5- بَاب وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ الْعَوْنُ الْمُعِينُ . رَفَدْتُهُ : أَعَنْتُهُ . تَرْكَنُوا تَمِيلُوا . فَلَوْلا كَانَ فَهَلَّا كَانَ . أُتْرِفُوا أُهْلِكُوا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ 4686- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، قَالَ : ثُمَّ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ قَوْلُهُ : ( زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ إِلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( أَنْبَأَنَا بَرِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ) كَذَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ وَوَقَعَ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بَدَلَ عَنْ أَبِيهِ ، وَهُوَ أَصْوَبُ ؛ لِأَنَّ بَرِيدَ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، فَأَبُو بُرْدَةَ جَدُّهُ لَا أَبُوهُ ، لَكِنْ يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْأَبَ عَلَيْهِ مَجَازًا . قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ أَيْ : يُمْهِلُهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي وَرُبَّمَا قَالَ يُمْهِلُ وَرَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ يَزِيدَ قَالَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ . قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ يُمْلِي وَلَمْ يَشُكَّ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ أَيْ لَمْ يُخَلِّصْهُ ، أَيْ إِذَا أَهْلَكَهُ لَمْ يَرْفَعْ عَنْهُ الْهَلَاكَ ، وَهَذَا عَلَى تَفْسِيرِ الظُّلْمِ بِالشِّرْكِ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَإِنْ فُسِّرَ بِمَا هُوَ أَعَمُّ فَيُحْمَلُ كُلٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ ، وَقِيلَ مَعْنَى لَمْ يُفْلِتْهُ لَمْ يُؤَخِّرْهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَتَبَادَرُ مِنْهُ أَنَّ الظَّالِمَ إِذَا صُرِفَ عَنْ مَنْصِبِهِ وَأُهِينَ لَا يَعُودُ إِلَى عِزِّهِ ، وَالْمُشَاهَدُ فِي بَعْضِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا قَدَّمْتُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ · ص 205 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد · ص 295 باب قوله : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) . أي هذا باب في قوله تعالى : وكذلك ، الآية ، وليس في بعض النسخ لفظ باب . قوله : وكذلك أي كما ذكر من إهلاك الأمم ، وأخذهم بالعذاب . قوله : إِذَا أَخَذَ الْقُرَى أي أهلها ، وقرئ إذ أخذ . قوله : وَهِيَ ظَالِمَةٌ حال من القرى . قوله : إِنَّ أَخْذَهُ أي أخذ الله أليم أي وجيع شديد ، وهذا تحذير من وخامة الذنب لكل أهل قرية . الرفد المرفود العون المعين رفدته أعنته . أشار به إلى قوله تعالى : وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ وفسر الرفد المرفود بقوله العون المعين ، أي بئس العون المعان كذا فسره الزمخشري ، وكذا وقع في بعض النسخ ، والمشهور بلفظ المعين على لفظ اسم الفاعل ، ووجهه أن يقال الفاعل بمعنى المفعول ، أو يقال معناه بذي عون . قوله : رفدته أعنته أشار به إلى أن معنى الرفد العون ، يقال رفدت فلانا أي أعنته ، وقال مجاهد : رفدوا يوم القيامة بلعنة أخرى . تركنوا تميلوا . أشار به إلى قوله عز وجل : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا معناه ولا تميلوا ، وعن ابن عباس : لا تركنوا إلى الذين ظلموا في المحبة ، ولين الكلام والمودة ، وعن مجاهد : لا تدهنوا الظلمة ، وعن ابن العالية : لا ترضوا بأعمالهم ، وكذا رواه عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس . فلولا كان فهلا كان . أشار به إلى قوله تعالى : فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ ثم قال : معناه فهلا كان ، وهكذا فسره الزمخشري ، ثم قال : وحكوا عن الخليل : كل لولا في القرآن فمعناها هلا إلا التي في الصافات ، وما صحت هذه الحكاية ففي غير الصافات : لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله : فَلَوْلا قال : في حرف ابن مسعود فهلا ، وكلمة هلا للتحضيض . أترفوا أهلكوا . أشار به إلى قوله تعالى : وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ وفسر أترفوا بقوله أهلكوا على صيغة المجهول ، ومعنى الإتراف التنعيم فلعله أراد به أنهم أهلكوا بسبب هذا الإتراف الذي أطغاهم . وقال ابن عباس : زفير وشهيق صوت شديد وصوت ضعيف . أشار به إلى قوله تعالى : لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ أي للذين شقوا في النار زفير وشهيق ، وقال ابن عباس : الزفير صوت شديد ، والشهيق صوت ضعيف ، وفي التفسير الزفير والشهيق من أصوات المكروبين المحزونين ، وحكي عن أهل اللغة أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق ، والشهيق بمنزلة آخر صوته ، وقال بعضهم : الزفير زفير الحمار ، والشهيق شهيق البغال ، وقيل الزفير ضد الشهيق لأن الشهيق رد النفس ، والزفير إخراج النفس ، وأصل الزفير الحمل على الظهر ، والشهيق من قولهم جبل شاهق ، وقال أبو العالية : الزفير في الحلق ، والشهيق في الصدر . 206 - حدثنا صدقة بن الفضل ، أخبرنا أبو معاوية ، حدثنا بريد بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، قال : ثم قرأ : وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي الضرير ، وبريد بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ابن عبد الله بن أبي بردة بضم الباء الموحدة ، واسمه عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ، وبريد هذا يروي عن جده أبي بردة ، وحذف البخاري عبد الله تخفيفا ، ونسبه إلى جده لروايته عنه ، وفي رواية أبي ذر أبا بريد بن أبي بردة عن أبيه ، والصواب ما ذكره هنا . والحديث أخرجه مسلم في الأدب عن محمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه في التفسير عن أبي كريب ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي بكر بن علي ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن ابن نمير . قوله : ليملي أي ليمهل من الإملاء ، وهو الإمهال ، وفي رواية الترمذي ليمهل ، واللام فيه للتأكيد ، ولم يفلته ؛ بضم الياء أي لم يخلصه أبدا بوجه لكثرة مظالمه حتى الشرك أو لم يخلصه مدة طويلة إن كان مؤمنا ، وقال صاحب التوضيح : لم يفلته من أفلت رباعي أي لم يؤخره . قلت : لا يسمى هذا رباعيا في الاصطلاح ، وإنما هو ثلاثي مزيد فيه .