4 - بَاب فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا إِلَى قَوْلِهِ : قصصا . صُنْعًا عَمَلًا ، حِوَلا تَحَوُّلًا ، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا إِمْرًا وَنُكْرًا : دَاهِيَةً ، يَنْقَضَّ : يَنْقَاضُ كَمَا تَنْقَاضُ السِّنُّ ، لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ ، رُحْمًا مِنْ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ الرَّحْمَةِ ، وَيُظنُّ أَنَّهُ مِنْ الرَّحِيمِ ، وَتُدْعَى مَكَّةُ أُمَّ رُحْمٍ ، أَيْ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا قَوْلُهُ : ( بَابُ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا - إِلَى قَوْلِهِ - قَصَصًا سَاقَ فِيهِ قِصَّةَ مُوسَى عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ فِي الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَوْلُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ تَقَدَّمَ قَبْلَ ببَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : حَجَجْتُ حَجَّةً وَلَيْسَ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ الْخَبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، حَتَّى سَمِعْتُهُ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُهُ بِالْعَنْعَنَةِ . قَوْلُهُ : ( يَنْقَضُّ يَنْقَاضُ كَمَا يَنْقَاضُ السِّنُّ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الشَّيْءُ بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ : يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ أَيْ يَقَعَ ، يُقَالُ : انْقَضَّتِ الدَّارُ إِذَا انْهَدَمَتْ ، قَالَ : وَقَرَأَهُ قَوْمٌ يَنْقَاضُ أي يَنْقَلِعُ مِنْ أَصْلِهِ ، كَقَوْلِكَ : انْقَاضَتِ السِّنُّ إِذَا انْقَلَعَتْ مِنْ أَصْلِهَا ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ أَبِي ذَرٍّ ، وَقِرَاءَةُ يَنْقَاضُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ . وَاخْتُلِفَ فِي ضَادِهَا فَقِيلَ بِالتَّشْدِيدِ بِوَزْنِ يَحْمَارُّ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ يَنْقَضُّ ، وَيَنْقَضُّ بِوَزْنِ يَفْعَلُّ مِنِ انْقِضَاضِ الطَّائِرِ إِذَا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَقِيلَ بِالتَّخْفِيفِ وَعَلَيْهِ يَنْطَبِقُ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَرَأَ يَنْقَاصُ بِالْمُهْمَلَةِ ، وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : يَقُولُونَ : انْقَاصَتِ السِّنُّ إِذَا انْشَقَّتْ طُولًا ، وَقِيلَ : إِذَا تَصَدَّعَتْ كَيْفَ كَانَ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : قِيلَ مَعْنَاهُ كَالَّذِي بِالْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ الشَّقُّ طُولًا . وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ : انْقَاضَ بِالْمُعْجَمَةِ انْكَسَرَ ، وَبِالْمُهْمَلَةِ انْصَدَعَ . وَقَرَأَ الْأَعْمَشُ تَبَعًا لِابْنِ مَسْعُودٍ يُرِيدُ لِيُنْقَضَ بِكَسْرِ اللَّامِ وَضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الضَّادِ مِنَ النَّقْضِ . قَوْلُهُ : نُكْرًا دَاهِيَةً ) كَذَا فِيهِ ، وَالَّذِي عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا دَاهِيَةً ، وَنُكْرًا أَيْ عَظِيمًا . وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَبْلَغُ فَقِيلَ إِمْرًا أَبْلَغُ مِنْ نُكْرًا لِأَنَّهُ قَالَهَا بِسَبَبِ الْخَرْقِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى هَلَاكِ عِدَّةِ أَنْفُسٍ ، وَتِلْكَ بِسَبَبِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ . وَقِيلَ نُكْرًا أَبْلَغُ لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا نَاجِزًا بِخِلَافِ إِمْرًا لِكَوْنِ الضَّرَرِ فِيهَا مُتَوَقَّعًا . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي نُكْرًا : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ وَلَمْ يَقُلْهَا فِي إِمْرًا . قَوْلُهُ : ( لَتَخِذْتَ وَاتَّخَذْتَ وَاحِدٌ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَهَا لَتَخِذْتَ وَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو ، وَرِوَايَةُ غَيْرِهِ لَاتَّخَذْتَ . قَوْلُهُ : ( رُحْمًا مِنَ الرُّحْمِ وَهِيَ أَشَدُّ مُبَالَغَةٍ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الرَّحِيمِ ، وَتُدْعَى مَكَّةَ أُمُّ رُحْمٍ أَيِ الرَّحْمَةُ تَنْزِلُ بِهَا ) هُوَ مِنْ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَوَقَعَ عِنْدَهُ مُفَرَّقًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ رُحْمًا مِنَ الرَّحِمِ الَّتِي هِيَ الْقَرَابَةُ ، وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ رِقَّةُ الْقَلْبِ ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُهَا غَالِبًا مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ ، وَقَوْلُهُ : وَيُظَنُّ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ، وَقَوْلُهُ : مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّحْمَةِ أَيِ الَّتِي اشْتُقَّ مِنْهَا الرَّحِيمُ ، وَقَوْلُهُ : أُمُّ رُحْمٍ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالسُّكُونِ وَذَلِكَ لِتَنْزِلَ الرَّحْمَةُ بِهَا ، فَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الرُّحْمَ مِنَ الْقَرَابَةِ لَا مِنَ الرِّقَّةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا · ص 276 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة · ص 278 5 - باب قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة 4727 - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى الْخَضِرِ ، فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : قَامَ مُوسَى خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ قَالَ : أَنَا . فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ؛ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ : بَلَى ، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قَالَ : أَيْ رَبِّ ، كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : تَأْخُذُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ ، فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَاتَّبِعْهُ . قَالَ : فَخَرَجَ مُوسَى وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا . قَالَ : فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ ، فَنَامَ . قَالَ سُفْيَانُ : وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو قَالَ : وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ ، يُقَالُ لَهَا : الْحَيَاةُ ، لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ ، فَأَصَابَ الْحُوتَ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ . قَالَ : فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنْ الْمِكْتَلِ ، فَدَخَلَ الْبَحْرَ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ مُوسَى ، قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا الْآيَةَ . قَالَ : وَلَمْ يَجِدْ النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ مَا أُمِرَ بِهِ . قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ الْآيَةَ . قَالَ : فَرَجَعَا يَقُصَّانِ فِي آثَارِهِمَا فَوَجَدَا فِي الْبَحْرِ كَالطَّاقِ مَمَرَّ الْحُوتِ ، فَكَانَ لِفَتَاهُ عَجَبًا وَلِلْحُوتِ سَرَبًا . قَالَ : فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ؛ إِذْ هُمَا بِرَجُلٍ مُسَجًّى بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى . قَالَ : وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ ؟ فَقَالَ : أَنَا مُوسَى . قَالَ : مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا ؟ قَالَ لَهُ الْخَضِرُ : يَا مُوسَى ، إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ . قَالَ : بَلْ أَتَّبِعُكَ ، قَالَ : فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ ، فَمَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ ، فَعُرِفَ الْخَضِرُ فَحَمَلُوهُمْ فِي سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ - يَقُولُ : بِغَيْرِ أَجْرٍ - فَرَكِبَا السَّفِينَةَ ، قَالَ : وَوَقَعَ عُصْفُورٌ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ، فَغَمَسَ مِنْقَارَهُ فِي الْبَحْرِ . فَقَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى : مَا عِلْمُكَ وَعِلْمِي وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِقْدَارُ مَا غَمَسَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْقَارَهُ . قَالَ : فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى ؛ إِذْ عَمَدَ الْخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ الْآيَةَ . فَانْطَلَقَا ، إِذَا هُمَا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ ، قَالَ لَهُ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ؟ ! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا . قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا إِلَى قَوْلِهِ : فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ . فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَقَامَهُ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : إِنَّا دَخَلْنَا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ : وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا . قوله : ( باب قوله تعالى : قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ إلخ ) ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر ، وذكر فيه قصة موسى والخضر عن قتيبة عن سفيان بن عيينة ، وقد تقدمت عن عبد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة في كتاب العلم ، وقوله في آخرها : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ) تقدم في العلم بلفظ ( يرحم الله موسى لوددنا لو صبر ) وتقدم في أحاديث الأنبياء عن علي بن عبد الله بن المديني عن سفيان كرواية قتيبة ، لكن قال بعدها : ( قال سفيان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يرحم الله موسى إلخ ) فهذا يحتمل أن تكون هذه الزيادة وهو ( يرحم الله موسى ) لم تكن عند ابن عيينة بهذا الإسناد ، ولكنه أرسلها . ويحتمل أن يكون على سمعه منه مرتين مرة بإثباتها ومرة بحذفها وهو أولى ، فقد أخرجه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعمرو بن محمد الناقد وابن أبي عمر وعبيد الله بن سعيد والترمذي عن ابن أبي عمر والنسائي عن ابن أبي عمر كلهم عن سفيان بلفظ : ( يرحم الله موسى إلخ ) متصلا بالخبر ، وأخرجه مسلم من طريق رقبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير بزيادة ولفظه : ( ولو صبر لرأى العجب ) وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه ( رحمة الله علينا وعلى أخي كذا ) وأخرجه الترمذي والنسائي من طريق حمزة الزيات عن أبي إسحاق مختصرا ، وأبو داود من هذا الوجه مطولا ، ولفظه ( وكان إذا دعا بدأ بنفسه وقال : رحمة الله علينا وعلى موسى ) . وقد ترجم المصنف في الدعوات من خص أخاه بالدعاء دون نفسه وذكر فيه عدة أحاديث ، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة وهي ( كان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه ) لم تثبت عنده ، وقد سئل أبو حاتم الرازي عن زيادة وقعت في قصة موسى والخضر من رواية ابن إسحاق هذه عن سعيد بن جبير وهي قوله في صفة أهل القرية ( أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس ) فأنكرها وقال : هي مدرجة في الخبر ، فقد يقال : وهذه الزيادة مدرجة فيه أيضًا ، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا · ص 47 باب قوله : فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا إلى قوله : عَجَبًا أي هذا باب في قوله عز وجل : فَلَمَّا جَاوَزَا أي لما جاوزا الموضع الذي نسيا فيه الحوت قال موسى لفتاه يوشع بن نون : آتنا غداءنا يعني طعامنا ، وزادنا ، قوله : نَصَبًا أي تعبا لأنهما سارا بعد مفارقة الصخرة يوما وليلة . صنعا عملا . أشار به إلى قوله تعالى : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا وفسر صُنْعًا بقوله : عملا ، وقوله : هم يرجع إلى الأخسرين أعمالا في قوله : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ في قوله : هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا واختلفوا فيهم ، فعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : هم الرهبان والقسوس الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع ، وعن سعيد بن أبي وقاص رضي الله عنه : هم اليهود والنصارى ، وسأل عبد الله بن الكوا عليا رضي الله تعالى عنه عن الأخسرين أعمالا قال : أنتم يا أهل حروراء ، قوله : يَحْسَبُونَ أي يظنون . حولا تحولا . أشار به إلى قوله تعالى : لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا وفسر حِوَلا بقوله : تحولا ، والحول مصدر مثل الصغر والعوج ، والمعنى أصحاب الجنة لا يطلبون عن الجنة تحويلا . إمرا ونكرا داهية . أشار به إلى قوله تعالى : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا وقوله : لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ، وقد مر تفسيرهما ، وفسرهما البخاري بقوله : داهية . ينقض ينقاض كما تنقاض السن . أشار به إلى قوله تعالى : فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ وقد مر تفسيره ، قوله : السن بكسر السين المهملة وتشديد النون ، ويروى الشين . لتخذت واتخذت واحد . أشار به إلى قوله تعالى : قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قال : وذكر أن معنى لتخذت واتخذت واحد ، وكذا قال أبو عبيدة هو في رواية مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها : لاتخذت ، وهي قراءة أبي عمرو ، وقراءة غيره : لاتخذت . رحما من الرحم ، وهي أشد مبالغة من الرحمة ، ويظن أنه من الرحيم ، وتدعى مكة أم رحم أي الرحمة تنزل بها . أشار به إلى قوله تعالى : خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا قوله : من الرحم بكسر الحاء إلى آخره من كلام أبي عبيدة ، ولكن وقع عنده معرفا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، قوله : ويظن على صيغة المجهول ، قوله : أم رحم بضم الراء وسكون الحاء . 248 - حدثني قتيبة بن سعيد ، قال : حدثني سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس بموسى الخضر ، فقال : كذب عدو الله ، حدثنا أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قام موسى خطيبا في بني إسرائيل ، فقيل له : أي الناس أعلم ؟ قال : أنا ، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، وأوحى إليه بلى عبد من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك قال : أي رب ، كيف السبيل إليه ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل ، فحيثما فقدت الحوت فاتبعه ، قال : فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ، ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها قال : فوضع موسى رأسه فنام ، قال سفيان : وفي حديث غير عمرو قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها : الحياة ، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين ، قال : فتحرك وانسل من المكتل ، فدخل البحر كلما استيقظ موسى قال لفتاه : آتِنَا غَدَاءَنَا الآية ، قال : ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمر به قال له فتاه يوشع بن نون : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ الآية ، قال : فرجعا يقصان في آثارهما فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت ، فكان لفتاه عجبا ، وللحوت سربا ، قال : فلما انتهيا إلى الصخرة إذ هما برجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى قال : وأنى بأرضك السلام ؟ فقال : أنا موسى ، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ، قال : هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ؟ قال له الخضر : يا موسى ، إنك على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه ، وأنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه ، قال : بل أتبعك ، قال : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على الساحل ، فمرت بهما سفينة فعرف الخضر ، فحملوهم في سفينتهم بغير نول ، يقول : بغير أجر ، فركبا السفينة قال : ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره البحر فقال الخضر لموسى : ما علمك وعلمي وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره ، قال : فلم يفجأ موسى إذ عمد الخضر إلى قدوم ، فخرق السفينة ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ الآية ، فانطلقا إذا هما بغلام يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر برأسه فقطعه قال له موسى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا إلى قوله : فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فقال بيده : هكذا فأقامه ، فقال له موسى : إنا دخلنا هذه القرية فلم يضيفونا ، ولم يطعمونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال : هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما ، قال : وكان ابن عباس يقرأ : وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وأما الغلام فكان كافرا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، قوله : قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا ، وهو طريق آخر في الحديث المذكور قبله ، وهو عن قتيبة ، عن سفيان إلى آخره ، وفيه بعض اختلاف في المتن ببعض زيادة ، وبعض نقصان ، وفيه : حدثني قتيبة ، حدثني سفيان ، ويروى : حدثنا قتيبة ، حدثنا سفيان ، وفيه : عن عمرو بن دينار ، وفي رواية الحميدي في الباب المتقدم : حدثنا عمرو بن دينار . قوله : يقال لها : الحياة وهي المشهورة بين الناس بماء الحياة ، وعين الحياة ، قوله : فلم يفجأ ، ويروى : فلم يفج ووجهه أن الهمزة تخفف فتصير ألفا فتحذف بالجازم نحو : لم يخش ، قوله : وكان ابن عباس يقرأ إلى آخره ، ووافقه عليها عثمان أيضا .