5- بَاب فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ وَحَاشَ وَحَاشَى : تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ . حَصْحَصَ وَضَحَ 4694- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ، وَنَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَهُ : أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ - إِلَى قَوْلِهِ - قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَكَأَنَّ التَّرْجَمَةُ انْقَضَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ رَبِّكَ ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلُهُ حَاشَ لِلَّهِ وَسَاقَ غَيْرُهُ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ إِلَى قَوْلِهِ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ قَوْلُهُ : ( حَاشَ وَحَاشَا تَنْزِيهٌ وَاسْتِثْنَاءٌ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : حَاشَ لِلَّهِ الشِّينُ مَفْتُوحَةٌ بِغَيْرِ يَاءٍ ، وَبَعْضُهُمْ يُدْخِلُهَا فِي آخِرِهِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : حَاشَى أَبِي ثَوْبَانَ إِنَّ بِهِ . وَمَعْنَاهُ التَّنْزِيهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَنِ الشَّرِّ ، تَقُولُ حَاشَيْتُهُ أَيِ اسْتَثْنَيْتُهُ ، وَقَدْ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الشِّينِ وَأَبُو عَمْرٍو بِإِثْبَاتِهَا فِي الْوَصْلِ ، وَفِي حَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ الْحَاءِ لُغَةٌ وَقَرَأَ بِهَا الْأَعْمَشُ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّهَا حَرْفٌ أَوِ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مَنْ حَذَفَهَا رَجَّحَ فِعْلِيَّتَهَا بِخِلَافِ مَنْ نَفَاهَا ، وَيُؤَيِّدُ فِعْلِيَّتَهَا قَوْلُ النَّابِغَةِ : وَلَا أُحَاشِي مِنَ الْأَقْوَامِ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّ تَصَرُّفَ الْكَلِمَةِ مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ دَلِيلٌ فِعْلِيَّتِهَا ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَلِفِ وَحَذْفَهَا سَوَاءٌ لُغَةً ، وَقِيلَ إِنَّ حَذْفَ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ دُونَ غَيْرِهِمْ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَوْلُهُ تَنْزِيهٌ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَاءٌ وَفِي رِوَايَةِ حَكَاهَا عِيَاضٌ مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ بَعْدَ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ تَاءُ تَأْنِيثٍ . قَوْلُهُ : ( حَصْحَصَ وَضَحَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَيِ السَّاعَةُ وَضَحَ الْحَقُّ وَتَبَيَّنَ ، وَقَالَ الْخَلِيلُ : مَعْنَاهُ تَبَيَّنَ وَظَهَرَ بَعْدَ خَفَاءٍ ، ثُمَّ قِيلَ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِصَّةِ أَيْ ظَهَرَتْ حِصَّةُ الْحَقِّ مِنْ حِصَّةِ الْبَاطِلِ ، وَقِيلَ مِنْ حَصَّهُ إِذَا قَطَعَهُ ، وَمِنْهُ أَحَصَّ الشَّعْرَ وَحَصَّ وَحَصْحَصَ مِثْلُ كَفَّ وَكَفْكَفَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ ، مِصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ ، نَسَبَهُ الْبُخَارِيُّ إِلَى جَدِّهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ) هُوَ الْعُتَقِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا قَافٌ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ الْمَشْهُورُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَرَاوِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ عِلْمِ مَالِكٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْإِسْنَادُ مُسَلْسَلٌ بِالْمِصْرِيِّينَ إِلَى يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالْبَاقُونَ مَدَنِيُّونَ ، وَفِيهِ رِوَايَةُ الْأَقْرَانِ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّ الْفَقِيهَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْرَانِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي تَرْجَمَتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَلُوطِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ · ص 216 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ · ص 307 باب قوله : ( فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ) . أي هذا باب في قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ إلى آخره ، وليس في بعض النسخ لفظ باب ، والترجمة بطولها عند غير أبي ذر ، وعنده إلى قوله : ربك . قوله : فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ أي فلما جاء يوسف رسول الملك وقال : أجب الملك ، فأبى أن يخرج معه حتى يظهر عذره وبراءته عند الملك ، ويعرف صحة أمره من قبل النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، وقصته مشهورة . قوله : إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ أي إن الله تعالى عالم بكيد النساء ، وقيل : إن سيدي الملك قطفير عالم بما فتنتني به المرأة . قوله : مَا خَطْبُكُنَّ فيه حذف تقديره فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز فقال لهن : مَا خَطْبُكُنَّ أي ما شأنكن وأمركن إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ فأجبنه بقلن : حَاشَ لِلَّهِ أي معاذ الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ أي من فاحشة ، وبقية القصة مشهورة . وحاش وحاشى تنزيه واستثناء . اعلم أن حاش على ثلاثة أوجه ( أحدها ) أن تكون فعلا متعديا متصرفا تقول حاشيته بمعنى استثنيته ( والثاني ) أن تكون للتنزيه نحو حاش لله ، وهي عند المبرد ، وابن جني ، والكوفيين فعل لتصرفهم فيها بالحذف ، والصحيح أنها اسم مرادف للتنزيه بدليل قراءة بعضهم حاشا لله بالتنوين كما يقال براءة لله من كذا ، وزعم بعضهم أنها اسم فعل ومعناها أتبرأ أو تبرأت ( الثالث ) أن تكون للاستثناء فذهب سيبويه وأكثر البصريين إلى أنها حرف دائما بمنزلة إلا لكنها تجر المستثنى ، وذهب الجرمي ، والمازني ، والمبرد ، والزجاج ، والأخفش ، وأبو زيد ، والفراء ، وأبو عمرو الشيباني إلى أنها تستعمل كثيرا حرفا جارا ، وقليلا فعلا متعديا جامدا لتضمنها معنى إلا ، وقال أبو عبيدة : الشين في حاش في قوله : ( حاش لله ) مفتوحة بغير ياء ، وبعضهم يدخلها في آخرها كقول الشاعر : حاشى أبي ثوبان إن به ضنا ومعناها التنزيه ، والاستثناء عن الشر ، تقول : حاشيته أي استثنيته ، وقد قرأ الجمهور بحذف الألف بعد الشين ، وأبو عمرو بإثباتها في الأصل ، وفي حذف الألف بعد الحاء لغة ، وقرأ بها الأعمش . قوله : ( تنزيه ) من نزه ينزه تنزيها بالزاي كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية حكاها عياض تبرية من التبري بمعنى البراءة بالباء الموحدة ، والراء المهملة . حصحص : وضح . أشار به إلى قوله : الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ الآية ، وفسر حصحص بقوله : وضح ، وقيل : ذهب الباطل والكذب فانقطع وتبين الحق وظهر ، والأصل فيه حص فقيل حصحص كما يقال في كف كفكف ، وفي رد ردد ، وأصل الحص استئصال الشيء يقال حص شعره إذا استأصله جزا . 214 - حدثنا سعيد بن تليد ، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم ، عن بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ، ونحن أحق من إبراهيم إذ قال له أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي . يمكن أن يؤخذ وجه المطابقة بين الترجمة والحديث من قوله : ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ، على ما لا يخفى على المتأمل الفطن . وسعيد بن تليد بفتح التاء المثناة من فوق ، وكسر اللام ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة ، وهو سعيد بن عيسى بن تليد المصري ، مر في كتاب بدء الخلق ، وعبد الرحمن بن القاسم العتقي بضم العين المهملة ، وفتح التاء المثناة من فوق ، وبعدها قاف المصري الفقيه صاحب الإمام مالك ، وراوي المدونة من علمه ، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع . وهذا الإسناد من أوله إلى قوله : عن ابن شهاب مصريون ، ومن ابن شهاب إلى آخره مدنيون ، وفيه رواية الأقران لأن عمرو بن الحارث المصري الفقيه المشهور من أقران يونس بن يزيد . قوله : ( يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ) قد مر في باب : ولوطا إذ قال لقومه ، فإنه أخرجه هناك عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج ، والحديث من قوله : ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ، قد مر في باب قول الله تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد بن أسماء إلى آخره ، وقوله : ونحن أحق من إبراهيم إلى آخره قد مر في تفسير سورة البقرة في باب : وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ، فإنه أخرجه هناك عن أحمد بن صالح ، وقد مر الكلام في الكل مستقصى .