22 - سُورَةُ الْحَجِّ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ الْمُخْبِتِينَ الْمُطْمَئِنِّينَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ ، وَيُقَالُ أُمْنِيَّتُهُ : قِرَاءَتُهُ ، إِلا أَمَانِيَّ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ ، جِصٌّ . وَقَالَ غَيْرُهُ يَسْطُونَ يَفْرُطُونَ مِنْ السَّطْوَةِ ، وَيُقَالُ : يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ ، وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ، ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرٌ ، تَذْهَلُ تُشْغَلُ . قَوْلُهُ ( سُورَةُ الْحَجِّ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : الْمُخْبِتِينَ الْمُطْمَئِنِّينَ ) هُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ عُيَيْنَةَ لَكِنْ أَسْنَدَهُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْمُصَلِّينَ ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْمُتَوَاضِعِينَ . وَالْمُخْبِتُ مِنَ الْإِخْبَاتِ ; وَأَصْلُهُ الْخَبْتُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الْأَرْضِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إِذَا حَدَّثَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ ، فَيُبْطِلُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُقَطَّعًا . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ أُمْنِيَتُهُ قِرَاءَتُهُ ، إِلا أَمَانِيَّ يَقْرَءُونَ وَلَا يَكْتُبُونَ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ قَالَ : التَّمَنِّي التِّلَاوَةُ قَالَ : وَقَوْلُهُ : لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ قَالَ : الْأَمَانِيُّ أَنْ يَفْتَعِلَ الْأَحَادِيثَ ، وَكَانَتْ أَحَادِيثُ يَسْمَعُونَهَا مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَلَيْسَتْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، قَالَ : وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَمَنَّى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ تَمَنِّي دَاوُدَ الزَّبُورَ عَلَى رُسُلٍ قَالَ الْفَرَّاءُ : وَالتَّمَنِّي أَيْضًا حَدِيثُ النَّفْسِ انْتَهَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لَهُ بَعْدَ أَنْ سَاقَ رِوَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ : هَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ وَأَعْلَاهُ وَأَجَلُّهُ . ثُمَّ أَسْنَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : بِمِصْرَ صَحِيفَةٌ فِي التَّفْسِيرِ رَوَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ لَوْ رَحَلَ رَجُلٌ فِيهَا إِلَى مِصْرَ قَاصِدًا مَا كَانَ كَثِيرًا انْتَهَى . وَهَذِهِ النُّسْخَةُ كَانَتْ عِنْدَ أَبِي صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ رَوَاهَا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ هَذَا كَثِيرًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أَمَاكِنِهِ وَهِيَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ بِوَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي صَالِحٍ انْتَهَى . وَعَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْهُ قَالَ : قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَالنَّجْمُ ، فَلَمَّا بَلَغَ أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَا ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرٍ قَبْلَ الْيَوْمَ ، فَسَجَدَ وَسَجَدُوا ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِي إِسْنَادِهِ : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا أَحْسَبُ ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ الْبَزَّارُ : لَا يُرْوَى مُتَّصِلًا إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُرْوَى هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ انْتَهَى . وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّحَّاسُ بِسَنَدٍ آخَرَ فِيهِ الْوَاقِدِيُّ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مُطَوَّلًا ، وَأَسْنَدَهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَذَلِكَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو مَعْشَرٍ فِي السِّيرَةِ لَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَأَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ الطَّبَرِيُّ ، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطٍ ، عَنِ السُّدِّيِّ ; وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ ، عَنِ الْكَلْبِيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ ، وَأَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ ثَلَاثَتُهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَوْرَدَهَا الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ ، وَكُلُّهَا سِوَى طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِمَّا ضَعِيفٌ وَإِلَّا مُنْقَطِعٌ ، لَكِنْ كَثْرَةُ الطُّرُقِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقِصَّةِ أَصْلًا ، مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ مُرْسَلَيْنِ رِجَالُهُمَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، وَالثَّانِي مَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَرَّقَهُمَا عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَقَدْ تَجَرَّأَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ كَعَادَتِهِ فَقَالَ : ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ بَاطِلَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا ، وَهُوَ إِطْلَاقٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ . وَكَذَا قَوْلُ عِيَاضٍ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ مَعَ ضَعْفِ نَقَلَتِهِ وَاضْطِرَابِ رِوَايَاتِهِ وَانْقِطَاعِ إِسْنَادِهِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَمَنْ حُمِلَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ مِنَ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ لَمْ يُسْنِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا رَفَعَهَا إِلَى صَاحِبٍ ، وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ ، قَالَ : وَقَدْ بَيَّنَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا طَرِيقَ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَعَ الشَّكِّ الَّذِي وَقَعَ فِي وَصْلِهِ ، وَأَمَّا الْكَلْبِيُّ فَلَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ . ثُمَّ رَدَّهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ وَقَعَ لَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ ، قَالَ : وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ انْتَهَى ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا يَتَمَشَّى عَلَى الْقَوَاعِدِ ، فَإِنَّ الطُّرُقَ إِذَا كَثُرَتْ وَتَبَايَنَتْ مَخَارِجُهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لَهَا أَصْلًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَسَانِيدَ مِنْهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ وَهِيَ مَرَاسِيلُ يَحْتَجُّ بِمِثْلِهَا مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَا مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِهِ لِاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ مَا وَقَعَ فِيهَا مِمَّا يُسْتَنْكَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ : أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ : تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَزِيدَ فِي الْقُرْآنِ عَمْدًا مَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَكَذَا سَهْوًا إِذَا كَانَ مُغَايِرًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ لِمَكَانِ عِصْمَتِهِ - وَقَدْ سَلَكَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ مَسَالِكَ ، فَقِيلَ جَرَى ذَلِكَ عَلَى لِسَانِهِ حِينَ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ أَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ . وَهَذَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَلَا وِلَايَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ فِي النَّوْمِ ، وَقِيلَ إِنَّ الشَّيْطَانَ أَلْجَأَهُ إِلَى أَنْ قَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الشَّيْطَانِ : وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ الْآيَةَ قَالَ : فَلَوْ كَانَ لِلشَّيْطَانِ قُوَّةٌ عَلَى ذَلِكَ لَمَا بَقِيَ لِأَحَدٍ قُوَّةٌ فِي طَاعَةٍ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا ذَكَرُوا آلِهَتَهُمْ وَصَفُوهُمْ بِذَلِكَ ، فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِحِفْظِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَمَّا ذَكَرَهُمْ سَهْوًا . وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ عِيَاضٌ فَأَجَادَ . وَقِيلَ لَعَلَّهُ تَوْبِيخًا لِلْكُفَّارِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَهَذَا جَائِزٌ إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ . وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ جَائِزًا - وَإِلَى هَذَا نَحَا الْبَاقِلَّانِيُّ . وَقِيلَ إِنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ : وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى خَشِيَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَهَا بِشَيْءٍ يَذُمُّ آلِهَتَهُمْ بِهِ فَبَادَرُوا إِلَى ذَلِكَ فَخَلَطُوهُ فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَادَتِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ : لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ وَنُسِبَ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ لِكَوْنِهِ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ شَيْطَانُ الْإِنْسِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْغَرَانِيقِ الْعُلَى الْمَلَائِكَةُ ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ : الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَيَعْبُدُونَهَا ، فَسِيقَ ذِكْرُ الْكُلِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى فَلَمَّا سَمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ حَمَلُوهُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَالُوا : قَدْ عَظَّمَ آلِهَتَنَا ، وَرَضُوا بِذَلِكَ ، فَنَسَخَ اللَّهُ تِلْكَ الْكَلِمَتَيْنِ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ . وَقِيلَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ فَارْتَصَدَهُ الشَّيْطَانُ فِي سَكْتَةٍ مِنَ السَّكَتَاتِ وَنَطَقَ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ مُحَاكِيًا نَغْمَتَهُ بِحَيْثُ سَمِعَهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ فَظَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِ وَأَشَاعَهَا . قَالَ : وَهَذَا أَحْسَنُ الْوُجُوهِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ تَفْسِيرِ ( تَمَنَّى ) بِتَلَا . وَكَذَا اسْتَحْسَنَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا التَّأْوِيلُ وَقَالَ قَبْلَهُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِنَا فِي بَرَاءَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ - قَالَ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : فِي أُمْنِيَّتِهِ أَيْ فِي تِلَاوَتِهِ ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ سُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ إِذَا قَالُوا قَوْلًا زَادَ الشَّيْطَانُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ زَادَهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ قَالَ : وَقَدْ سَبَقَ إِلَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ لِجَلَالَةِ قَدْرِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ وَشِدَّةِ سَاعِدِهِ فِي النَّظَرِ فَصَوَّبَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَحَوَّمَ عَلَيْهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : هَذِهِ الْقِصَّةُ وَقَعَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا فَتَمَسَّكَ بِذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّ سُورَةَ الْحَجِّ مَكِّيَّةٌ ، لَكِنْ تُعُقِّبَ بِأَنَّ فِيهَا أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ، وَأَبِي ذَرٍّ فِي هَذَانِ خَصْمَانِ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ بَدْرٍ ، وَكَذَا قَوْلُهُ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ الْآيَةَ وَبَعْدَهَا الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَصْلَهَا مَكِّيٌّ وَنَزَلَ مِنْهَا آيَاتٌ بِالْمَدِينَةِ وَلَهَا نَظَائِرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ ، جِصٌّ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قَالَ : بِالْقَصَّةِ يَعْنِي الْجِصَّ وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ هِيَ الْجِصُّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : الْمَشِيدُ الْمُجَصَّصُ ، قَالَ : وَالْجِصُّ فِي الْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشَّيْدُ ، وَأَنْشَدَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ امْرِئِ الْقِيسِ : وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ وَلَا أُجُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : كَانَ أَهْلُهُ شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ . وَقِصَّةُ الْقَصْرِ الْمَشِيدِ ذَكَرَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ مِنْ بِنَاءِ شَدَّادِ بْنِ عَادٍ فَصَارَ مُعَطَّلًا بَعْدَ الْعُمْرَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُ عَلَى أَمْيَالٍ مِمَّا يُسْمَعُ فِيهِ مِنْ أَصْوَاتِ الْجِنِّ الْمُنْكَرَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : ( يَسْطُونَ ) يَفْرُطُونَ مِنَ السَّطْوَةِ ، وَيُقَالُ يَسْطُونَ يَبْطِشُونَ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُونَ يَسْطُونَ أَيْ يَفْرُطُونَ عَلَيْهِ مِنَ السَّطْوَةِ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : كَانَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِذَا سَمِعُوا الْمُسْلِمَ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَبْطِشُونَ بِهِ وَتَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ طَهَ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ : أَخْبَرَنِي شَبَابَةُ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَكَادُونَ أَيْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَسْطُونَ أَيْ يَبْطِشُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ الْقُرْآنَ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : يَسْطُونَ فَقَالَ : يَبْطِشُونَ . قَوْلُهُ : وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ ، هَكَذَا لَهُمْ ، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ التَّمِيمِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ بِحَبْلٍ إِلَى سَمَاءِ بَيْتِهِ فَلْيَخْتَنِقْ بِهِ . قَوْلُهُ : ثَانِيَ عِطْفِهِ مُسْتَكْبِرٌ ثَبَتَ هَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ . وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ثَانِيَ عِطْفِهِ قَالَ : مُسْتَكْبِرٌ فِي نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ أُلْهِمُوا إِلَى الْقُرْآنِ سَقَطَ قَوْلُهُ : إِلَى الْقُرْآنِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ أُلْهِمُوا وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ : إِلَى الْقُرْآنِ ، وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا هُوَ التَّحْرِيرُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ : أُلْهِمُوا . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ : الْقُرْآنُ . وَفِي قَوْلِهِ : وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ الْإِسْلَامُ . قَوْلُهُ : تَذْهَلُ تُشْغَلُ ) رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تَسْلُو مِنْ شِدَّةِ خَوْفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ أَيْ تَسْلُو ، قَالَ الشَّاعِرُ : صَحَا قَلْبُهُ يَا عَزُّ أَوْ كَادَ يَذْهَلُ وَقِيلَ : الذُّهُولُ الِاشْتِغَالُ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ دَهَشٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ الْحَجِّ · ص 292 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى · ص 295 1 - بَاب وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى 4741 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا آدَمُ ، فيَقُولُ : لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ ! فَيُنَادَى بِصَوْتٍ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ . قَالَ : يَا رَبِّ ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ - أُرَاهُ قَالَ - تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا ، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ ، ثُمَّ أَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَكَبَّرْنَا ، ثُمَّ قَالَ : شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَكَبَّرْنَا . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ : وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَقَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ . وَقَالَ جَرِيرٌ وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ : سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ : وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى سَقَطَ الْبَابُ وَالتَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقُدِّمَ عِنْدَهُمُ الطَّرِيقُ الْمَوْصُولُ عَلَى التَّعَالِيقِ ، وَعُكِسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُ الْحَدِيثِ الْمَوْصُولِ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى يَعْنِي أَنَّهُ وَافَقَ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ ) أَيْ أَنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ ، بِخِلَافِ حَفْصٍ فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أَرَاهُ قَالَ فَذَكَرَهُ . وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي قِصَّةِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ جَرِيرٌ ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ : ( سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى ) يَعْنِي أَنَّهُمْ رَوَوْهُ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ هَذَا وَمَتْنِهِ لَكِنَّهُمْ خَالَفُوا فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، فَأَمَّا رِوَايَةُ جَرِيرٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الرِّقَاقِ كَمَا قَالَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ فَوَصَلَهَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ عَنْهُ كَذَلِكَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهَا ، فَرَوَاهَا بِلَفْظِ سَكْرَى أَبُو بَكْرٍ بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَا فِي رِوَايَتِهِمَا : سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَكَذَا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ عَنْهُ مَقْرُونَةً بِرِوَايَةِ وَكِيعٍ وَأَحَالَ بِهِمَا عَلَى رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَاضِرٍ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَسْعُودِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ سَكْرَى وَقَالَ الْفَرَّاءُ : أَجْمَعَ الْقُرَّاءُ عَلَى سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى ) قَالَ : وَهُوَ جَيِّدٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ انْتَهَى . وَنَقْلَهُ الْإِجْمَاعُ عَجَبٌ ، مَعَ أَنَّ أَصْحَابَهُ الْكُوفِيِّينَ يَحْيَى بْنَ وَثَّابٍ ، وَحَمْزَةَ ، وَالْأَعْمَشَ ، وَالْكِسَائِيَّ قَرَءُوا وبِمِثْلِ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَنَقَلَهَا أَبُو عُبَيْدٍ أَيْضًا عَنْ حُذَيْفَةَ ، وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرٍو وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْدٍ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي سَكْرَى هَلْ هِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ عَلَى فَعْلَى مِثْلُ مَرْضَى أَوْ صِيغَةُ مُفْرَدٍ فَاسْتُغْنِيَ بِهَا عَنْ وَصْفِ الْجَمَاعَةِ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الحج · ص 65 سورة الحج أي : هذا في تفسير بعض سورة الحج ، وذكر ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أنهما قالا : نزلت سورة الحج بالمدينة . وقال مقاتل : بعضها مكي أيضا . وعن قتادة أنها مكية ، وعنه مدنية غير أربع آيات . وعن عطاء : إلا ثلاث آيات منها ، قوله : هَذَانِ خَصْمَانِ وقال هبة بن سلامة : هي من أعاجيب سور القرآن ، لأن فيها مكيا ومدنيا ، وسفريا وحضريا ، وحربيا وسلميا ، وليليا ونهاريا ، وناسخا ومنسوخا ، وهي خمسة آلاف وخمسة وسبعون حرفا ، وألف ومائتان وإحدى وتسعون كلمة ، وثمان وتسعون آية . بسم الله الرحمن الرحيم ثبتت البسملة للكل . وقال ابن عيينة : المخبتين المطمئنين . أي : قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ أي : المطمئنين ، كذا ذكره ابن عيينة في تفسيره عن ابن جريج عن مجاهد . وقيل : المطمئنين بأمر الله . وقيل : المطيعين . وقيل : المتواضعين . وقيل : الخاشعين . وهو من الإخبات ، والخبت بفتح أوله : المطمئن من الأرض . وقال ابن عباس في إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ، فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته . أي : قال ابن عباس في قوله عز وجل : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ الآية ، وهذا التعليق رواه أبو محمد الرازي عن أبيه ، حدثنا أبو صالح حدثني معاوية عن علي بن أبي طلحة عنه ، وقد تكلم المفسرون في هذه الآية أشياء كثيرة ، والأحسن منها ما قاله أبو الحسن بن علي الطبري : ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء ، وإنما هو أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال ، تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان . وأحسن من هذا أيضا ما قاله بعضهم : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته ، بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها . قلت : تلك الكلمات هي ما أخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق ، عن شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة النجم ، فلما بلغ : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فنزلت هذه الآية . وروي هذا أيضا من طرق كثيرة ، وقال ابن العربي : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ، وقال عياض : هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده ، وكذا من تكلم بهذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحبه ، وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة . وقال بعضهم : هذا الذي ذكره ابن العربي وعياض لا يمشي على القواعد ، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا انتهى . قلت : الذي ذكراه هو اللائق بجلالة قدر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد قامت الحجة واجتمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، وحاشاه عن أن يجري على قلبه أو لسانه شيء من ذلك لا عمدا ولا سهوا ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله عز وجل لا عمدا ولا سهوا ، والنظر والعرف أيضا يحيلان ذلك ، ولو وقع لارتد كثير ممن أسلم ، ولم ينقل ذلك ولا كان يخفى على من كان بحضرته من المسلمين . قوله : مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الرسول هو الذي يأتيه جبريل عليه الصلاة والسلام بالوحي عيانا وشفاها ، والنبي هو الذي تكون نبوته إلهاما أو كلاما ، فكل رسول نبي بغير عكس . قوله : إِذَا تَمَنَّى أي : إذا أحب واشتهى وحدثت به نفسه مما لم يؤمر به . قوله : فِي أُمْنِيَّتِهِ أي : مراده . وقال ابن العربي : أي في قراءته ، فأخبر الله تعالى في هذه الآية أن سنته في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه ، فهذا نص في أن الشيطان زاده في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله . ويقال : أمنيته قراءته ( إلا أماني يقرؤون ولا يكتبون ) هو قول الفراء ، فإنه قال معنى قوله : إِلا إِذَا تَمَنَّى : إلا إذا تلا قال الشاعر : تمنى كتاب الله أول ليلة تمني داود الزبور على رسل قوله : إلا أماني إشارة إلى قوله تعالى : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ أورده استشهادا بأن تمنى بمعنى تلا ، لأن معنى قوله إلا أماني : إلا ما يقرءون . وقال مجاهد مشيد بالقصة أي : قال مجاهد في قوله تعالى : وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ إن معناه قصر مشيد ، يعني : معمول بالشيد ، بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المهملة ، وهو الجص بكسر الجيم وفتحها ، وهو الكلس . وفي المغرب : الجص تعريب كج . وقال الجوهري : تقول شاده يشيده شيدا جصصه . وقال قتادة والضحاك وربيع : قصر مشيد ، أي : طويل . وعن الضحاك : إن هذه البئر إنما كانت بحضرموت ، في بلدة يقال لها حاضورا ، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح عليه السلام لما نجوا من العذاب أتوا حضرموت ومعهم صالح عليه الصلاة والسلام ، فلما حضروه مات صالح فسميت حضرموت ، لأن صالحا لما مات بنوا حاضورا وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا يقال له جلهس بن جلاس بن سويد ، وجعلوا وزيره سخاريب بن سواده ، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى نموا وكثروا ثم عبدوا الأصنام وكفروا بالله تعالى ، فأرسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان ، كان جمالا فيهم ، فقتلوه في السوق ، فأهلكهم الله تعالى وعطلت بئرهم وخربت قصورهم . وقال غيره : يسطون يفرطون ، من السطوة ، ويقال : يسطون يبطشون . أي : قال غير مجاهد في قوله عز وجل : يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ إن معنى قوله يسطون يفرطون ، وكذا فسره أبو عبيدة ، من فرط يفرط فرطا ، من باب نصر ينصر ، أي : قصر وضيع حتى مات ، وفرط عليه إذا عجل وعدا ، وفرط إذا سبق . قوله : من السطوة أي : اشتقاقه من السطوة . يقال : سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف والشدة ، أي : يكادون يقعون بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ ويبسطون إليهم أيديهم بالسوء . قوله : ويقال هو قول الفراء ، فإنه كان مشركو قريش إذا سمعوا المسلم يتلو القرآن كادوا يبطشون به ، وكذا روى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : يسطون فقال : يبطشون . وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ألهموا إلى القرآن . هذا في وصف أهل الجنة ، وفسر الطيب من القول بقوله : ألهموا إلى القرآن هكذا فسره السدي . قوله : وعن ابن عباس يريد لا إله إلا الله والحمد لله ، وزاد ابن زيد والله أكبر . قوله : ألهموا في رواية النسفي إلى القرآن ، ولم يثبت إلا في رواية أبي ذر ، ولا بد منه ، لأن ذكر شيء من القرآن من غير تفسيره لا طائل تحته . قال ابن عباس : بسبب ، بحبل إلى سقف البيت . أي : قال عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قوله عز وجل : فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ وفسره بقوله : بحبل إلى سقف البيت هذا التعليق رواه ابن المنذر عن عبد الله بن الوليد عن سفيان عن التميمي عن ابن عباس بلفظ : فليمدد بحبل إلى سماء بيته فليختنق به . ورواه عبد بن حميد من طريق أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس بلفظ : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا ، فليمدد بسبب إلى سماء بيته فليختنق به . تذهل تشغل أشار به إلى قوله تعالى : ( يوم تذهل كل مرضعة ) وفسر تذهل بقوله تشتغل ، قال الثعلبي : كذا فسره ابن عباس ، وعن الضحاك : تسلوا ، يقال : ذهلت عن كذا ، أي : تركته . 262 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل يوم القيامة : يا آدم ، يقول : لبيك ربنا وسعديك ، فينادى بصوت : إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار ، قال : يا رب وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين . فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ، فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ، ومنكم واحد ، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض ، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود ، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم قال : ثلث أهل الجنة ، فكبرنا ، ثم قال : شطر أهل الجنة ، فكبرنا . مطابقته للترجمة وهي في سورة الحج ظاهرة ، وأبو صالح ذكوان السمان . والحديث مضى في أحاديث الأنبياء في باب قصة يأجوج ومأجوج ومضى الكلام فيه هناك . قوله : ربنا أي : يا ربنا . قوله : فينادي على صيغة المعلوم . قوله : بعثا ، بفتح الباء الموحدة ، أي : مبعوثا ، أي : أخرج من الناس الذين هم أهل النار وابعثهم إليها . قوله : أراه بضم الهمزة . قوله : أو كالشعرة كلمة أو هنا يحتمل التنويع من رسول الله صلى الله عليه وسلم والشك من الراوي . فكبرنا أي : فعظمنا ذلك ، أو قلنا الله أكبر سرورا بهذه البشارة . قوله : شطر أهل الجنة أي : نصفها .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وترى الناس سكارى · ص 68 ( باب وترى الناس سكارى ) أي : هذا باب في قوله تعالى : وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى الآية ، ولم توجد هذه الترجمة إلا في رواية أبي ذر وحده . قال أبو أسامة عن الأعمش : ترى الناس سكارى وما هم بسكارى . وقال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . أبو أسامة حماد بن أسامة يروي عن سليمان الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري ، وقد وصل البخاري هذا التعليق في أحاديث الأنبياء في باب قصة يأجوج ومأجوج عن إسحاق بن نصر عن أبي أسامة إلى آخره . وقال جرير وعيسى بن يونس وأبو معاوية : سكرى وما هم بسكرى . أراد أن هؤلاء رووه عن الأعمش بإسناده ومتنه ، لكنهم خالفوه في لفظ " سكارى " لأنهم رووه بلفظ سكرى بالإفراد دون الجمع ، أما قول جرير بن الحميد ، فوصله البخاري في الرقاق في باب قول الله عز وجل : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد إلى آخره . وأما قول عيسى بن يونس فوصله إسحاق بن راهويه عنه كذلك في مسنده بلفظ الإفراد . وأما قول أبي معاوية محمد بن خازم فوصله مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن أبي معاوية عن الأعمش إلى آخره ، ولكن اختلف فيه على أبي معاوية ففي رواية مسلم بلفظ الجمع ، وفي رواية ابن مردويه عنه بلفظ الإفراد ، فافهم .