2 - بَاب وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ شَكٍّ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ أَتْرَفْنَاهُمْ : وَسَّعْنَاهُمْ . 4742 - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ ، فَإِنْ وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ ، قَالَ : هَذَا دِينٌ صَالِحٌ ، وَإِنْ لَمْ تَلِدْ امْرَأَتُهُ وَلَمْ تُنْتَجْ خَيْلُهُ قَالَ : هَذَا دِينُ سُوءٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ شَكٍّ ) سَقَطَ لَفْظُ شَكٍّ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ : حَرْفٌ وَهُوَ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : كُلُّ شَاكٍّ فِي شَيْءٍ فَهُوَ عَلَى حَرْفٍ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَدُومُ ، وَزَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ بَعْدَ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ - إِلَى قَوْلِهِ - ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ قَوْلُهُ : ( أَتْرَفْنَاهُمْ وَسَّعْنَاهُمْ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا عِنْدَهُمْ ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنَ السُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَجَازُهُ وَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ ، وَأُتْرِفُوا بَغَوْا وَكَفَرُوا . قَوْلُهُ : ( يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ) هُوَ الْكَرْمَانِيُّ ، وَهُوَ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ الْمِصْرِيِّ يَلْتَبِسَانِ ، لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا النِّسْبَةُ ، الثَّانِي أَبُو هَذَا فِيهِ أَدَاةُ الْكُنْيَةِ بِخِلَافِ الْمِصْرِيِّ ، الثَّالِثُ وَلَا يَظْهَرُ غَالِبًا أَنَّ بُكَيْرًا جَدُّ الْمِصْرِيِّ وَأَبَا بُكَيْرٍ وَالِدُ الْكَرْمَانِيِّ ، الرَّابِعُ الْمِصْرِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ وَالْكَرْمَانِيُّ شَيْخُ شَيْخِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى عَنْهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مَوْصُولًا ، وَرَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَلَمْ يُجَاوِزْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمِ الصَّائِغِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي بُكَيْرٍ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَالِمٍ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ . قَوْلَهُ : ( كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ فَيُسْلِمُ ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُسْلِمُونَ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ وَلَدَتِ امْرَأَتُهُ غُلَامًا وَنُتِجَتْ خَيْلُهُ ) هُوَ بِضَمِّ نُونٍ نُتِجَتْ فَهِيَ مَنْتُوجَةٌ مِثْلُ نُفِسَتْ فَهِيَ مَنْفُوسَةٌ ، زَادَ الْعُوفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّ جِسْمُهُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَلِابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَإِنْ صَحَّ جِسْمُهُ الْحَدِيثَ ، وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ فَإِنْ وَجَدُوا عَامَ خِصْبٍ وَغَيْثٍ وَوِلَادٍ وَقَوْلُهُ : قَالَ : هَذَا دِينٌ صَالِحٌ فِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ رَضِيَ وَاطْمَأَنَّ وَقَالَ : مَا أَصَبْتُ فِي دِينِي إِلَّا خَيْرًا وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَالَ : لَنِعْمَ الدِّينُ هَذَا وَفِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ قَالُوا : إِنَّ دِينَنَا هـَذَا لَصَالِحٌ فَتَمَسَّكُوا بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ لَمْ تَلِدْ إِلَخْ ) فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ وَإِنْ وَجَدُوا عَامَ جَدْبٍ وَقَحْطٍ وَوِلَادِ سُوءٍ قَالُوا مَا فِي دِينِنَا هـَذَا خَيْرٌ وَفِي رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ وَإِنْ أَصَابَهُ وَجَعُ الْمَدِينَةِ وَوَلَدَتِ امْرَأَتُهُ جَارِيَةً وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَصَبْتَ عَلَى دِينِكَ هَذَا إِلَّا شَرًّا ، وَذَلِكَ الْفِتْنَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ فَإِنْ سَقِمَ جِسْمُهُ وَحُبِسَتْ عَنْهُ الصَّدَقَةُ وَأَصَابَتْهُ الْحَاجَةُ قَالَ : وَاللَّهِ لَيْسَ الدِّينُ هَذَا ، مَا زِلْتُ أَتَعَرَّفُ النُّقْصَانَ فِي جِسْمِي وَحَالِي وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَعَارِيبَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ انْتَقَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَامْتَنُّوا بِذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمَ فَذَهَبَ بَصَرُهُ وَمَالُهُ وَوَلَدُهُ ، فَتَشَاءَمَ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ : لَمْ أُصِبْ فِي دِينِي خَيْرًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ · ص 296 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ · ص 68 ( باب : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ إلى قوله : ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ . أي : هذا باب في قول الله عز وجل " ومن الناس " الآية ، قال الواحدي : روى عطية عن أبي سعيد قال : " أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله فتشاءم بالإسلام ، فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : أقلني . قال : إن الإسلام لا يقال ، والإسلام يسكب الرجال كما تسكب النار خبث الحديد " . فنزلت هذه الآية ، وسيأتي عن ابن عباس وجه آخر . قوله : " على حرف " أي : طرف واحد وجانب في الدين لا يدخل فيه على الثبات والتمكين ، والحرف منتهى الجسم ، وعن مجاهد : على شك . وعن الحسن : هو المنافق يعبد بلسانه دون قلبه . قوله : " خيرا " أي : صحة في جسمه وسعة في معيشته . قوله : " اطمأن به " أي : رضي به وأقام عليه . قوله : " فتنة " أي : بلاء في جسمه وضيقا في معيشته . قوله : " انقلب على وجهه " ارتد فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر . قوله : " الخسران المبين " أي : الضلال الظاهر . قوله : " الضلال البعيد " أي : ذهب عن الحق ذهابا بعيدا . شك قوله : " شك " تفسير قوله " حرف " ولم يوجد ذلك إلا في رواية أبي ذر . أترافناهم وسعناهم هذه من السورة التي تليها ، وهو قوله تعالى : وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ولم يكن موضعه هنا . 263 - حدثني إبراهيم بن الحارث ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ قال : كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله ، قال هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإبراهيم بن الحارث الكرماني سكن بغداد روى عنه البخاري حديثين أحدهما هنا والآخر في الوصايا . ويحيى بن أبي بكير واسم أبي بكير قيس الكوفي ، قاضي كرمان . وإسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي . وأبو حصين بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، واسمه عثمان بن عاصم الأسدي ، والحديث من أفراده . قوله : " كان الرجل يقدم المدينة " وفي رواية لابن مردويه " كان أحدهم إذا قدم المدينة " وفي رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير " كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسلمون " . قوله : " ونتجت خيلة " بضم النون على صيغة المجهول ، يقال : نتجت الناقة ، فهي منتوجة ، مثل نفست المرأة فهي منفوسة ، فإذا أردت أنها حاضت قلت : نفست بفتح النون ، ونتجها أهلها ، ومنهم من حكى الضم في نفست في الثاني والفتح في الأول . وزاد العوفي عن ابن عباس " وصح جسمه " أخرجه ابن أبي حاتم . قوله : " قال هذا دين صالح " وفي رواية الحسن قال " لنعم الدين هذا " وفي رواية جعفر " قالوا إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به " . قوله : " قال هذا دين سوء " يجوز بالصفة وبالإضافة وفي رواية جعفر " وإن وجدوا عام جدب وقحط وولاد سوء قالوا ما في ديننا هذا خير " وفي رواية العوفي " وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان فقال والله ما أصبت على دينك هذا إلا شرا " وفي رواية الحسن " فإن سقم جسمه وحبست عنه الصدقة وأصابته الحاجة قال والله ليس الدين هذا ما زلت أتعرف النقصان في جسمي ومالي " ، والله سبحانه وتعالى أعلم .