باب حك البزاق باليد من المسجد
باب حك البزاق باليد من المسجد لما ذكر البخاري - رحمه الله - أبواب استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلة المصلي التي يصلي إليها ، من البصاق ونحوه . وخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 405 - حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه حتى رئي ذلك في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ، ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا وخرجه البخاري في موضع آخر من كتابه من طريق زهير ، عن حميد . ولم يخرجه مسلم ؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة : أكثر ما رواه حميد ، عن أنس لم يسمعه منه ، إنما سمعه من ثابت .
وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه ، فذكر علي ابن المديني ، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : كان حماد بن سلمة يقول : حديث حميد عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق في ثوبه ، ثم دلك بعضه ببعض ، إنما رواه حميد ، عن ثابت ، عن أبي حمزة . قال يحيى : ولم يقل شيئا ؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس . فجعل يحيى القطان رواية قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدة لرواية حميد عن أنس ، وإن لم يصرح بسماعه منه ، واكتفى بذلك .
وتبعه البخاري على ذلك ، وقد خرج حديث قتادة عن أنس فيما بعد . وقد أشار البخاري في كتاب : الوضوء في باب : البصاق والمخاط يصيب الثوب أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد : سمعت أنسا ، فذكره ، فصرح فيه بالسماع . وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب : ثنا .
وهذا الحديث دال على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها ، سواء كان في مسجد ، أو لا ، فإن كان في مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد خطيئة ، كما يأتي الحديث بذلك في بابه ، فإن كان في قبلة المسجد كان أشد كراهة . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور : أن تنظف وتطيب ، وسنذكره في موضع آخر - إن شاء الله . وقد فسر قول الله عز وجل : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ببنيانها وتطهيرها وتنزيهها عما لا يليق بها .
وفي الحديث : نهي المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قبل قبلته بكل حال ، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزق عن يمينه ، وورد التصريح به في أحاديث أخر ، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه . وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه ، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله ، فكان دليلا على طهارة البزاق ، وهو رد على من قال بنجاسته ، كما سبق ذكره في أبواب : الوضوء ودليلا على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس مما ينبغي استقذاره والتنزه منه ؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول . وفي هذا الحديث : أنه حكه بيده ، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك بنفسه ، ولم يوله غيره من أصحابه ، وبهذا فسره الإسماعيلي ، ويحتمل أنه أراد أنه باشر حكه بيده من غير حائل حكه به .
وتبويب البخاري يدل على هذا ؛ ولهذا بوب بعده : باب : حك المخاط بالحصى من المسجد . وقد روى عائذ بن حبيب ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمر وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار ، فحكتها ، وجعلت مكانها خلوقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا . خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه .
وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - ذكر عائذ بن حبيب ، فأحسن الثناء عليه . قلت له : روى عن حميد عن أنس - فذكر له هذا الحديث - ؟ فقال : قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه . يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري ؛ فإنها مخالفة لرواية عائذ في حكه بيده ، وليس فيها ذكر الخلوق ، لكنها زيادة لم تنفها رواية البخاري ولم تثبتها .
وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد ، وباستحباب تخليق موضعها . وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو في المسجد ، فأما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك . وقد سبق ذكره في باب : استقبال القبلة بالغائط والبول .
وقوله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه ، أو إن ربه بينه وبين القبلة يدل على قرب الله تعالى من المصلي في حال صلاته ، وقد تكاثرت النصوص بذلك ، قال تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث الحارث الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن - فذكر الحديث - وفيه : وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا . وصححه الترمذي .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه . قال عطاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يقول : يا ابن آدم إلى من تلتفت ، أنا خير لك ممن تلتفت إليه .
وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس ، عن عطاء ، عن أبي هريرة - مرفوعا كله . ورواية ابن جريج أصح - : قاله العقيلي وغيره . وكأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذا : أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه ، وأنه بمرأى منه ومسمع ، وأنه مناج له ، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له .
كما في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا قال : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾قال الله : حمدني عبدي - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها . فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه ، وخشوعه له ، وتأدبه في وقوفه بين يديه ، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه ، ولا يعبث وهو واقف بين يديه ، ولا يبصق أمامه ، فيصير في عبادته في مقام الإحسان ، يعبد الله كأنه يراه ، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بذلك في سؤال جبريل عليه السلام له ، وقد سبق حديثه في كتاب : الإيمان . وخرج النسائي من حديث ابن عمر ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي ، فقال : اعبد الله كأنك تراه .
وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها ، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه . وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة ، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئا ، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة ، فاعتذر له عن سكوته عنه ، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا . وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه ، وإجابته له ، فقال : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ وقد روي في سبب نزولها : أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم .
وروى عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : سأل أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أين ربنا ؟ فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ وروى عبد بن حميد بإسناده ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قَالَ : نزلت هذه الآية : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا : كيف لنا به أن نلقاه حتى ندعوه ؟ فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فقالوا : صدق ربنا ، هو بكل مكان . وقد خرج البخاري في الدعوات حديث أبي موسى ، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا . وفي رواية : إنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم .
ولم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله ، واطلاعه على عباده وإحاطته بهم ، وقربه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء ، ويعبدونه كأنهم يرونه . ثم حدث بعدهم من قل ورعه ، وساء فهمه وقصده ، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره ، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر ، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم - وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه . وتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله ، مثل قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وقوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ الآية ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن .
وممن قال : إن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله الضحاك ، قال : الله فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان . وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف .
وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الله بن نافع ، قال : قال مالك : الله في السماء ، وعلمه بكل مكان . وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا . وقال الحسن في قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ قال : علمه بالناس .
وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ أن المراد علمه . وكل هذا قصدوا به رد قول من قال : إنه تعالى بذاته في كل مكان . وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته ، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام ؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم ، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة ذاته ، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وقوله : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا وقوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْـزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه .
وروى عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب مر بقاص ، وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! إن ربكم أقرب مما ترفعون ، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد . وخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر . وخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : إن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد .
وكان مجاهد حاضرا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر . وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه ؛ قالَ تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى وقال موسى : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ وقال في حق محمد وصاحبه إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الغار : ما ظنك باثنين الله ثالثهما .
فهذه معية خاصة غير قوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ الآية ، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه . والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته ، فكذلك القرب . وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا ، فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه .
وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء . ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين . وقال حنبل : سألت أبا عبد الله : ينزل الله إلى سماء الدنيا ؟ قالَ : نعم .
قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به الكتاب ، قال الله : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ ينزل كيف يشاء ، بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علما ، لا يبلغ قدره واصف ، ولا ينأى عنه هرب هارب ، عز وجل . ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علما ، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله . فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه .