حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب هل يقال مسجد بني فلان

حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمدها ثنية الوداع ، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق ، وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها . مطابقة الحديث للترجمة في قوله إلى مسجد بني زريق ، ورجاله تكرروا غير مرة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن القعنبي عن مالك ، وأخرجه النسائي في الخيل عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين - كلاهما عن ابن القاسم عن مالك .

ذكر معناه : قوله ( سابق ) من المسابقة ، وهي السبق الذي يشترك فيه الاثنان ، وباب المفاعلة يقتضي ذلك ، والخيل التي أضمرت هي التي كانت المسابقة بينها ، وكان فرس النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بينها يسمى السكب ، وكان أغر محجلا طلق اليمين له مسحة ، وهو أول فرس ملكه وأول فرس غزا عليه ، واشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق ، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس فسماه رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - السكب ، وسابق عليه فسبق وفرح به ، وهو أول فرس سابق عليه فسبق وفرح المسلمون به . قوله ( أضمرت ) بضم الهمزة على صيغة المجهول من الإضمار ، يقال ضمر الفرس بالفتح وأضمرته أنا ، والضمر بضم الضاد وسكون الميم الهزال ، وكذلك الضمور ، وتضمير الفرس أن يعلف حتى يسمن ثم يرده إلى القوت وذلك في أربعين يوما ، وفي النهاية : وتضمير الخيل هو أن تظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف ، وقيل : تشد عليها سروجا وتجلل بالأجلة حتى تعرق تحتها فيذهب رهلها ويشتد لحمها . قوله رهلها بفتح الراء والهاء وباللام من رهل لحمه بالكسر اضطرب واسترخى ، قاله الجوهري .

والمضمر الذي يضمر خيله لغزو أو سباق ، والمضمار الموضع الذي يضمر فيه الخيل وتكون وقتا للأيام التي يضمر فيها . قوله ( من الحفياء ) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء وبالياء آخر الحروف والألف الممدودة ، وقدم بعضهم الياء على الفاء ، وهو اسم موضع بينه وبين ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة أو سبعة ، وثنية الوداع عند المدينة سميت بذلك لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون إليها ، والثنية - لغة - الطريقة إلى العقبة ، فاللام فيه للعهد . قوله ( وأمدها ) ، الأمد بفتح الهمزة وفتح الميم : الغاية .

قوله ( بني زريق ) بضم الزاي المعجمة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف ، وبنو زريق ابن عامر حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج ، وقال صاحب التوضيح : وبنو زريق بطن من الخوارج . قلت : تفسيره بهذا هنا غلط ، والصحيح هو الذي ذكرناه . قوله ( وأن عبد الله ) يجوز أن يكون مقول عبد الله بن عمر بطريق الحكاية عن نفسه باسمه على لفظ الغيبة ، كما تقول عن نفسك : العبد فعل كذا ، ويجوز أن يكون مقول نافع .

قوله ( بها ) ؛ أي بالخيل ، أو بهذه المسابقة . ذكر ما يستنبط منه : فيه جواز المسابقة بين الخيول وجواز تضميرها وتمرينها على الجري وإعدادها لذلك لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرا وفرا ، وهذا إجماع ، وعن الشافعية أنها سنة ، وقيل مباح ، وكانت الجاهلية يفعلونها فأقرها الإسلام ، ولا يختص جوازها بالخيل خلافا لقوم . والحديث محمول على ما إذا كان بغير رهان ، والفقهاء شرطوا فيها شروطا ؛ منها : جواز الرهان من جانب واحد ، ومن الجانبين قمار إلا بمحلل وقد علم في موضعه ، وليس في الحديث دلالة على جواز ذلك ولا على منعه .

وقال ابن التين : إنه - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن ، فأعطى السابق ثلاث حلل وأعطى الثاني حلتين والثالث حلة والرابع دينارا والخامس درهما والسادس فضة ، وقال : بارك الله فيك وفي كلكم وفي السابق والفسكل . قلت : الفسكل بكسر الفاء وسكون السين المهملة بينهما وفي آخره اللام ، وهو الذي يجيء في الجلبة آخر الخيل . وفيه تجويع البهائم على وجه الصلاح وليس من باب التعذيب ، وفيه بيان الغاية ومقدار أمدها ، وفيه جواز إضافة المسجد إلى بانيه وإلى مصل فيه كما ذكرنا وكذلك تجوز إضافة أعمال البر إلى أربابها ونسبتها إليهم وليس في ذلك تزكية لهم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث