39 - بَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ 417 حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَحَكَّهَا بِيَدِهِ ، وَرُئِيَ مِنْهُ كَرَاهِيَةٌ - أَوْ رُئِيَ كَرَاهِيَتُهُ لِذَلِكَ وَشِدَّتُهُ عَلَيْهِ - وَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ رَبُّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ فِي قِبْلَتِهِ وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ . ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ وَرَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، قَالَ : أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ ) أَنْكَرَ السُّرُوجِيُّ قَوْلُهُ : بَدَرَهُ وَقَالَ : الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ بَدَرْتُ إِلَيْهِ وَبَادَرْتُهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُغَالَبَةِ فَيُقَالُ : بَادَرْتُ كَذَا فَبَدَرَنِي أَيْ سَبَقَنِي ، وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ التَّقْيِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْمُبَادَرَةِ ، مَعَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِلَفْظِ : وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِثَوْبِهِ هَكَذَا ، ثُمَّ طَوَى بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ وَفَسَّرَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ : بِأَنْ يَتْفُلَ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يَرُدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ لَكِنَّهُمَا لَيْسَا عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمَا بِأَنْ حَمَلَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تَفْصِيلَ فِيهَا عَلَى مَا فَصَّلَ فِيهِمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ قَبْلَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ ، وَقَوْلُهُ هُنَا : وَرُؤيَ مِنْهُ بِضَمِّ الرَّاءِ بَعْدَهَا وَاوٌ مَهْمُوزَةٌ ، أَيْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَ كَرَاهِيَتُهُ بِالرَّفْعِ أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَقَوْلُهُ : أَوْ رُؤيَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ : وَشِدَّتُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى كَرَاهِيَتِهِ وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : لِذَلِكَ . وَفِي الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ - النَّدْبُ إِلَى إِزَالَةِ مَا يُسْتَقْذَرُ أَوْ يُتَنَزَّهُ عَنْهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَتَفَقُّدُ الْإِمَامِ أَحْوَالَ الْمَسَاجِدِ وَتَعْظِيمُهَا وَصِيَانَتُهَا ، وَأَنَّ لِلْمُصَلِّيَ أَنْ يَبْصُقَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَفْسُدَ صَلَاتُهُ ، وَأَنَّ النَّفْخَ وَالتَّنَحْنُحَ فِي الصَّلَاةِ جَائِزَانِ ؛ لِأَنَّ النُّخَامَةَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مَعَهَا شَيْءٌ مِنْ نَفْخٍ أَوْ تَنَحْنُحٍ ، وَمَحِلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَفْحُشْ وَلَمْ يَقْصِدْ صَاحِبُهُ الْعَبَثَ وَلَمْ يَبِنْ مِنْهُ مُسَمَّى كَلَامٍ وَأَقَلُّهُ حَرْفَانِ أَوْ حَرْفٌ مَمْدُودٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ ، لَكِنْ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ قَبْلُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ النَّفْخُ يُسْمَعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِحَدِيثٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَبِأَثَرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ . وَفِيهَا أَنَّ الْبُصَاقَ طَاهِرٌ ، وَكَذَا النُّخَامَةُ وَالْمُخَاطُ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ : كُلُّ مَا تَسْتَقْذِرُهُ النَّفْسُ حَرَامٌ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ التَّحْسِينَ وَالتَّقْبِيحَ إِنَّمَا هُوَ بِالشَّرْعِ ، فَإِنَّ جِهَةَ الْيَمِينِ مُفَضَّلَةٌ عَلَى الْيَسَارِ ، وَأَنَّ الْيَدَ مُفَضَّلَةٌ عَلَى الْقَدَمِ . وَفِيهَا الْحَثُّ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَلِيًّا لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاشَرَ الْحَكَّ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عِظَمِ تَوَاضُعِهِ ، زَادَهُ اللَّهُ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ فَلْيَأْخُذْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ · ص 611 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا بدره البصاق فليأخذ بطرف ثوبه · ص 350 39 - باب إذا بدره البصاق فليأخذ بطرف ثوبه 417 - حدثنا مالك بن إسماعيل : ثنا زهير : ثنا حُميد ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ، ورئي منه كراهية - أو رئي كراهيته - لذلك وشدته عليه ، فقال : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربه - أو إن ربه بينه وبين القبلة - فلا يبزقن في قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه ، ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ، ورد بعضه على بعض . قال : أو يفعل هكذا ومقصوده بتخريج هذا الحديث في هذا الباب : ذكر حكم البصاق في الثوب خاصة ، وقد بينه صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله ، كما سبق التنبيه على ذلك ، وأن فيه إشارة إلى أن تلويث الثوب للحاجة إليه ليس مما ينبغي التنزه عنه ، كما قد يأنف منه بعض أهل الكبر والأنفة . والمصلي إن كان في المسجد فالأولى أن يبصق في ثوبه ويدلكه بعضه ببعض ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليذهب أثره ، وهو أولى من البصاق في المسجد مع تغييبه ؛ للاختلاف في جوازه . وإن كان خارج المسجد ، فقالت طائفة من أصحابنا : الأولى أن يبصق عن يساره ؛ لما فيه من صيانة الثوب عن تلويثه بالمستقذرات . وخرج مسلم من حديث القاسم بن مهران ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد ، فأقبل عَلَى الناس ، فقال : ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه ؟ أيحب أن يُستقبل فيتنخع فِي وجهه ، فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عَن يساره تَحْت قدمه ، فإن لَمْ يجد فيتفل هكذا . ووصف الْقَاسِم : فتفل فِي ثوبه ، ثُمَّ مسح بعضه عَلَى بعض . وفي رِوَايَة لَهُ : قَالَ أبو هُرَيْرَةَ : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد ثوبه بعضه عَلَى بعض . وهذا يستدل به على أن البصاق على الأرض حيث أمكن فهو أولى من البصاق في الثوب ؛ لأنه لم يأمر به إلا عند تعذر البصاق عن يساره ، وليس المراد أنه لا يجوز فعله إلا عند تعذر البصاق على الأرض ، بل المراد أنه لا حاجة إلى تلويث ثوبه بالبصاق مع القدرة على الاستغناء عنه . فهو كقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ وقوله : فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وقوله : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن الحارثة : أنت أخونا ومولانا ، مع أنه كان يعلم أباه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه · ص 155 باب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه أي : هذا باب يذكر فيه إذا بدره البزاق ؛ يعني إذا غلب عليه ولم يقدر على دفعه ، لكن لا يقال بدره بل يقال بدر إليه ، قال الجوهري : بدرت إلى الشيء أبدر بدورا أسرعت ، وكذلك بادرت إليه وتبادر القوم تسارعوا ، وأجاب بعضهم عن هذا نصرة للبخاري بأنه يستعمل في المغالبة فيقال بادرت كذا فبدرني ؛ أي سبقني . قلت : هذا كلام من لم يمس شيئا من علم التصريف ، فإن في المغالبة يقال بادرني فبدرته ولا يقال بادرت كذا فبدرني ، والفعل اللازم في باب المغالبة يجعل متعديا بلا حرف صلة ، يقال : كارمني فكرمته ، وليس هنا باب المغالبة حتى يقال بدره . 79 - حدثنا مالك بن إسماعيل قال : حدثنا زهير قال : حدثنا حميد ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في القبلة فحكها بيده ، ورؤي منه كراهية - أو رؤي كراهيته - لذلك وشدته عليه ، وقال : إن أحدكم إذا قام في صلاة فإنما يناجي ربه - أو ربه بينه وبين قبلته - فلا يبزقن في قبلته ، ولكن عن يساره أو تحت قدمه . ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ورد بعضه على بعض ، قال : أو يفعل هكذا . الترجمة مشتملة على شيئين ؛ أولهما : مبادرة البزاق ، والآخر : هو أخذ المصلي بزاقه بطرف ثوبه ، وفي الحديث ما يطابق الثاني وهو قوله ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه ، وليس للجزء الأول ذكر في الحديث أصلا ، ولهذا اعترض عليه في ذلك ، ولكن يمكن أن يقال وإن كان فيه تعسف كأنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث وهو ما رواه مسلم من حديث جابر بلفظ : وليبصق عن يساره تحت رجله اليسرى ، فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا - ثم طوى بعضه على بعض . وروى أبو داود : فإن عجلت به بادرة فليقل بثوبه هكذا - وضعه على فيه ثم دلكه . قوله ( بادرة ) ؛ أي حدة ، وبادرة الأمر حدته ، والمعنى : إذا غلب غليه البصاق والنخامة فليقل بثوبه هكذا . وقوله وضعه على فيه تفسير لقوله فليقل به ، ولأجل ذلك ترك العاطف ؛ أي وضع ثوبه على فمه حتى يتلاشى البزاق فيه . ذكر رجاله : وهم أربعة ؛ الأول : مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي ، وقد مر في باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان . الثاني : زهير - بالتصغير - ابن معاوية الكوفي . الثالث : حميد الطويل . الرابع : أنس بن مالك . وقد تقدم هذا الحديث في باب حك البزاق باليد من المسجد وذكرنا هناك ما يتعلق به من الأبحاث ، ولنذكر هاهنا ما لم نذكره هناك : قوله ( كراهية ) مرفوع بقوله رؤي على صيغة المجهول . قوله ( أو رؤي كراهيته ) شك من الراوي . قوله ( لذلك ) ؛ أي لأجل رؤية النخامة في القبلة . قوله ( وشدته عليه ) يجوز فيه الرفع والجر عطفا على الكراهية أو على لذلك . قوله ( أو ربه ) مبتدأ ، وخبره هو قوله بينه وبين القبلة ، والجملة معطوفة على يناجي ربه عطف الجملة الاسمية على الفعلية . قوله ( وقال ) ، في بعض النسخ فقال بالفاء . وفيه من الفوائد استحباب إزالة ما يستقذر أو يتنزه عنه من المسجد ، وفيه تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها ، وفيه أن للمصلي أن يبصق في الصلاة ولا تفسد صلاته ، وفيه أنه إذا نفخ أو تنحنح جاز ، كذا قالوا ، ولكن هذا بالتفصيل وهو أن التنحنح لا يخلو إما أن يكون بغير اختياره فلا شيء عليه ، وإن كان باختياره فإن حصلت منه حروف ثلاثة تفسد صلاته وفي الحرفين قولان ، وعن أبي حنيفة أن النفخ إذا كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة . وفيه أن البصاق طاهر وكذا النخامة والمخاط خلافا لمن يقول كل ما تستقذره النفس حرام ، ومن فوائده أن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع لكون اليمين مفضلة على اليسار واليد مفضلة على القدم .