حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة

حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، قال : بينا للناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . قد تقدم في حديث البراء أن هذه القصة كانت في صلاة العصر ، وفي حديث ابن عمر أنها كانت في صلاة الصبح . وقد قيل : إن أهل قباء لم يبلغهم ذلك إلى الصبح ، ومن دونهم إلى المدينة بلغهم في العصر يوم النسخ .

وفي هذا بعد ، وقد سبق ذكره في الكلام على حديث البراء في كتاب : الإيمان . ومقصود البخاري بهذا الحديث في هذا الباب : أن من صلى إلى غير القبلة لعذر ، مثل أن يظن أن القبلة في جهة فيصلي إليها ، ثم تبين له أن جهة القبلة غيرها ، إما في الصلاة أو بعد تمامها ، فإنه لا إعادة عليه ، وإن كان قد صلى إلى غير القبلة سهوا ، فإنه استند إلى ما يجوز له الاستناد إليه عند اشتباه القبلة ، وهو اجتهاده ، وعمل بما أداه اجتهاده إليه ، فلا يكون عليه إعادة . كما أن أهل قباء صلوا بعض صلاتهم إلى بيت المقدس ، مستصحبين ما أمروا به من استقبال بيت المقدس ، ثم تبين لهم أن الفرض تحول إلى الكعبة ، فبنوا على صلاتهم وأتموها إلى الكعبة .

وهذا هو قول جمهور العلماء ، منهم : ابن المسيب ، وعطاء ، والحسن ، والشعبي ، والثوري ، وابن المبارك ، وأبو حنيفة ، والشافعي - في القديم - وأحمد في ظاهر مذهبه ، حتى قال أبو بكر عبد العزيز : لا يختلف قوله في ذلك ، وهو قول إسحاق والمزني . وقال مالك والأوزاعي : يعيد في الوقت ، ولا يعيد بعده . قال ابن عبد البر : وهذا على الاستحباب دون الوجوب .

وقال الشافعي - في الجديد - : يجب عليه أن يعيد . وعليه عامة أصحابه ، وهو قول المغيرة المخزومي من المالكية ، وحكاه بعض أصحابنا رواية عن أحمد . وفرقوا بين هذا وبين أهل قباء ، بأن أهل قباء لم يعتمدوا في صلاتهم على اجتهاد يحتمل الخطأ ، بل على نص تمسكوا به ، والناسخ له لم يبلغهم إلا في أثناء الصلاة .

فإن قيل : إن النسخ لا يثبت في حقهم إلا بعد بلوغهم ، فلم يثبت في حقهم إلا في أثناء صلاتهم ، فلذلك بنوا على ما مضى منها . وإن قيل : يثبت في حقهم قبل ذلك ، فقد تمسكوا بنص لا يجوز لهم تركه ولا الاجتهاد في خلافه ، ولا يلزمهم البحث عن استمراره ، فلا ينسبون إلى تفريط ، بخلاف المجتهد المخطئ . ويمكن أن يجاب عن ذلك : بأن أهل قباء قد صح أنهم بلغهم ذلك في صلاة الصبح ، وقد ثبت بحديث البراء أن القبلة حولت في العصر ، وبينهما زمان طويل ، في مثله تنتشر الحوادث المهمة الواقعة ، ولا سيما مثل هذه الحادثة المتعلقة بالصلاة ، فإذا لم ينسبوا ذلك إلى نوع التفريط ، فالمجتهد في طلب القبلة بما يسوغ له الاعتماد عليه أولى أن لا ينسب إلى تفريط وتقصير ، إذا استفرغ جهده في الاستدلال والطلب ، فإن ذلك يقع في الأسفار كثيرا ، فالأمر بالإعادة يشق بخلاف الأمر بإعادة صلاة واحدة .

هذا حكم من خفيت عليه القبلة واجتهد في طلبها وأخطأ . فإن تعذر الاجتهاد لظلمة ونحوها أو فقدت الأمارات أو تعارضت ، وصلى بحسب حاله ، ففي الإعادة وجهان لأصحابنا ، أصحهما : لا يعيد ، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وغيرهما ، لأنه شرط عجز عنه فسقط كالطهارة والسترة ، وكذا الجاهل بأدلة القبلة ، إذا لم يجد من يسأله . ومن أصحابنا من قال : لا إعادة عليه ، وجها واحدا .

وهذا كله في السفر . فأما في الحضر فلو أخطأ فيه القبلة أعاد عند الثوري ، وأحمد في ظاهر مذهبه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث