حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما جاء في القبلة ومن لم ير الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة

حدثنا مسدد : ثنا يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا ، فقالوا : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، فثنى رجليه ، فسجد سجدتين . قد بين البخاري في أول الباب وجه الاستدلال بحديث سجود السهو على أن السهو عن استقبال القبلة لا يبطل الصلاة ، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم من ركعتين في الظهر وأقبل على الناس بوجهه ثم أتم ما بقي ، وهذا إشارة منه إلى حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين . وقد خرجه البخاري في أبواب سجود السهو ، لكن ليس عنده أنه أقبل على الناس بوجهه ، وإنما فيه : أنه قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها .

وفي صحيح مسلم أنه أتى جذعا في قبلة المسجد فاستند إليها . وهذا يدل على أنه ولى ظهره إلى القبلة واستقبل الناس بوجهه ، إلا أن يكون استند إليها وظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة . وإنما يعرف لفظ : ثم أقبل على الناس بوجهه في حديث ابن مسعود الذي خرجه البخاري هاهنا .

وقد خرجه النسائي من طريق شعبة ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، ولفظه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الظهر ، ثم أقبل عليهم بوجهه ، فقالوا : أحدث في الصلاة حدث ؟ قال : وما ذاك ؟ فأخبروه بصنيعه ، فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد سجدتين ، ثم سلم . ولكن هنا لم يكن قد بقي عليه غير سجدتي السهو ، على تقدير أن يكون زاد في الصلاة ؛ فإن إبراهيم شك : هل كان زاد فيها أو نقص ، كذا في صحيح مسلم التصريح بأن هذا الشك من إبراهيم . وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عمران بن حصين ، قال : سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ، ثم قام فدخل الحجرة ، فقام رجل بسيط اليدين ، فقال : أقصرت الصلاة يا رسول الله ؟ فخرج مغضبا ، فصلى الركعة التي كان ترك ، ثم سلم ، ثم سجد سجدتي السهو ، ثم سلم .

ودخوله الحجرة يلزم منه الانحراف عن القبلة بالكلية ؛ لأن الحجرة كانت عن يساره . ومقصود البخاري : أن استدبار القبلة والانحراف عنها في الصَّلاة سهوا عن غير تعمد لا تبطل به الصَّلاة ، كما دل عليه حديث سجود السهو ، وقد نص عليه أحمد وغيره ، فيستدل بذلك على أن من صلى إلى غير القبلة عن غير تعمد أنه لا تبطل صلاته بذلك ، ولا إعادة عليه ، والله أعلم . ورواية النسائي لحديث ابن مسعود يستدل بها على أن من نسي سجود السهو حتى سلم ثم ذكر فإنه يسجد ، وإن كان قد صرف وجهه عن قبلته ، وهو قول الجمهور ، خلافا للحسن وابن سيرين في قولهما : لا يسجد حينئذ .

وقصة ذي اليدين يستدل بها على أن كلام الناسي لا يبطل ؛ كما هو قول الشافعي ، وأحمد في إحدى الروايات عنه . وعلى أن العمل الكثير في الصلاة نسيانا يعفى عنه ، وهو رواية عن أحمد ، وقول للشافعي . واستدل به بعضهم : على أن من سلم من نقصان فإنه يبني على ما مضى من صلاته ، وإن طال الفصل ، وهو قول الأوزاعي وغيره .

وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في موضعه - إن شاء الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث