باب قوله وكان عرشه على الماء
حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنفق أنفق عليك ، وقال : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ، وبيده الميزان يخفض ويرفع . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة ، وأبو الزناد بكسر الزاي وبالنون عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، والحديث أخرجه في التوحيد أيضا ، وأخرجه النسائي في التفسير ببعضه . قوله : ( أنفق عليك ) مجزوم لأنه جواب الأمر ، وفيه مشاكلة لأن إنفاق الله تعالى لا ينقص من خزائنه شيئا .
قوله : ( يد الله ملأى ) كناية عن خزائنه التي لا تنفد بالعطاء . قوله : ( لا يغيضها ) بالغين والضاد المعجمتين أي لا ينقصها ، وهو لازم ومتعد ، يقال : غاض الماء يغيض ، وغضته أنا أغيضه ، وغاض الماء إذا غار . قوله : ( سحاء ) أي دائمة الصب والهطل بالعطاء يقال : سح يسح فهو ساح ، والمؤنث سحاء ، وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء ، ويروى سحا بالتنوين على المصدر فكأنها لشدة امتلائها تفيض أبدا .
قوله : ( الليل والنهار ) منصوبان على الظرفية . قوله : ( أرأيتم ) أي أخبروني . قوله : ( ما أنفق ) أي الذي أنفق من يوم خلق السماء والأرض .
قوله : ( فإنه ) أي فإن الذي أنفق . قوله : ( لم يغض ) أي لم ينقص ما في يده ، وحكم هذا حكم المتشابهات تأويلا . قوله : ( الميزان ) أي العدل ، قال الخطابي : الميزان هنا مثل ، وإنما هو قسمته بالعدل بين الخلق .
قوله : ( يخفض ويرفع ) أي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر كما يصنعه الوزان عند الوزن يرفع مرة ، ويخفض أخرى ، وأئمة السنة على وجوب الإيمان بهذا وأشباهه من غير تفسير بل يجرى على ظاهره ، ولا يقال كيف . اعتراك افتعلك من عروته أي أصبته ، ومنه يعروه ، واعتراني . أشار به إلى قوله تعالى : إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ولم يثبت هذا هنا إلا في رواية الكشميهني وحده .
قوله : اعْتَرَاكَ افتعلك ) أراد به أنه من باب الافتعال ، ولكن قوله : اعتراك افتعلك بكاف الخطاب ليس باصطلاح أحد من أهل العلوم الآلية ، وقال بعضهم : وإنما يقال : اعتراك افتعلت بتاء مثناة من فوق ، وهو كذلك عند أبي عبيدة . قلت : كذا وقع في بعض النسخ ، والصواب أن يقال : اعترى افتعل فلا يحتاج إلى ذكر كاف الخطاب في الوزن . قوله : ( من عروته ) إشارة إلى أن أصله من عرا يعرو عروا ، وفي الصحاح : عروت الرجل أعروه عروا إذا ألممت به وأتيته طالبا فهو معرو ، وفلان تعروه الأضياف وتعتريه أي تغشاه .
قوله : ( ومنه يعروه واعتراني ) أي ومن هذا الأصل قولهم فلان يعروه أي يصيبه ، وقال الجوهري : أعراني هذا الأمر واعتراني تغشاني ، وفيه معنى الإصابة . آخذ بناصيتها أي في ملكه وسلطانه . أشار به إلى قوله تعالى : مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وتفسيره بقوله أي في ملكه وسلطانه تفسير بالمعنى الغائي ؛ لأن من أخذ بناصيته يكون تحت قهر الآخذ وحكمه ، وهذا التفسير بمفسره لم يثبت إلا في رواية الكشميهني وحده .
وإلى مدين أخاهم شعيبا . أي أرسلنا إلى أهل مدين أخاهم أي من أنفسهم . قوله : شُعَيْبًا بدل من أخاهم الذي هو منصوب بأرسلنا المقدر ، وشعيب منصرف لأنه علم عربي ، وليس فيه علة أخرى ، وفي صحيح ابن حبان : أربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك يا أبا ذر ، وكان لسانه العربية ، أرسله الله إلى مدين بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وفي اسم أبيه أقوال ، والمشهور شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم ، ومدين لا ينصرف للعلمية والعجمة ثم صار اسما للقبيلة ، ثم إن مدين لما بنى بلدة قريبة من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز سماها باسمه مدين .
قوله : وَإِلَى مَدْيَنَ أي إلى أهل مدين لأن مدين اسم بلد فلا يمكن الإرسال إليه ، ولا يكون الإرسال إلا إلى أهله فلذلك قدر المضاف مثل : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ أي اسأل أهل القرية لأن السؤال عن القرية لا يتصور ، وكذلك قوله : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ تقديره واسأل أصحاب العير بكسر العين الإبل بأحمالها من عار يعير إذا سار ، وقيل : هي قافلة الحمير فكثرت حتى سمي بها كل قافلة . وراءكم ظهريا يقول : لم تلتفتوا إليه ، ويقال : إذا لم يقض الرجل حاجته ظهرت بحاجتي ، وجعلتني ظهريا ، والظهري هاهنا أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به . أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا وهذا أيضا لم يثبت إلا للكشميهني وحده ، وفسره بقوله : لم تلتفتوا إليه ، وهو تفسير بالمعنى الغائي لأن معنى قوله : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا جعلتموه وراء ظهوركم ، وجعل الشيء وراء الظهر كناية عن عدم الالتفات إليه ، والظهري منسوب إلى الظهر ، وكسرة الظاء من تغييرات النسب .
قوله : ( ويقال إذا لم يقض الرجل حاجته ) أي حاجة فلان مثلا يقال له : ظهرت بها كأنه استخف بها وجعلها بظهره ، أي كأنه أزالها ، ولم يلتفت إليها ، وجعلها ظهريا أي خلف ظهره . قوله : ( والظهري هاهنا ) إلى آخره ، إن أراد بقوله هاهنا تفسير الظهري الذي في القرآن فلا يصح ذلك لأن تفسير الظهري هو الذي ذكره أولا ، وقال الزمخشري : معنى قوله تعالى : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا نسيتموه وجعلتموه كالشيء منبوذا وراء الظهر لا يعبأ به ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يريد ألقيتموه خلف ظهوركم ، وامتنعتم من قتلي مخافة قومي ، والله أكبر وأعز من جميع خلقه ، وقوله : والظهري هاهنا إلى آخره غير المعنى الذي ذكره المفسرون في الآية الكريمة ، نعم جاء الظهري أيضا بهذا المعنى ، وقد قال الجوهري : الظهري بالكسر العدة للحاجة إن احتيج إليه ، وهذا يؤكد المعنى الذي قاله ومنه يقال : بعير ظهير بين الظهارة إذا كان قويا ، وناقة ظهيرة ، قاله الأصمعي . قوله : ( يستظهر به ) أي يستعين به أي بالظهري ، ويقال : فلان ظهرني على فلان ، وأنا ظهرتك على هذا الأمر أي عونك .
أراذلنا سقاطنا . أشار به إلى قوله تعالى وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وفسر أراذلنا بقوله سقاطنا بضم السين المهملة ، وتشديد القاف جمع سقط بفتحتين ، وهو الردي الدني الخسيس ، وسقاطنا أي أخساؤنا ، والأراذل جمع أرذل ، وهو الردي من كل شيء ، وقيل : جمع أرذل بضم الذال ، وهو جمع رذل مثل كلب وأكلب وأكالب ، والآية في قصة نوح عليه الصلاة والسلام .