسب حاله ، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا ، أصحهما : لا يعيد ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما ، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة ، وكذا الجاهل بأدلة القبلة ، إذا لم يجد من يسأله . ومن أصحابنا من قال : لا إعادة عليه ، وجها واحدا . وهذا كله في السفر . فأما في الحضر فلو أخطأ فيه القبلة أعاد عند الثوري ، وأحمد في ظاهر مذهبه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة · ص 147 67 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك بن أنس ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . مطابقته للترجمة ظاهرة من حيث الدلالة عليها من الجزء الأول وهو قوله وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، ومن الجزء الثاني أيضا ، وذلك لأنهم صلوا في أول تلك الصلاة إلى القبلة المنسوخة التي هي غير القبلة الواجب استقبالها جاهلين بوجوبه ، والجاهل كالناسي حيث لم يؤمروا بإعادة صلاتهم . ورجاله أئمة مشهورون ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار كذلك والعنعنة في موضعين ، وفيه القول . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن يحيى بن قزعة وقتيبة فرقهما ، وفي خبر الواحد عن إسماعيل بن أبي أويس . وأخرجه مسلم في الصلاة والنسائي فيه وفي التفسير ، جميعا عن قتيبة ؛ أربعتهم عنه به . ذكر معناه : قوله ( بينا ) أصله بين ، فأشبعت الفتحة فصارت ألفا ، يقال : بينا وبينما ، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة ، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل مبتدأ وخبر ، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى ، والأفصح في جوابهما أن لا يكون فيه إذ وإذا ، وقد جاءا كثيرا ؛ تقول : بينا زيد جالس دخل عليه عمرو ، وإذ دخل عليه عمرو ، وإذا دخل عليه . وبينا هاهنا أضيف إلى المبتدأ والخبر ، وجوابه قوله إذ جاءهم آت ، وفي قباء ست لغات : المد ، والقصر ، والتذكير ، والتأنيث ، والصرف ، والمنع . وأفصحها المد ؛ وهو موضع معروف ظاهر المدينة ، والمعنى هنا : بينا الناس في مسجد قباء وهم في صلاة الصبح ، واللام في الناس للعهد الذهني ؛ لأن المراد أهل قباء ومن حضر معهم في الصلاة . قوله ( آت ) فاعل ، من أتى يأتي فأعل إعلال قاض ، وهذا الآتي هو عباد - بالتشديد - بن بشر ؛ بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، وفي حديث البراء المتقدم في صلاة العصر ، ولا منافاة بين الخبرين ، وقد ذكرنا وجهه في حديث البراء وهو أن الخبر وصل وقت العصر إلى من هو داخل المدينة ووقت الصبح في اليوم الثاني إلى من هو خارجها . قوله ( وقد أنزل عليه الليلة قرآن ) ، أطلق الليلة على بعض اليوم الماضي وما يليه مجازا ، وأراد بالقرآن قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآيات . وفيه أيضا مجاز ؛ حيث ذكر الكل وأراد الجزء ، وفي بعض النسخ القرآن بالألف واللام التي هي للعهد . قوله ( وقد أمر ) على صيغة المجهول ؛ أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم . قوله ( أن يستقبل الكعبة ) ؛ أي بأن يستقبل ، وأن مصدرية ، والمعنى : باستقبال الكعبة . قوله ( فاستقبلوها ) على صيغة الجمع من الماضي ، والضمير فيه يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، ويحتمل أن يكون الضمير لأهل قباء ؛ يعني حين سمعوا من الآتي ما بلغهم استقبلوا الكعبة ، وفي رواية الأصيلي : فاستقبلوها ؛ بكسر الباء على صيغة الأمر للجمع ، والأمر لأهل قباء من الآتي . قوله ( وكانت وجوههم ) هو من كلام ابن عمر لا كلام الرجل المخبر بتغير القبلة ، قاله الكرماني . قلت : لا مانع أن يكون من كلام المخبر ، فعلى هذا تكون الواو للحال فتكون جملة حالية على رواية الأكثرين وهو أن يكون صيغة الجمع من الماضي ، وعلى رواية الأصيلي تكون الواو للعطف ، وجاء عطف الجملة الخبرية على الإنشائية ، والضمير في وجوههم يحتمل الوجهين المذكورين . وقال بعضهم : عوده إلى أهل قباء أظهر ، ويرجح رواية الكسر أنه عند المصنف في التفسير : وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، ألا فاستقبلوها ، فدخول حرف الاستفتاح يشعر بأن الذي بعده أمر لا أنه بقية الخبر الذي قبله . قلت : إلا في مثل هذا الموضع تكون للتنبيه لتدل على تحقق ما بعدها ، ولا يسمى حرف استفتاح إلا في مكان يهمل معناها ، وفي ترجيحه الكسر بهذا نظر ؛ لأنه يعكر عليه قوله فاستداروا إذا جعل وكانت وجوههم من كلام ابن عمر . ذكر ما يستنبط منه : قد مر أكثره في حديث البراء بن عازب ، وفيه ما يؤمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - يلزم أمته ، وفيه أن أفعاله يجب الإتيان بها عند قيام الدليل على الوجوب ويسن ويستحب بحسب المقام والقرائن ، وفيه قبول خبر الواحد ، وفيه جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها ، وفيه استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يضر صلاته ، وفيه أن من تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك فالفرض غير لازم له ؛ هكذا استنبطه الطحاوي منه .