4- بَاب قَوْلِهِ : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا . وَمِنْهُ : لَا أُقْسِمُ : أَيْ أُقْسِمُ ، وَتُقْرَأُ : لَأُقْسِمُ . قَاسَمَهُمَا : حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا . 4705- حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قَالَ : هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً ، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ . 4706- حَدَّثَني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ قَالَ : آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قِيلَ إِنَّ عِضِينَ جَمْعُ عُضْوٍ ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ : جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ أَيْ جَعَلُوهُ أَعْضَاءً كَأَعْضَاءِ الْجَزُورِ ، وَقِيلَ هِيَ جَمْعُ عِضَةٍ وَأَصْلُهَا عِضْهَةٌ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ كَمَا حُذِفَتْ مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ وَجُمِعَتْ بَعْدَ الْحَذْفِ عَلَى عِضِينَ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَكِرَةٍ كِرِينِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : عِضِينَ عَضَهُوهُ وَبَهَتُوهُ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْعَضْهُ السِّحْرُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ ، تَقُولُ لِلسَّاحِرَةِ الْعَاضِهَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ مِثْلُ قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَلَفْظُهُ : عَضُّوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَاحِرٌ وَقَالَ آخَرُ مَجْنُونٌ وَقَالَ آخَرُ كَاهِنٌ ، فَذَلِكَ الْعِضِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ : وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ : قَسَّمُوا الْقُرْآنَ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا : ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْبَعُوضَ وَالذُّبَابَ وَالنَّمْلَ وَالْعَنْكَبُوتَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنَا صَاحِبُ الْبَعُوضِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ النَّمْلِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ الْعَنْكَبُوتِ ، وَكَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةً : الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ ، وَالْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ وَالْحَارِثَ بْنَ قَيْسٍ ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ فِي عَدِّ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِثْلُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ وَزَادَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ هَلَاكِهِمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ . قَوْلُهُ : الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ حَلَفُوا ، وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ ، وَتُقْرَأُ لَأُقْسِمُ ، وَقَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا ) قُلْتُ هَكَذَا جَعَلَ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسَمِ بِمَعْنَى الْحَلِفِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنَ الْقِسْمَةِ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : الَّذِينَ جَعَلُوا هُوَ صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَسَمُوهُ وَفَرَّقُوهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : وَقَاسَمَهُمَا حَلَفَ لَهُمَا ، وَقَالَ أَيْضًا أَبُو عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ نَقْلَ كَلَامِهِ : مِنَ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا وَفَرَّقُوا ، قَالَ : وَقَوْلُهُ عِضِينَ أَيْ فَرَّقُوهُ عَضُّوهُ أَعْضَاءً . قَالَ رُؤْبَةُ : وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى أَيْ بِالْمُفَرَّقِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ إِلَخْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ، أَيْ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِاقْتِسَامِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَسَمِ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسْمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مَجَازُهَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَاخْتَلَفَ الْمُعْرِبُونَ فِي لَا فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَا تُزَادُ إِلَّا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ ، وَقِيلَ هُوَ جَوَابُ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ ، وَقِيلَ نَفْيٌ عَلَى بَابِهَا وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى لَا أُقْسِمُ بِكَذَا بَلْ بِكَذَا ، وَأَمَّا قِرَاءَةُ لَأُقْسِمُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فَقِيلَ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَقِيلَ لَامُ التَّأْكِيدِ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الَّتِي بَعْدَهَا وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ وَعَلَى إِثْبَاتِهَا فِي لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ تَقَاسَمُوا تَحَالَفُوا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ : قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ قَالَ تَحَالَفُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَدْخُلُ فِي الْمُقْتَسِمِينَ إِلَّا عَلَى رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، فَإِنَّ الطَّبَرِيَّ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ الْمُقْتَسِمِينَ قَوْمُ صَالِحٍ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ يَعْنِي فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي أَصْلِ اشْتِقَاقِهَا أَوَّلَ الْبَابِ . قَوْلُهُ : ( هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ) فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَوْلُهُ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ . قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : ( عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ هُوَ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ . 5- بَاب وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قَالَ سَالِمٌ : الْيَقِينُ : الْمَوْتُ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ قَالَ سَالِمٌ : الْيَقِينُ الْمَوْتُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ بِهَذَا ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلِهِ ، وَاسْتَشْهَدَ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مَشْرُوحًا ، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُخَرِّجْ هُنَا هـَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ : كَانَ ذِكْرُهُ أَلْيَقَ مِنْ هَذَا ; قَالَ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْتِ . قُلْتُ : لَا يَلْزَمُ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ بَعْجَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خَيْرُ مَا عَاشَ النَّاسُ بِهِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ هُوَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ فَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِقَوْلِ سَالِمٍ ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ وَإِطْلَاقُ الْيَقِينِ عَلَى الْمَوْتِ مَجَازٌ ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُشَكُّ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وبَاب قَوْلِهِ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ · ص 233 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الذين جعلوا القرآن عضين · ص 12 باب الذين جعلوا القرآن عضين . أي هذا باب في قوله عز وجل : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وليس في بعض النسخ لفظ باب ، وقبله وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قوله : وقل أي قل يا محمد : إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ عذابا ، كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ فحذف المفعول فهو المشبه ، ودل عليه المشبه به كما تقول : أريتك القمر في الحسن أي رجلا كالقمر ، وقيل الكاف زائدة أي أنذرتكم ما أنزلنا بالمقتسمين ، وقيل : متعلق بقوله : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي كَمَا أَنْـزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ والآن يجيء تفسير المقتسمين ، قوله : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ صفة للمقتسمين ، قوله : عِضِينَ أي أعضاء متفرقة من عضيت الشيء أي فرقته ، وقيل : هو جمع عضة وأصلها عضوة فعلة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء أي جزأها أجزاء ، وقيل : أصلها عضهة فحذفت الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة ، وأصلها شفهة ، ومن الشاة وأصلها شاهة ، وبعد الحذف جمع على عضين مثل ما جمع برة على برين ، وكرة على كرين ، وقلة على قلين ، وروى الطبري من طريق قتادة قال : عضين عضوه وبهتوه ، ومن طريق عكرمة قال : العضة السحر بلسان قريش : يقال للساحرة العاضهة . المقتسمين الذين حلفوا . إنما سموا بذلك لأنهم كانوا يستهزئون بالقرآن فيقول بعضهم : السورة منه لي ، ويقول الآخر : السورة منه لي ، وقال مجاهد : فرقوا كتبهم فآمن بعضهم ببعضها ، وكفر بعضها آخرون ، وقيل : هم قوم اقتسموا القرآن ، فقال بعضهم : سحر ، وقال آخرون : شعر ، وقال آخرون : أساطير الأولين ، وقال آخرون : كذب ، وسمر ، وقال مقاتل : كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقار مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها ، وأنقابها ، فإذا جاء الحاج قال فريق منهم : لا تغتروا بالخارج منا مدعي النبوة فإنه مجنون ، وقالت طائفة على طريق آخر : إنه كاهن ، وقالت طائفة : إنه عراف ، وقالت طائفة : إنه شاعر ، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه كاهنا فإذا سئل عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : صدق أولئك يعني المقتسمين ، وأهلكهم الله عز وجل يوم بدر ، وقبله بآفات . ومنه لا أقسم أي أقسم وتقرأ لأقسم . أي ومن معنى المقتسمين لا أقسم ، وأشار بذلك إلى أن معنى المقتسمين من القسم ، فلذلك قال : المقتسمين الذين حلفوا ، وليس الأمر كما ذكره بل هو من الاقتسام لا من القسم ، فلا يصح جعل لا أقسم منه ، قوله : أي أقسم أي معنى لا أقسم أقسم ، لأن كلمة لا مقحمة ، وقال أبو عبيدة في قوله تعالى : لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ مجازها أقسم بيوم القيامة ، وقيل : كلمة لا على بابها ، والمعنى : لا أقسم بكذا وكذا بل بكذا ، وقيل : معناه ليس الأمر كما زعمتم ، قوله : وتقرأ على صيغة المجهول ، والقارئ بها ابن كثير لأقسم بفتح اللام بغير مد، وهو لام التأكيد ، وقيل : لام القسم . قاسمهما حلف لهما ولم يحلفا له . أشار بهذا إلى أن باب المفاعلة هنا ليس على أصله ، وإنما هو على معنى فعل لا للمشاركة ، وهذا في قوله تعالى : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ أي قاسم إبليس آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام ، ومعناه حلف لهما أنه من الناصحين لهما في قوله : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الآية ، قوله : ولم يحلفا له أي لم يحلف آدم وحواء لإبليس ، وبهذا أشار إلى عدم المشاركة في قوله : وقاسمهما ، كما ذكرناه . وقال مجاهد تقاسموا تحالفوا . أي قال مجاهد في معنى قوله تعالى : تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ أي تحالفوا ، وكذا أخرجه الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه ، ومراده من ذكر هذا والذي قبله تقوية ما ذهب إليه من أن لفظ المقتسمين من القسم لا من القسمة ، وهو خلاف ما ذكره الجمهور من المفسرين . 226 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ قال : هم أهل الكتاب ، جزؤوه أجزاء ، فآمنوا ببعضه ، وكفروا ببعضه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وهشيم مصغر الهشم ابن بشير بضم الباء الموحدة الواسطي ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، واسمه جعفر بن أبي وحشية ، واسمه إياس اليشكري ، والحديث من أفراده ، قوله : جزؤوه من التجزئة وهي التفرقة .