33 - بَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ 405 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ : أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ بِآلَةٍ أَمْ لَا . وَنَازَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : قَوْلُهُ : فَحَكَّهُ بِيَدِهِ أَيْ تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ لَا أَنَّهُ بَاشَرَ بِيَدِهِ النُّخَامَةَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَنَّهُ حَكَّهَا بِعُرْجُونٍ ا هـ . وَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، مَعَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ فِي الْقِصَّةِ مِنَ التَّعَدُّدِ ، وَحَدِيثُ الْعُرْجُونِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ ) كَذَا فِي جَمِيعِ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنَ الطُّرُقِ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَصَرَّحَ بِسَمَاعِ حُمَيْدٍ مِنْ أَنَسٍ فَأُمِنَ تَدْلِيسُهُ . قَوْلُهُ : ( نُخَامَةٌ ) قِيلَ : هِيَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الصَّدْرِ ، وَقِيلَ : النُّخَاعَةُ بِالْعَيْنِ مِنَ الصَّدْرِ ، وَبِالْمِيمِ مِنَ الرَّأْسِ . قَوْلُهُ : ( فِي الْقِبْلَةِ ) أَيِ : الْحَائِطِ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى رُئِيَ ) أَيْ شُوهِدَ فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ : فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ : ( إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ ) أَيْ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( أَوْ أَنَّ رَبَّهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالشَّكِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ . وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ وَأَنَّ رَبَّهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَالْمُرَادُ بِالْمُنَاجَاةِ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ حَقِيقَةُ النَّجْوَى وَمِنْ قِبَلِ الرَّبِّ لَازِمُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَجَازًا ، وَالْمَعْنَى إِقْبَالُهُ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ) وَكَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ : فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ : فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَظَمَةُ اللَّهِ أَوْ ثَوَابُ اللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ . وَقَدْ نَزَعَ بِهِ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ، وَهُوَ جَهْلٌ وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَبْزُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ ، وَفِيهِ نَقْضُ مَا أَصَّلُوهُ ، وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ بِذَاتِهِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُزَاقَ فِي الْقِبْلَةِ حَرَامٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ لَا وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْمُصَلِّي فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ كَرَاهِيَةَ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هَلْ هِيَ لِلتَّنْزِيهِ أَوْ لِلتَّحْرِيمِ . وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ : أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يُصَلِّي لَكُمْ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ قِبْلَتِهِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَةَ قِبْلَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ ) أَيِ الْيُسْرَى كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَزَادَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَيَدْفِنُهَا كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ إِلَخْ ) فِيهِ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ : ( أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا ) أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ مَا ذُكِرَ ، لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ أَنَّ الْمُصَنِّفَ حَمَلَ هَذَا الْأَخِيرَ عَلَى مَا إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ ، فَأَوْ - عَلَى هَذَا - فِي الْحَدِيثِ لِلتَّنْوِيعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنْ الْمَسْجِدِ · ص 605 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب حك البزاق باليد من المسجد · ص 325 33 - باب حك البزاق باليد من المسجد لما ذكر البخاري - رحمه الله - أبواب استقبال القبلة في الصلاة أتبعها بما تصان منه قبلة المصلي التي يصلي إليها ، من البصاق ونحوه . وخرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 405 - حدثنا قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه حتى رئي ذلك في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ، ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا وخرجه البخاري في موضع آخر من كتابه من طريق زهير ، عن حميد . ولم يخرجه مسلم ؛ لما تقدم من قول حماد بن سلمة : أكثر ما رواه حميد ، عن أنس لم يسمعه منه ، إنما سمعه من ثابت . وقد قال ذلك في هذا الحديث بخصوصه ، فذكر علي ابن المديني ، قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : كان حماد بن سلمة يقول : حديث حميد عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بزق في ثوبه ، ثم دلك بعضه ببعض ، إنما رواه حميد ، عن ثابت ، عن أبي حمزة . قال يحيى : ولم يقل شيئا ؛ هذا قد رواه قتادة عن أنس . فجعل يحيى القطان رواية قتادة عن أنس لهذا الحديث شاهدة لرواية حميد عن أنس ، وإن لم يصرح بسماعه منه ، واكتفى بذلك . وتبعه البخاري على ذلك ، وقد خرج حديث قتادة عن أنس فيما بعد . وقد أشار البخاري في كتاب : الوضوء في باب : البصاق والمخاط يصيب الثوب أن سعيد بن أبي مريم روى هذا الحديث ، عن يحيى بن أيوب ، عن حميد : سمعت أنسا ، فذكره ، فصرح فيه بالسماع . وقد تقدم القول في قول يحيى بن أيوب : ثنا . وهذا الحديث دال على كراهة أن يبصق المصلي في قبلته التي يصلي إليها ، سواء كان في مسجد ، أو لا ، فإن كان في مسجد تأكدت الكراهة بأن البزاق في المسجد خطيئة ، كما يأتي الحديث بذلك في بابه ، فإن كان في قبلة المسجد كان أشد كراهة . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور : أن تنظف وتطيب ، وسنذكره في موضع آخر - إن شاء الله . وقد فسر قول الله عز وجل : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ ببنيانها وتطهيرها وتنزيهها عما لا يليق بها . وفي الحديث : نهي المصلي أن يبزق وهو في الصلاة قبل قبلته بكل حال ، وليس فيه التصريح بالنهي عن أن يبزق عن يمينه ، وورد التصريح به في أحاديث أخر ، وهو يفهم من أمره بأن يبزق عن يساره أو تحت قدمه أو في طرف ردائه . وذكر اليسار وتحت القدم بلفظه ، والبصاق في طرف ردائه بينه بفعله ، فكان دليلا على طهارة البزاق ، وهو رد على من قال بنجاسته ، كما سبق ذكره في أبواب : الوضوء ودليلا على أن تلويث طرف الثوب بالبزاق لحاجة إليه ليس مما ينبغي استقذاره والتنزه منه ؛ فلهذا بينه بالفعل مع القول . وفي هذا الحديث : أنه حكه بيده ، فيحتمل أنه أراد أنه باشر ذلك بنفسه ، ولم يوله غيره من أصحابه ، وبهذا فسره الإسماعيلي ، ويحتمل أنه أراد أنه باشر حكه بيده من غير حائل حكه به . وتبويب البخاري يدل على هذا ؛ ولهذا بوب بعده : باب : حك المخاط بالحصى من المسجد . وقد روى عائذ بن حبيب ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد ، فغضب حتى احمر وجهه ، فجاءته امرأة من الأنصار ، فحكتها ، وجعلت مكانها خلوقا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا . خرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه . وقال الأثرم : سمعت أبا عبد الله - يعني : أحمد - ذكر عائذ بن حبيب ، فأحسن الثناء عليه . قلت له : روى عن حميد عن أنس - فذكر له هذا الحديث - ؟ فقال : قد روى الناس هذا على غير هذا الوجه . يشير إلى رواية حميد التي خرجها البخاري ؛ فإنها مخالفة لرواية عائذ في حكه بيده ، وليس فيها ذكر الخلوق ، لكنها زيادة لم تنفها رواية البخاري ولم تثبتها . وصرح بعض أصحابنا بوجوب حك النخامة عن حائط المسجد ، وباستحباب تخليق موضعها . وإنما يكره البصاق إلى القبلة في الصلاة أو في المسجد ، فأما من بصق إلى القبلة في غير مسجد فلا يكره له ذلك . وقد سبق ذكره في باب : استقبال القبلة بالغائط والبول . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن أحدكم إذا قام يصلي فإنما يناجي ربه ، أو إن ربه بينه وبين القبلة يدل على قرب الله تعالى من المصلي في حال صلاته ، وقد تكاثرت النصوص بذلك ، قال تعالى : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وفي صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء . وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث الحارث الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن - فذكر الحديث - وفيه : وآمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا . وصححه الترمذي . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة في صحيحه من حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يزال الله مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا التفت انصرف عنه . وروى عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : سمعت أبا هريرة يقول : إذا صلى أحدكم فلا يلتفت ؛ فإنه يناجي ربه ، إن ربه أمامه ، وإنه يناجيه . قال عطاء : وبلغنا أن الرب عز وجل يقول : يا ابن آدم إلى من تلتفت ، أنا خير لك ممن تلتفت إليه . وقد رواه إبراهيم بن يزيد وعمر بن قيس ، عن عطاء ، عن أبي هريرة - مرفوعا كله . ورواية ابن جريج أصح - : قاله العقيلي وغيره . وكأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هذا : أن يستشعر المصلي في صلاته قرب الله منه ، وأنه بمرأى منه ومسمع ، وأنه مناج له ، وأنه يسمع كلامه ويرد عليه جواب مناجاته له . كما في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن العبد إذا قال : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله : حمدني عبدي - وذكر رده عليه في آيات الفاتحة إلى آخرها . فمن استشعر هذا في صلاته أوجب له ذلك حضور قلبه بين يدي ربه ، وخشوعه له ، وتأدبه في وقوفه بين يديه ، فلا يلتفت إلى غيره بقلبه ولا ببدنه ، ولا يعبث وهو واقف بين يديه ، ولا يبصق أمامه ، فيصير في عبادته في مقام الإحسان ، يعبد الله كأنه يراه ، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان بذلك في سؤال جبريل عليه السلام له ، وقد سبق حديثه في كتاب : الإيمان . وخرج النسائي من حديث ابن عمر ، قال : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ببعض جسدي ، فقال : اعبد الله كأنك تراه . وقد كان ابن عمر قبل هذه الوصية وامتثلها ، فكان يستحضر في جميع أعماله وعباداته قرب الله منه واطلاعه عليه . وكان عروة بن الزبير قد لقيه مرة في الطواف بالبيت فخطب إليه ابنته سودة ، فسكت ابن عمر ولم يرد عليه شيئا ، ثم لقيه بعد ذلك بعدما تقدم المدينة ، فاعتذر له عن سكوته عنه ، بأنا كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا . وقد أخبر الله تعالى بقربه ممن دعاه ، وإجابته له ، فقال : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ وقد روي في سبب نزولها : أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟ فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ خرجه ابن جرير وابن أبي حاتم . وروى عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : سأل أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أين ربنا ؟ فأنزل الله عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ وروى عبد بن حميد بإسناده ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، قَالَ : نزلت هذه الآية : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا : كيف لنا به أن نلقاه حتى ندعوه ؟ فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فقالوا : صدق ربنا ، هو بكل مكان . وقد خرج البخاري في الدعوات حديث أبي موسى ، أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا . وفي رواية : إنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم . ولم يكن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله ، واطلاعه على عباده وإحاطته بهم ، وقربه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء ، ويعبدونه كأنهم يرونه . ثم حدث بعدهم من قل ورعه ، وساء فهمه وقصده ، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره ، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر ، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم - وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه . وتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله ، مثل قوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وقوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ الآية ، فقال من قال من علماء السلف حينئذ : إنما أراد أنه معهم بعلمه ، وقصدوا بذلك إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن . وممن قال : إن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة ، عن ابن عباس . وقاله الضحاك ، قال : الله فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان . وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري وأحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف . وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الله بن نافع ، قال : قال مالك : الله في السماء ، وعلمه بكل مكان . وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا . وقال الحسن في قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ قال : علمه بالناس . وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ أن المراد علمه . وكل هذا قصدوا به رد قول من قال : إنه تعالى بذاته في كل مكان . وزعم بعض من تحذلق أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته ، وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام ؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم ، وإنما أرادوا أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة ذاته ، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وقوله : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا وقوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْـزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه . وروى عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب مر بقاص ، وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! إن ربكم أقرب مما ترفعون ، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد . وخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر . وخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : إن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد . وكان مجاهد حاضرا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر . وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه ؛ قالَ تعالى : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى وقال موسى : إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ وقال في حق محمد وصاحبه إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في الغار : ما ظنك باثنين الله ثالثهما . فهذه معية خاصة غير قوله : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ الآية ، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه واطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه . والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته ، فكذلك القرب . وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا ، فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه . وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء . ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين . وقال حنبل : سألت أبا عبد الله : ينزل الله إلى سماء الدنيا ؟ قالَ : نعم . قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به الكتاب ، قال الله : فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ ينزل كيف يشاء ، بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علما ، لا يبلغ قدره واصف ، ولا ينأى عنه هرب هارب ، عز وجل . ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علما ، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله . فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حك البزاق باليد من المسجد · ص 148 باب حك البزاق باليد من المسجد أي : هذا باب في بيان حك البزاق باليد ، سواء كان بآلة أو لا ، فإن قلت : في حديث الباب الحك باليد من غير ذكر آلة وكذلك في الترجمة - قلت : قوله باليد أعم من أن يكون فيها آلة أو لا ، على أن أبا داود روى عن جابر قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا وفي يده عرجون ابن طاب ، فنظر فرأى في قبلة المسجد نخامة ، فأقبل عليها فحتها بالعرجون . . . الحديث ، فهذا يدل على أنه باشر بيده بعرجون فيها ، والعرجون - بضم العين - هو العود الأصغر الذي فيه الشماريخ إذا يبس واعوج ، وهو من الانعراج وهو الانعطاف ، وجمعه عراجين ، والواو والنون فيه زائدتان ، وابن طاب رجل من أهل المدينة ينسب إليه نوع من تمر المدينة ، ومن عاداتهم أنهم ينسبون ألوان التمر كل لون إلى أحد ، ومع هذا يحتمل تعدد القصة ، وفي البزاق ثلاث لغات : بالزاي ، والصاد ، والسين ، والأوليان مشهورتان . ولما فرغ من بيان أحكام القبلة شرع في بيان أحكام المساجد ، والمناسبة ظاهرة . 69 - حدثنا قتيبة قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه ، فقام فحكه بيده ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدميه . ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض ، فقال : أو يفعل هكذا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا الإسناد بعينه تقدم في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في باب كفارة البزاق في المسجد ، وفي باب إذا بدره البزاق ، وفي باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة ، وفي باب ليبصق عن يساره ، وفي باب ما يجوز من البزاق ، وفي باب المصلي يناجي ربه . وأخرجه مسلم أيضا ، وأخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وفي هذا الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وعائشة يأتي عن قريب ، وحديث النسائي عن أنس قال : رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة في قبلة المسجد فغضب حتى احمر وجهه ، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها وجعلت مكانها خلوقا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا ! وفي كتاب المساجد لأبي نعيم : من ابتلع ريقه إعظاما للمسجد ولم يمح اسما من أسماء الله تعالى ببزاق كان من خيار عباد الله . وفي سنده ضرار بن عمرو وفيه كلام ، وذكر ابن خالويه في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رأى النخامة في المحراب قال : من إمام هذا المسجد ؟ قالوا : فلان . قال : قد عزلته . فقالت امرأته : لم عزل النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجي عن الإمامة ؟ فقال : رأى نخامة في المسجد . فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب فاجتاز عليه الصلاة والسلام بالمسجد فقال : من فعل هذا ؟ قال : امرأة الإمام . قال : قد وهبت ذنبه لامرأته ورددته إلى الإمامة . فكان هذا أول خلوق كان في الإسلام . ذكر معناه : قوله ( نخامة ) بضم النون النخاعة ، وقد ذكره البخاري بهذا اللفظ في باب الالتفات ، يقال : تنخم الرجل إذا تنخع ، وفي المطالع : النخامة ما يخرج من الصدر وهو البلغم اللزج . وفي النهاية : النخامة البزقة التي تخرج من الرأس ، ويقال : النخامة ما يخرج من الصدر ، والبصاق ما يخرج من الفم ، والمخاط ما يسيل من الأنف . قوله ( في القبلة ) ؛ أي في حائط من جهة قبلة المسجد . قوله ( حتى رؤي في وجهه ) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء ؛ أي شوهد أثر المشقة في وجهه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا أن في رواية النسائي فغضب حتى احمر وجهه ، وللبخاري في الأدب من حديث ابن عمر : فتغيظ على أهل المسجد . قوله ( إذا قام في صلاته ) ، الفرق بين قام في الصلاة وقام إلى الصلاة أن الأول يكون بعد الشروع والثاني عند الشروع . قوله ( فإنه ) الفاء فيه جواب إذا ، والجملة الشرطية قائمة مقام خبر المبتدأ . قوله ( يناجي ربه ) من المناجاة ، قال النووي : المناجاة إشارة إلى إخلاص القلب وحضوره وتفريغه لذكر الله تعالى . قلت : المناجاة والنجوى هو السر بين الاثنين ، يقال ناجيته إذا ساررته ، وكذلك نجوت نجوى ، ومناجاة الرب مجاز لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة ، إذ لا كلام محسوسا إلا من طرف العبد ، فيكون المراد لازم المناجاة وهو إرادة الخير ، ويجوز أن تكون من باب التشبيه ؛ أي كأنه ربه ينادي ، والتحقيق فيه أنه شبه العبد وتوجهه إلى الله تعالى في الصلاة وما فيها من القراءة والأذكار وكشف الأسرار واستنزال رحمته ورأفته مع الخضوع والخشوع بمن يناجي مولاه ومالكه ، فمن شرائط حسن الأدب أن يقف محاذيه ويطرق رأسه ولا يمد بصره إليه ويراعي جهة أمامه حتى لا يصدر من تلك الهيئات شيء وإن كان الله تعالى منزها عن الجهات ؛ لأن الآداب الظاهرة والباطنة مرتبط بعضها ببعض . قوله ( أو أن ربه بينه وبين القبلة ) ، كذا هو بالشك في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي بواو العطف ، ولا يصح حمل هذا الكلام على ظاهره لأن الله تعالى منزه عن الحلول في المكان ، فالمعنى على التشبيه ؛ أي كأنه بينه وبين القبلة ، وكذا معنى قوله في الحديث الذي بعده فإن الله قبل وجهه . وقال الخطابي : معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه ، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته ، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البزاق ونحوه من أثقال البدن . قوله ( قبل ) بكسر القاف وفتح الباء الموحدة ؛ أي جهة القبلة . قوله ( أو تحت قدمه اليسرى ) كما في حديث أبي هريرة ؛ أي في الباب الذي بعده ، وزاد أيضا من طريق همام عن أبي هريرة : فيدفنها كما سيأتي إن شاء الله تعالى . قوله ( ثم أخذ طرف ردائه . . . ) إلخ ، فيه البيان بالفعل ليكون أوقع في نفس السامع . قوله ( أو يفعل هكذا ) عطف على المقدر بعد حرف الاستدراك ؛ أي : ولكن يبزق عن يساره أو يفعل هكذا ، وليست كلمة أو هاهنا للشك ، بل للتنويع ، ومعناه أنه مخير بين هذا وهذا . ذكر ما يستنبط منه : فيه تعظيم المساجد عن أثقال البدن وعن القاذورات بالطريق الأولى ، وفيه احترام جهة القبلة ، وفيه إزالة البزاق وغيره من الأقذار من المسجد ، وفيه أنه إذا بزق يبزق عن يساره ولا يبزق أمامه تشريفا للقبلة ولا عن يمينه تشريفا لليمين ، وجاء في رواية البخاري : فإن عن يمينه ملكا . وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح : لا يبزق عن يمينه فعن يمينه كاتب الحسنات ، ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره . وقوله فإن عن يمينه ملكا دليل على أنه لا يكون حالتئذ عن يساره ملك لأنه في طاعة . فإن قلت : يخدش في هذا قوله صلى الله عليه وسلم : إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء والجماع ! قلت : هذا حديث ضعيف لا يحتج به ، قال النووي : هذا في غير المسجد ، أما فيه فلا يبزق إلا في ثوبه . قلت : وسياق الحديث على أنه في المسجد . واعلم أن البصاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إليه أم لا ، فإن احتاج يبزق في ثوبه ، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفنه . وقال القاضي عياض : البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه ، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة ، وهذا غير صحيح والحق ما ذكرناه . واختلفوا في المراد بدفنه ؛ فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته إن كانت فيه هذه الأشياء وإلا يخرجها ، وعن أصحاب الشافعي قولان ؛ أحدهما إخراجه مطلقا وهو المنقول عن الروياني ، فإن لم تكن للمساجد تربة وكانت ذات حصير فلا يجوز احتراما للمالية ، وفيه أن البزاق طاهر وكذا النخامة طاهرة ، وليس فيه خلاف إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي ؛ يقول : البزاق نجس . وقال القرطبي : الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة ، فإن الدفن لا يكفيه . قيل : هو كما قال ، وقيل : دفنه كفارته ، وقيل : النهي فيه للتنزيه ، والأصح أنه للتحريم . وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من حديث حذيفة مرفوعا : من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه . وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا : يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه . وروى أبو داود من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد قال أحمد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين فرغ : لا يصلي لكم . فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : نعم ، وحسبت أنه قال : إنك آذيت الله ورسوله . والمعنى أنه فعل فعلا لا يرضي الله ورسوله ، وروى أبو داود أيضا من حديث جابر أنه قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجدنا هذا وفي يده عرجون ابن طاب - ذكرناه في أول الباب ، وفي رواية مسلم : ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه عز وجل فيتنخع أمامه ! أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ الحديث .