41 - بَاب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ 420 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ ، وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ . وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي الْمُسَابَقَةِ ، وَفِيهِ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ وَزُرَيْقٌ بِتَقْدِيمِ الزَّاي مُصَغَّرا ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ إِضَافَةِ الْمَسَاجِدِ إِلَى بَانِيهَا أَوِ الْمُصَلِّي فِيهَا ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ جَوَازُ إِضَافَةِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إِلَى أَرْبَابِهَا ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِضَافَةُ وَقَعَتْ فِي زَمَنِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا حَدَثَ بَعْدَهُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ ، وَالْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ وَيَقُولُ : مُصَلَّى بَنِي فُلَانٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي مِثْلِ هَذَا إِضَافَةُ تَمْيِيزٍ لَا مِلْكٍ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْمَتْنِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( تَنْبِيهٌ ) : الْحَفْيَاءُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ أَخِيرَةٌ مَمْدُودَةٌ ، وَالْأَمَدُ الْغَايَةُ . وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ : الثَّنِيَّةُ لِلْعَهْدِ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يُقَالُ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ · ص 614 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هل يقال مسجد بني فلان · ص 360 41 - باب هل يقال : مسجد بني فلان ابتدأ البخاري - رحمه الله - من هنا في ذكر المساجد وأحكامها ، فأول ما ذكره من ذلك : أنه يجوز نسبة المساجد إلى القبائل ؛ لعمارتهم إياها ، أو مجاورتهم لها . وقد كره ذَلِكَ بعض المتقدمين ، وتعلق بقوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا والصحيح : أن الآية لم يرد بها ذلك ، وأنها نزلت في النهي عن أن يشرك بالله في المساجد في عبادته غيره ، كما يفعل أهل الكتاب في كنائسهم وبيعهم . وقيل : إن المراد بالمساجد الأرض كلها ؛ فإنها لهذه الأمة مساجد وهي كلها لله ، فنهى الله أن يسجد عليها لغيره . وقيل : إن المراد بالمساجد أعضاء السجود نفسها ، وهي لله ؛ فإنه هو خلقها وجمعها وألفها ، فمن شكره على هذه النعمة أن لا يسجد بها لغيره . وقد قيل : إن قوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا يدل - أيضا - على أنه لا يجوز إضافة المساجد إلى مخلوق إضافة ملك واختصاص . وأخذ بعض أصحابنا من ذلك كالوزير ابن هبيرة : أنه لا يجوز نسبة شيء من المساجد إلى بعض طوائف المسلمين للاختصاص بها ، فيقال : هذه المساجد للطائفة الفلانية ، وهذه للطائفة الأخرى ، فإنها مشتركة بين المسلمين عموما . وذكر بعض المتأخرين من أصحابنا في صحة اشتراط ذلك في وقفها وجهين . وأما إضافة المسجد إلى ما يعرفه به فليس بداخل في ذلك ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يضيف مسجده إلى نفسه ، فيقول : مسجدي هذا ، ويضيف مسجد قباء إليه ، ويضيف مسجد بيت المقدس إلى إيلياء ، وكل هذه إضافات للمساجد إلى غير الله لتعريف أسمائها ، وهذا غير داخل في النهي . والله أعلم . قال البخاري - رحمه الله - : 420 – ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء ، وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها وجه الاستدلال من هذا الحديث على ما بوبه : أن فيه إضافة المسجد إلى بني زريق ، وهذا وإن كان من قول عبد الله بن عمر ليس مرفوعا ، إلا أن تعريف المسجد بذلك يدل على اشتهاره بهذه الإضافة في زمن المسابقة ، ولم يشتهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين شيء إلا وهو غير ممتنع ؛ لأنه لو كان محظورا لما أقر عليه ، خصوصا الأسماء ؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغير أسماء كثيرة يكرهها من أسماء الأماكن والآدميين ، ولم يغير هذا الاسم للمسجد ، فدل على جوازه . ولقائل أن يقول : يجوز أن اشتهار المسجد بهذا الاسم لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية ، فلا يبقى في الحديث دلالة ، وهذا كما قال أنس في حديث الاستسقاء : دخل رجل المسجد من نحو دار القضاء ، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، وقد قالوا : إنما عرفت تلك الدار بهذا الاسم بعد النبي صلى الله عليه وسلم بزمن . وأحسن من هذا : الاستدلال بقول النبي صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في سواه - وقد خرجه البخاري في مواضع أخر - ؛ فإن هذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بإضافة المسجد إلى نفسه ، وهو إضافة للمسجد إلى غير الله في التسمية ، فدل على جواز إضافة المساجد إلى من بناها وعمرها . والله أعلم . وسائر ما يتعلق بالحديث من ألفاظه المختلفة وتفسير غريبها ، وما فيه من أحكام المسابقة ليس هذا موضعها ، وله موضع آخر يأتي فيه - إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يقال مسجد بني فلان · ص 158 باب هل يقال مسجد بني فلان ؟ أي : هذا باب في بيان إضافة مسجد من المساجد إلى قبيلة أو إلى أحد مثل بانيه أو الملازم للصلاة فيه ، هل يجوز أن يقال ذلك ؟ نعم يجوز ، والدليل عليه حديث ابن عمر الآتي ذكره ، وإنما ترجم الباب بلفظة هل التي للاستفهام لأن في هذا خلاف إبراهيم النخعي فإنه كان يكره أن يقال مسجد بني فلان أو مصلى فلان ؛ لقوله تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ذكره ابن أبي شيبة عنه ، وحديث الباب يرد عليه ، والجواب عن تمسكه بالآية أن الإضافة فيها حقيقية وإضافتها إلى غيره إضافة تمييز وتعريف ، فإن قلت : ما وجه ذكر هذا الباب هاهنا ؟ وما وجه المناسبة بينه وبين الأبواب المتقدمة ؟ قلت : المذكور في الأبواب السابقة أحكام تتعلق بالمساجد ، والمذكور في هذا الباب أيضا حكم من أحكامها ، وهذا المقدار كاف . 82 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها . مطابقة الحديث للترجمة في قوله إلى مسجد بني زريق ، ورجاله تكرروا غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي عن مالك ، وأخرجه النسائي في الخيل عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن القاسم عن مالك . ذكر معناه : قوله ( سابق ) من المسابقة ، وهي السبق الذي يشترك فيه الاثنان ، وباب المفاعلة يقتضي ذلك ، والخيل التي أضمرت هي التي كانت المسابقة بينها ، وكان فرس النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بينها يسمى السكب ، وكان أغر محجلا طلق اليمين له مسحة ، وهو أول فرس ملكه وأول فرس غزا عليه ، واشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق ، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس فسماه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - السكب ، وسابق عليه فسبق وفرح به ، وهو أول فرس سابق عليه فسبق وفرح المسلمون به . قوله ( أضمرت ) بضم الهمزة على صيغة المجهول من الإضمار ، يقال ضمر الفرس بالفتح وأضمرته أنا ، والضمر بضم الضاد وسكون الميم الهزال ، وكذلك الضمور ، وتضمير الفرس أن يعلف حتى يسمن ثم يرده إلى القوت وذلك في أربعين يوما ، وفي النهاية : وتضمير الخيل هو أن تظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف ، وقيل : تشد عليها سروجا وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها . قوله رهلها بفتح الراء والهاء وباللام من رهل لحمه بالكسر اضطرب واسترخى ، قاله الجوهري . والمضمر الذي يضمر خيله لغزو أو سباق ، والمضمار الموضع الذي يضمر فيه الخيل وتكون وقتا للأيام التي يضمر فيها . قوله ( من الحفياء ) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وبالياء آخر الحروف والألف الممدودة ، وقدم بعضهم الياء على الفاء ، وهو اسم موضع بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة أو سبعة ، وثنية الوداع عند المدينة سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ، والثنية - لغة - الطريقة إلى العقبة ، فاللام فيه للعهد . قوله ( وأمدها ) ، الأمد بفتح الهمزة وفتح الميم : الغاية . قوله ( بني زريق ) بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف ، وبنو زريق ابن عامر حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج ، وقال صاحب التوضيح : وبنو زريق بطن من الخوارج . قلت : تفسيره بهذا هنا غلط ، والصحيح هو الذي ذكرناه . قوله ( وأن عبد الله ) يجوز أن يكون مقول عبد الله بن عمر بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة ، كما تقول عن نفسك : العبد فعل كذا ، ويجوز أن يكون مقول نافع . قوله ( بها ) ؛ أي بالخيل ، أو بهذه المسابقة . ذكر ما يستنبط منه : فيه جواز المسابقة بين الخيول وجواز تضميرها وتمرينها على الجري وإعدادها لذلك لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرا وفرا ، وهذا إجماع ، وعن الشافعية أنها سنة ، وقيل مباح ، وكانت الجاهلية يفعلونها فأقرها الإسلام ، ولا يختص جوازها بالخيل خلافا لقوم . والحديث محمول على ما إذا كان بغير رهان ، والفقهاء شرطوا فيها شروطا ؛ منها : جواز الرهان من جانب واحد ، ومن الجانبين قمار إلا بمحلل وقد علم في موضعه ، وليس في الحديث دلالة على جواز ذلك ولا على منعه . وقال ابن التين : إنه - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن ، فأعطى السابق ثلاث حلل وأعطى الثاني حلتين والثالث حلة والرابع دينارا والخامس درهما والسادس فضة ، وقال : بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق والفسكل . قلت : الفسكل بكسر الفاء وسكون السين المهملة بينهما وفي آخره اللام ، وهو الذي يجيء في الجلبة آخر الخيل . وفيه تجويع البهائم على وجه الصلاح وليس من باب التعذيب ، وفيه بيان الغاية ومقدار أمدها ، وفيه جواز إضافة المسجد إلى بانيه وإلى مصل فيه كما ذكرنا وكذلك تجوز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم وليس في ذلك تزكية لهم .