2- بَاب : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ 4684- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ . وَقَالَ : يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ . اعْتَرَاكَ افْتَعَلَت مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي . آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا أَيْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ . عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ . وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ وَاحِدُهُ شَاهِدٌ مِثْلُ صَاحِبٍ وَأَصْحَابٍ . وَاسْتَعْمَرَكُمْ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا ، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُهَا لَهُ . نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ . حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ ، مَحْمُودٌ مِنْ حَمِدَ . سِجِّيلٌ : الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ واحد ، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ ، وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ : وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضَاحِيَةً ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَوْلُهُ لَا يَغِيضُهَا بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ السَّاقِطَةِ أَيْ لَا يَنْقُصُهَا ، وَسَحَّاءُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُثَقَّلًا مَمْدُودٌ أَيْ دَائِمَةٌ ، وَيَرْوِى سَحًّا بِالتَّنْوِينِ فَكَأَنَّهَا لِشِدَّةِ امْتِلَائِهَا تَغِيضُ أَبَدًا ، ( وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، وَالْمِيزَانُ كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدْلِ . قَوْلُهُ : اعْتَرَاكَ افْتَعَلَكَ مِنْ عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ ، وَمِنْهُ يَعْرُوهُ وَاعْتَرَانِي ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي فَرْضِ الْخَمْسِ ، وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ اعْتَرَاكَ افْتَعَلْتُ بِمُثَنَّاةٍ فِي آخِرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَاعْتَرَى افْتَعَلَ مِنْ عَرَاهُ يَعْرُوهُ إِذَا أَصَابَهُ ، وَقَوْلُهُ : إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ مَا بَعْدَ إِلَّا مَفْعُولٌ بِالْقَوْلِ قَبْلَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ كَمَا قَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ ، أَيْ مَا نَقُولُ إِلَّا هـَذَا اللَّفْظَ ، فَالْجُمْلَةُ مَحْكِيَّةٌ ، نَحْوَ مَا قُلْتُ إِلَّا زَيْدٌ قَائِمٌ . قَوْلُهُ : آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا فِي مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ وَثَبَتَ هُنَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِيدٌ وَعَنُودٌ وَعَانِدٌ وَاحِدٌ ، هُوَ تَأْكِيدُ التَّجَبُّرِ ) هُوَ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ ، لَكِنْ قَالَ : وَهُوَ الْعَادِلُ عَنِ الْحَقِّ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْمُعَارِضُ الْمُخَالِفُ . قَوْلُهُ : وَاسْتَعْمَرَكُمْ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا ، أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ . قَوْلُهُ : نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ وَاحِدٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْشَدَ : وَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كَانَ الَّذِي نَكِرَتْ . قَوْلُهُ : حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ مَاجِدٍ مَحْمُودٍ مِنْ حَمِدَ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا ، وَالَّذِي فِي كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ : حَمِيدٌ مَجِيدٌ أَيْ مَحْمُودٌ مَاجِدٌ ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَالْحَمِيدُ فَعِيلٌ مِنْ حَمِدَ فَهُوَ حَامِدٌ أَيْ يَحْمَدُ مَنْ يُطِيعُهُ ، أَوْ هُوَ حَمِيدٌ بِمَعْنَى مَحْمُودٌ ، وَالْمَجِيدُ فَعِيلٌ مِنْ مَجُدَ بِضَمِّ الْجِيمِ يَمْجُدُ كَشَرُفَ يَشْرُفُ وَأَصْلُهُ الرِّفْعَةُ . قَوْلُهُ : ( سِجِّيلٌ الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ ، سِجِّيلٌ وَسِجِّينٌ وَاحِدٌ ، وَاللَّامُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ . وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ : وَرِجْلَةُ يَضْرِبُونَ الْبِيضَ ضَاحِيَةً ضَرْبًا تَوَاصَى بِهِ الْأَبْطَالُ سِجِّينَا هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِمَعْنَاهُ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ هُوَ الشَّدِيدُ مِنَ الْحِجَارَةِ الصَّلْبِ ، وَمِنَ الضَّرْبِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ ، فَذَكَرَهُ . قَالَ : وَقَوْلُهُ سِجِّيلًا أَيْ شَدِيدًا ، وَبَعْضُهُمْ يُحَوِّلُ اللَّامَ نُونًا . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ الْكَثِيرُ . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ قُتَيْبَةٍ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْنَى السِّجِّيلُ الشَّدِيدُ لَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ وَكَانَ يَقُولُ حِجَارَةً سِجِّيلًا لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ حِجَارَةٌ مِنْ شَدِيدٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ حُذِفَ . وَأَنْشَدَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ فَأَبْدَلَ قَوْلَهُ ضَاحِيَةً بِقَوْلِهِ عَنْ عُرُضٍ وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ ، وَسَيَأْتِي قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ فَارِسِيَّةٌ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفِيلِ ، وَقَدْ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا فَارِسِيَّةٌ فَقَدْ تَكَلَّمَتْ بِهَا الْعَرَبُ فَصَارَتْ ، وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِسَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَقِيلَ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ نَزَلَتْ مِنْهُ الْحِجَارَةُ ، وَقِيلَ هِيَ جِبَالٌ فِي السَّمَاءِ . ( تَنْبِيهٌ ) : تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ هُوَ ابْنُ خُبَيْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْعَامِرِيُّ ثُمَّ الْعَجْلَانِيُّ ، شَاعِرٌ مُخَضْرَمٌ أَدْرَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَكَانَ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا ، وَلَهُ قِصَّةٌ مَعَ عُمَرَ ، ذَكَرَهُ الْمَرْزُبَانِيُّ وَرَجْلَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا عَلَى تَقْدِيرِ ذَوِي رِجْلَةٍ وَالْجِيمُ سَاكِنَةٌ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ فِي هَذَا الْحَاءَ الْمُهْمَلَةَ ، وَالْبَيْضُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ بَيْضَةٍ وَهِيَ الْخُوذَةُ ، أَوْ بِكَسْرِهَا جَمْعُ أَبْيَضَ وَهُوَ السَّيْفُ فَعَلَى الْأَوَّلُ الْمُرَادُ مَوَاضِعُ الْبِيضِ وَهِيَ الرُّءُوسُ ، وَعَلَى الثَّانِي الْمُرَادُ يَضْرِبُونَ بِالْبِيضِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ . وَضَاحِيَةٌ أَيْ ظَاهِرَةٌ ، أَوِ الْمُرَادُ فِي وَقْتِ الضَّحْوَةِ . وَتَوَاصَى أَصْلُهُ تَتَوَاصَى فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَرُوِيَ تَوَاصَتْ بِمُثَنَّاةِ بَدَلَ التَّحْتَانِيَّةِ فِي آخِرِهِ ، وَقَوْلُهُ سِجِّينًا بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ : هُوَ فَعِيلٌ مِنَ السَّجْنِ كَأَنَّهُ يُثَبِّتُ مَنْ وَقَعَ فِيهِ فَلَا يَبْرَحُ مَكَانَهُ ، وَعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْجِيمِ أَيْ ضَرْبًا حَارًّا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ · ص 201 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وكان عرشه على الماء · ص 293 باب قوله : وكان عرشه على الماء . أي هذا باب في قوله تعالى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ أي كان عرشه على الماء قبل أن يخلق السماوات والأرض ، وقيل لابن عباس : على أي شيء كان الماء ؟ قال : على متن الريح ، وفي وقوف العرش على الماء ، والماء على غير تراب أعظم الاعتبار لأهل الأفكار ، قال كعب : خلق الله ياقوتة حمراء ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ، ثم وضع العرش على الماء . 204 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنفق أنفق عليك ، وقال : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد بكسر الزاي وبالنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث أخرجه في التوحيد أيضا ، وأخرجه النسائي في التفسير ببعضه . قوله : ( أنفق عليك ) مجزوم لأنه جواب الأمر ، وفيه مشاكلة لأن إنفاق الله تعالى لا ينقص من خزائنه شيئا . قوله : ( يد الله ملأى ) كناية عن خزائنه التي لا تنفد بالعطاء . قوله : ( لا يغيضها ) بالغين والضاد المعجمتين أي لا ينقصها ، وهو لازم ومتعد ، يقال : غاض الماء يغيض ، وغضته أنا أغيضه ، وغاض الماء إذا غار . قوله : ( سحاء ) أي دائمة الصب والهطل بالعطاء يقال : سح يسح فهو ساح ، والمؤنث سحاء ، وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء ، ويروى سحا بالتنوين على المصدر فكأنها لشدة امتلائها تفيض أبدا . قوله : ( الليل والنهار ) منصوبان على الظرفية . قوله : ( أرأيتم ) أي أخبروني . قوله : ( ما أنفق ) أي الذي أنفق من يوم خلق السماء والأرض . قوله : ( فإنه ) أي فإن الذي أنفق . قوله : ( لم يغض ) أي لم ينقص ما في يده ، وحكم هذا حكم المتشابهات تأويلا . قوله : ( الميزان ) أي العدل ، قال الخطابي : الميزان هنا مثل ، وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق . قوله : ( يخفض ويرفع ) أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ، ويخفض أخرى ، وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير بل يجرى على ظاهره ، ولا يقال كيف . اعتراك افتعلك من عروته أي أصبته ، ومنه يعروه ، واعتراني . أشار به إلى قوله تعالى : إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ولم يثبت هذا هنا إلا في رواية الكشميهني وحده . قوله : اعْتَرَاكَ افتعلك ) أراد به أنه من باب الافتعال ، ولكن قوله : اعتراك افتعلك بكاف الخطاب ليس باصطلاح أحد من أهل العلوم الآلية ، وقال بعضهم : وإنما يقال : اعتراك افتعلت بتاء مثناة من فوق ، وهو كذلك عند أبي عبيدة . قلت : كذا وقع في بعض النسخ ، والصواب أن يقال : اعترى افتعل فلا يحتاج إلى ذكر كاف الخطاب في الوزن . قوله : ( من عروته ) إشارة إلى أن أصله من عرا يعرو عروا ، وفي الصحاح : عروت الرجل أعروه عروا إذا ألممت به وأتيته طالبا فهو معرو ، وفلان تعروه الأضياف وتعتريه أي تغشاه . قوله : ( ومنه يعروه واعتراني ) أي ومن هذا الأصل قولهم فلان يعروه أي يصيبه ، وقال الجوهري : أعراني هذا الأمر واعتراني تغشاني ، وفيه معنى الإصابة . آخذ بناصيتها أي في ملكه وسلطانه . أشار به إلى قوله تعالى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وتفسيره بقوله أي في ملكه وسلطانه تفسير بالمعنى الغائي ؛ لأن من أخذ بناصيته يكون تحت قهر الآخذ وحكمه ، وهذا التفسير بمفسره لم يثبت إلا في رواية الكشميهني وحده . وإلى مدين أخاهم شعيبا . أي أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم أي من أنفسهم . قوله : شُعَيْبًا بدل من أخاهم الذي هو منصوب بأرسلنا المقدر ، وشعيب منصرف لأنه علم عربي ، وليس فيه علة أخرى ، وفي صحيح ابن حبان : أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر ، وكان لسانه العربية ، أرسله الله إلى مدين بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفي اسم أبيه أقوال ، والمشهور شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم ، ومدين لا ينصرف للعلمية والعجمة ثم صار اسما للقبيلة ، ثم إن مدين لما بنى بلدة قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز سماها باسمه مدين . قوله : وَإِلَى مَدْيَنَ أي إلى أهل مدين لأن مدين اسم بلد فلا يمكن الإرسال إليه ، ولا يكون الإرسال إلا إلى أهله فلذلك قدر المضاف مثل : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي اسأل أهل القرية لأن السؤال عن القرية لا يتصور ، وكذلك قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ تقديره واسأل أصحاب العير بكسر العين الإبل بأحمالها من عار يعير إذا سار ، وقيل : هي قافلة الحمير فكثرت حتى سمي بها كل قافلة . وراءكم ظهريا يقول : لم تلتفتوا إليه ، ويقال : إذا لم يقض الرجل حاجته ظهرت بحاجتي ، وجعلتني ظهريا ، والظهري هاهنا أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به . أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا وهذا أيضا لم يثبت إلا للكشميهني وحده ، وفسره بقوله : لم تلتفتوا إليه ، وهو تفسير بالمعنى الغائي لأن معنى قوله : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا جعلتموه وراء ظهوركم ، وجعل الشيء وراء الظهر كناية عن عدم الالتفات إليه ، والظهري منسوب إلى الظهر ، وكسرة الظاء من تغييرات النسب . قوله : ( ويقال إذا لم يقض الرجل حاجته ) أي حاجة فلان مثلا يقال له : ظهرت بها كأنه استخف بها وجعلها بظهره ، أي كأنه أزالها ، ولم يلتفت إليها ، وجعلها ظهريا أي خلف ظهره . قوله : ( والظهري هاهنا ) إلى آخره ، إن أراد بقوله هاهنا تفسير الظهري الذي في القرآن فلا يصح ذلك لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولا ، وقال الزمخشري : معنى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا نسيتموه وجعلتموه كالشيء منبوذا وراء الظهر لا يعبأ به ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد ألقيتموه خلف ظهوركم ، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي ، والله أكبر وأعز من جميع خلقه ، وقوله : والظهري هاهنا إلى آخره غير المعنى الذي ذكره المفسرون في الآية الكريمة ، نعم جاء الظهري أيضا بهذا المعنى ، وقد قال الجوهري : الظهري بالكسر العدة للحاجة إن احتيج إليه ، وهذا يؤكد المعنى الذي قاله ومنه يقال : بعير ظهير بين الظهارة إذا كان قويا ، وناقة ظهيرة ، قاله الأصمعي . قوله : ( يستظهر به ) أي يستعين به أي بالظهري ، ويقال : فلان ظهرني على فلان ، وأنا ظهرتك على هذا الأمر أي عونك . أراذلنا سقاطنا . أشار به إلى قوله تعالى وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وفسر أراذلنا بقوله سقاطنا بضم السين المهملة ، وتشديد القاف جمع سقط بفتحتين ، وهو الردي الدني الخسيس ، وسقاطنا أي أخساؤنا ، والأراذل جمع أرذل ، وهو الردي من كل شيء ، وقيل : جمع أرذل بضم الذال ، وهو جمع رذل مثل كلب وأكلب وأكالب ، والآية في قصة نوح عليه الصلاة والسلام .