40 - بَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ 418 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ ، إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ : فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى عِظَةٍ ، وَأَوْرَدَهُ لِلْإِشْعَارِ بِمُنَاسَبَةِ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي ) هُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ ، أَيْ أَنْتُمْ تَظُنُّونَ أَنِّي لَا أَرَى فِعْلَكُمْ لِكَوْنِ قِبْلَتِي فِي هَذِهِ الْجِهَةِ ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَقْبَلَ شَيْئًا اسْتَدْبَرَ مَا وَرَاءَهُ ، لَكِنْ بَيَّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رُؤْيَتَهُ لَا تَخْتَصُّ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ إِمَّا بِأَنْ يُوحَى إِلَيْهِ كَيْفِيَّةُ فِعْلِهِمْ وَإِمَّا أَنْ يُلْهَمَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ : مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي . وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يَرَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ يَسَارِهِ مِمَّنْ تُدْرِكُهُ عَيْنُهُ مَعَ الْتِفَاتٍ يَسِيرٍ فِي النَّادِرِ ، وَيُوصَفُ مَنْ هُوَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ، وَهَذَا ظَاهِرُ التَّكَلُّفِ ، وَفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظَّاهِرِ بِلَا مُوجِبٍ . وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَأَنَّ هَذَا الْإِبْصَارَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ خَاصٌّ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْخَرَقَتْ لَهُ فِيهِ الْعَادَةُ ، وَعَلَى هَذَا عَمَلُ الْمُصَنِّفِ فَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَكَذَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . ثُمَّ ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِرُؤْيَةِ عَيْنِهِ انْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَةُ فِيهِ أَيْضًا فَكَانَ يَرَى بِهَا مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا عَقْلًا عُضْوٌ مَخْصُوصٌ وَلَا مُقَابَلَةٌ وَلَا قُرْبٌ ، وَإِنَّمَا تِلْكَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا عَقْلًا ، وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ خِلَافًا لِأَهْلِ الْبِدَعِ لِوُقُوفِهِمْ مَعَ الْعَادَةِ . وَقِيلَ : كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ خَلْفَ ظَهْرِهِ يَرَى بِهَا مَنْ وَرَاءَهُ دَائِمًا ، وَقِيلَ : كَانَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ يُبْصِرُ بِهِمَا لَا يَحْجُبُهُمَا ثَوْبٌ وَلَا غَيْرُهُ ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَتْ صُوَرُهُمْ تَنْطَبِعُ فِي حَائِطِ قِبْلَتِهِ كَمَا تَنْطَبِعُ فِي الْمِرْآةِ فَيَرَى أَمْثِلَتَهُمْ فِيهَا فَيُشَاهِدُ أَفْعَالَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَلَا خُشُوعُكُمْ ) أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السُّجُودَ ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَايَةَ الْخُشُوعِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسُّجُودِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي لَأَرَاكُمْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ الْقِبْلَةِ · ص 612 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة · ص 352 40 – باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة ، وذكر القبلة 418 - حدثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ؛ إني لأراكم من وراء ظهري . 419 - حدثنا يحيى بن صالح : ثنا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن أنس بن مالك ، قالَ : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ، ثُمَّ رقي المنبر ، فقالَ في الصَّلاة وفي الركوع - : إني لأراكم من ورائي كما أراكم وروى قتادة ، عن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي - وربما قال : من بعد ظهري - إذا ركعتم وسجدتم . خرجه البخاري في باب : الخشوع في الصلاة كما سيأتي من حديث شعبة . وخرجه مسلم من رواية شعبة وسعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . وأظن أن البخاري عدل عنه هاهنا إلى حديث فليح عن هلال ؛ لأن قتادة لم يصرح فيه بالسماع ، وقد أكثر البخاري في كتابه هذا من تخريج حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي . وهو هلال بن أبي ميمونة . روى عنه مالك وغيره ، وقد ذكر البخاري في تاريخه أنه سمع أنسا ، ولم يذكر ابن أبي حاتم في كتابه أنه يروي عن أنس ، وذكر أنه سأل أباه عنه ، فقال : شيخ يكتب حديثه . وأما فليح بن سليمان ، فقال فيه ابن معين وأبو حاتم والنسائي : ليس بالقوي ، وضعفه ابن معين - أيضا - وقال : لا يحتج به . وحكي عن أبي كامل المظفر بن مدرك أنه كان يتقي حديثه ، وضعفه أبو زرعة الرازي ، وقال : هو واهي الحديث - : نقله عنه البرذعي ، وضعفه علي ابن المديني - أيضا - نقله عنه أبو جعفر بن أبي شيبة في سؤالاته له . وبكل حال ؛ فرواية شعبة عن قتادة عن أنس ، وإن لم يصرح بالسماع أقوى من رواية فليح عن هلال عن أنس . والله أعلم . وخرج مسلم - أيضا - من حديث المختار بن فلفل ، عن أنس ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فلما قضى أقبل علينا بوجهه ، فقال : أيها الناس ، إني إمامكم ، فلا تسبقوني بالركوع ، ولا بالسجود ، ولا بالقيام ولا بالانصراف ؛ فإني أراكم أمامي ومن خلفي . ثم قال : والذي نفس محمد بيده ، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا . قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار . وخرج - أيضا - من طريق الوليد بن كثير : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف ، فقال : يا فلان ألا تحسن صلاتك ؟ ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي ، فإنما يصلي لنفسه ، إني والله لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي . دلت هذه الأحاديث على أن من رأى من يسيء صلاته فإنه يأمره بإحسان صلاته ويعظه ويبالغ في الوعظ ؛ فإن القلوب تستجيب إلى الحق بالموعظة الحسنة ما لا تستجيب بالعنف ، لا سيما إذا عم بالموعظة ولم يخص أحدا ، وإن خصه فإنه يلين له القول . وقد قال الله تعالى لنبيه عليه السلام : وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا وقال : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وفي بعض هذه الروايات أنه خطب الناس على المنبر ، واتفقت الأحاديث كلها على أنه أمر بإقامة الركوع ، وفي بعضها : والسجود ، وفي بعضها : والخشوع ، وفي بعضها : أنه نهاهم عن مسابقته بالركوع والسجود والانصراف من المسجد بعد إتمام صلاته ، وهذا كما أمر المصلي الذي أساء في صلاته أن يعود إلى الصلاة ، وقال له : إنك لم تصل . قال ميمون بن مهران : مثل الذي يرى الرجل يسيء صلاته فلا ينهاه كمثل الذي يرى النائم تنهشه الحية ثم لا يوقظه . وعن يحيى بن أبي كثير نحوه . ورأى ابن عمر رجلا لا يتم ركوعه وسجوده ، فقال له لما فرغ : يا ابن أخي ، تحسب أنك صليت ؟ إنك لم تصل ، فعد لصلاتك . وكان المسور بن مخرمة وغيره من الصحابة إذا رأوا من لا يتم صلاته أمروه بالإعادة ، ويقولون : لا يعصى الله ونحن ننظر ، ما استطعنا . قال النخعي : كانوا إذا رأوا الرجل لا يحسن الصلاة علموه . قال سفيان : أخشى أن لا يسعهم إلا ذلك . قال أبو خلاد : ما من قوم فيهم من يتهاون بالصلاة ولا يأخذون على يديه إلا كان أول عقوبتهم أن ينقص من أرزاقهم . ورأى الإمام أحمد رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده ، فقال : يا هذا ، أقم صلبك في الركوع والسجود ، وأحسن صلاتك . وقيل له : الرجل يرى أهل المسجد يسيئون الصلاة ؟ قال : يأمرهم . قيل له : إنهم يكثرون ، وربما كان عامة أهل المسجد ؟ قال : يقول لهم . قيل له : يقول لهم مرتين أو ثلاثا فلا ينتهون ، يتركهم بعد ذلك ؟ قال : أرجو أن يسلم - أو كلمة نحوها . وقال حنبل : قيل لأبي عبد الله : ترى الرجل إذا رأى الرجلَ لا يتم ركوعه ولا سجوده ، ولا يقيم صلبه ، ترى أن يأمره بالإعادة أو يمسك عنه ؟ قال : إن كان يظن أنه يقبل منه أمره وقال له ووعظه حتى يحسن صلاته ؛ فإن الصلاة من تمام الدين . وقوله : إن كان يظن أنه يقبل منه ، يخرج على قوله : إنه لا يجب الأمر بالمعروف إلا لمن ظن أنه يقبل . والمشهور عنه خلافه ، وأنه يجب مطلقا مع القدرة . ويجب الأمر بإتمام الركوع والسجود وإقامة الصلب في الصلاة ، وإن كان قد قال بعض الفقهاء : إن الصلاة صحيحة بدونه ؛ لأن الخلاف إذا كان مخالفا للسنن الصحيحة فلا يكون عذرا مسقطا للأمر بالمعروف . وأيضا ؛ فالخلاف إنما هو في براءة الذمة منها ، وقد أجمعوا على أنها صلاة ناقصة ، ومصليها مسيء غير محسن ، وجميع النصوص المذكورة في هذا الباب تدل على الأمر لمن لا يتم الركوع والسجود بإتمامها . وفي المسند و سنن ابن ماجه ، عن علي بن شيبان الحنفي - وكان أحد الوفد - قال : قدمنا على نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلمح بمؤخر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال : يا معشر المسلمين ، لا صلاة لامرئ لا يقيم صلبه في الركوع ولا في السجود . ومتى كان المسيء في صلاته جاهلا بما أساء فيه تعين الرفق في تعليمه ، كما رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له : والذي بعثك بالحق ، لا أحسن غير هذه الصلاة ، فعلمني ، فعلمه . وفي صحيح مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي ، قال : بينا أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم ، فقلت : رحمك الله . فرماني القوم بأبصارهم . فقلت : واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلما رأيتهم يصمتونني ، لكني سكت ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فبأبي هو وأمي - ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه ، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، ثم قال : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - قلت : يا رسول الله ، إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالإسلام - وذكر بقية حديث . فإن رأى من يفعل في صلاته مكروها لا يبطل الصلاة فأمره بتركه برفق كان حسنا . قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : رجل رأى رجلا مشمرا كميه في الصلاة ، أترى عليه أن يأمره ؟ قال : يستحب له أن يصلي غير كاف شعرا ولا ثوبا ، وليس هذا من المنكر الذي يغلظ ترك النهي عنه . وصلى أحمد يوما خلف رجل ، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيديه ، فلما فرغ قال أحمد لرجل إلى جانبه - وخفض صوته - قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يكف شعرا ولا ثوبا ، ففطن الإمام بذلك ، وعلم أنه أراده . ورأى الفضيل بن عياض رجلا يفقع أصابعه في صلاته فزبره وانتهره فقال له الرجل : يا هذا ، ينبغي لمن يقوم لله عز وجل أن يكون ذليلا ، فبكى الفضيل ، وقال له : صدقت . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا ، حتى كأنما يسوي بها القداح ، حتى رأى أن قد عقلنا عنه ، ثم خرج علينا يوما ، فقام حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقال : عباد الله ، لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم . وقوله صلى الله عليه وسلم : إني لأراكم من وراء ظهري ، وفي رواية : من خلفي ، وفي رواية : من بعدي - والمراد به : من خلفي - : فيه تحذير لهم من التقصير في الصلاة وراءه ، فإنهم لو كانوا بين يديه لم يقصروا في الصلاة فكذا ينبغي أن يصلوا من خلفه ؛ فإنه يراهم . وفيه تنبيه على أن من كان يحسن صلاته لعلمه بنظر مخلوق إليه فإنه ينبغي أن يحسنها لعلمه بنظر الله إليه ؛ فإن المصلي يناجي ربه ، وهو قريب منه ومطلع على سره وعلانيته . وقد روي حديث أبي هريرة بلفظ آخر ، فيه : الإشارة إلى هذا المعنى من رواية ابن إسحاق : حدثني سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انصرف من صلاته رأى رجلا كان في آخر الصفوف ، فقال : أي فلان ، ألا تتقي الله عز وجل في صلاتك ، فلا تتم ركوعك وسجودك ، ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ؟ وإنما يصلي لنفسه ، وإنما يناجي ربه عز وجل ، لا تظنون أني لا أراكم ، والله إني لأرى من خلفي منكم كما أرى من بين يدي . فقوله : ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي ، وإنما يصلي لنفسه ، يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه ، كما قال تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا فمن علم أنه يعمل لنفسه وأنه ملاق عمله ، ثم قصر في عمله وأساءه كان مسيئا في حق نفسه ، غير ناظر لها ولا ناصح . وقوله : وإنما يناجي ربه إشارة إلى أنه ينبغي له أن يستحي من نظر الله إليه ، واطلاعه عليه وقربه منه ، وهو قائم بين يديه يناجيه ، فلو استشعر هذا لأحسن صلاته غاية الإحسان ، وأتقنها غاية الإتقان ، كما قال صلى الله عليه وسلم : اعبد الله كأنك تراه . وفي القرآن الإشارة إلى هذا بقوله عز وجل : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ الآية . وقوله صلى الله عليه وسلم : لا تظنون أني لا أراكم ، والله إني لأرى من خلفي منكم ، توبيخ لمن قصر في صلاته حيث يظن أن مخلوقا لا يراه ، ثم يحسنها إذا ظن أنه يراه . ومن هنا قال بعض العارفين : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك . وروى إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : من أحسن الصلاة حيث يراه الناس ، وأساءها حيث يخلو فذلك استهانة استهان بها ربه عز وجل . وروي موقوفا . وروى بقية ، عن ورقاء بن عمر ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - مرفوعا - : إذا صلى العبد في العلانية فأحسن ، وصلى في السر فأحسن قال الله : هذا عبدي حقا . لعل بقية دلسه عن ضعيف . وقوله : إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي ، هو فضيلة للنبي صلى الله عليه وسلم خصه الله بها ، فكان ينظر ببصيرته كما ينظر ببصره ، فيرى من خلفه كما يرى من بين يديه . وقد فسره الإمام أحمد بذلك في رواية ابن هانئ ، وتأول عليه قوله تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ كما روى ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أصحابه في صلاته من خلفه ، كما يرى من بين يديه . وتأويل الآية على هذا القول : أن الله تعالى يرى نبيه صلى الله عليه وسلم حين يقوم إلى صلاته ، ويرى تقلب نظره إلى الساجدين معه في صلاته . وقال الأثرم : قلت لأحمد : قول النبي صلى الله عليه وسلم : إني لأراكم من وراء ظهري ؟ قال : كان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه . قلت : إن إنسانا قال لي : هو في ذلك مثل غيره ، وإنما كان يراهم كما ينظر الإمام عن يمينه وشماله ، فأنكر ذلك إنكارا شديدا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة · ص 156 باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة أي : هذا باب في بيان وعظ الإمام الناس بأن يتموا صلاتهم ولا يتركوا منها شيئا ، والعظة - على وزن علة - مصدر من وعظ يعظ وعظا وعظة وموعظة ، وأصل عظة وعظ ، فلما حذفت منه الواو عوضت منها التاء في آخره ، أما الحذف فلوجوده في فعله ، وأما كسر العين فمن الواو ، فافهم . والوعظ النصح والتذكير بالعواقب ، ويقال وعظته فاتعظ أي قبل الموعظة . وجه المناسبة في ذكر هذا الباب عقيب الأبواب المذكورة من حيث أنه كان فيها أمر ونهي وتشديد فيهما ، وهي كلها وعظ ونصح ، وهذا الباب أيضا في الوعظ والنصح . قوله ( وذكر القبلة ) بالجر عطف على عظة ؛ أي : وفي بيان القبلة . 80 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : هل ترون قبلتي هاهنا ؟ فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم ، إني لأراكم من وراء ظهري . مطابقته للترجمة من حيث أن في هذا الحديث وعظا لهم وتذكيرا وتنبيها بأنه لا يخفى عليه ركوعهم وسجودهم ، يظنون أنه لا يراهم لكونه مستدبرا لهم وليس الأمر كذلك ؛ لأنه يرى من خلفه مثل ما يرى من بين يديه . ذكر رجاله : وقد تكرر ذكرهم ، وأبو الزناد - بكسر الزاي وتخفيف النون - عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا هاهنا عن إسماعيل عن مالك ، وأخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن قتيبة عن مالك . ذكر معناه : قوله ( هل ترون قبلتي ؟ ) استفهام على سبيل إنكار ما يلزمه منه ، المعنى : أنتم تحسبون قبلتي هاهنا وأنني لا أرى إلا ما في هذه الجهة ، فوالله إن رؤيتي لا تختص بجهة قبلتي هذه ؛ فإني أرى من خلفي كما أرى من جهة قبلتي . ثم العلماء اختلفوا هاهنا في موضعين ؛ الأول : في معنى هذه الرؤية ، فقال قوم : المراد بها العلم إما بطريق أنه كان يوحى إليه بيان كيفية فعلهم وإما بطريق الإلهام ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنه لو كان ذلك بطريق العلم ما كانت فائدة في التقييد بقوله من وراء ظهري . وقال قوم : المراد به أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه مع التفات يسير في بعض الأحوال ، وهذا أيضا ليس بشيء ، وهو ظاهر . وقال الجمهور - وهو الصواب : إنه من خصائصه عليه الصلاة والسلام ، وإن إبصاره إدراك حقيقي انخرقت له فيه العادة ، ولهذا أخرج البخاري هذا الحديث في علامات النبوة ، وفيه دلالة للأشاعرة حيث لا يشترطون في الرؤية مواجهة ولا مقابلة ، وجوزوا إبصار أعمى الصين بقعة أندلس . قلت : هو الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلا عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب ، فلذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة خلافا للمعتزلة في الرؤية مطلقا وللمشبهة والكرامية في خلوها عن المواجهة والمكان ؛ فإنهم إنما جوزوا رؤية الله تعالى لاعتقادهم كونه تعالى في الجهة والمكان ، وأهل السنة أثبتوا رؤية الله تعالى بالنقل والعقل كما ذكر في موضعه وبينوا بالبرهان على أن تلك الرؤية مبرأة عن الانطباع والمواجهة واتصال الشعاع بالمرئي . الموضع الثاني : اختلفوا في كيفية رؤية النبي عليه الصلاة والسلام من خلف ظهره ؛ فقيل : كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما . وقيل : كانت له بين كتفيه عينان مثل سم الخياط - يعني مثل خرق الإبرة - يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره . وقيل : بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها فيشاهد بذلك أفعالهم . قوله ( لا يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ) ؛ يعني إذا كنت في الصلاة مستدبرا لكم ، ويجوز أن يكون المراد من الخشوع السجود لأنه غاية الخشوع ، وقد صرح في رواية مسلم بالسجود ، ويجوز أن يراد به أعم من ذلك فيتناول جميع أفعالهم في صلاتهم ، فإن قلت : إذا كان الخشوع بمعنى الأعم يتناول الركوع أيضا فما فائدة ذكره ؟ قلت : لكونه من أكبر عمد الصلاة ، وذلك لأن الرجل ما دام في القيام لا يتحقق أنه في الصلاة ، فإذا ركع تحقق أنه في الصلاة ، ويكون فيه عطف العام على الخاص . قوله ( فوالله ) قسم منه صلى الله عليه وسلم ، وجوابه قوله ( لا يخفى ) ، وقوله ( إني لأراكم ) إما بيان وإما بدل قوله ( ركوعكم ) بالرفع فاعل لا يخفى ، وقوله ( ولا خشوعكم ) عطف عليه ؛ أي لا يخفى علي خشوعكم ، والهمزة في لأراكم مفتوحة واللام للتأكيد . ومما يستفاد منه أنه ينبغي للإمام إذا رأى أحدا مقصرا في شيء من أمور دينه أو ناقصا للكمال منه أن ينهاه عن فعله ويحضه على ما فيه جزيل الحظ ، ألا ترى أنه - صلى الله عليه وسلم - كيف وبخ من نقص كمال الركوع والسجود ووعظهم في ذلك بأنه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من بين يديه ، وفي تفسير سنيد : حدثنا حجاج ، عن ابن أبي ذئب ، حدثنا يحيى بن صالح ، حدثنا فليح ، عن هلال بن علي ، عن أنس قال : صلى لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ثم رقي المنبر فقال : في الصلاة وفي الركوع إني لأراكم من ورائي كما أراكم . وفي لفظ : أقيمت الصلاة فأقبل علينا بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم وتراصوا ، فإني أراكم من وراء ظهري . وفي لفظ : أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي - وربما قال : من بعد ظهري - إذا ركعتم وإذا سجدتم . وعند مسلم : صلى بنا ذات يوم ، فلما قضى صلاته أقبل علينا بوجهه فقال : أيها الناس ، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف ، فإني أراكم أمامي ومن خلفي . ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ! قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار .