40 - سُورَةُ الْمُؤْمِنِ قَالَ مُجَاهِدٌ : مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ ، وَيُقَالُ : بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ : يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ الطَّوْلِ : التَّفَضُّلِ . دَاخِرِينَ : خَاضِعِينَ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : إِلَى النَّجَاةِ : الْإِيمَانِ . لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ : يَعْنِي الْوَثَنَ . يُسْجَرُونَ : تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ . تَمْرَحُونَ : تَبْطُرُونَ . وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يَذْكُرُ النَّارَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : لِمَ تُقَنِّطِ النَّاسَ ؟ قَالَ : وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ ؟ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ : وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ، وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشِّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ . وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ لِمَنْ عَصَاهُ . 4815 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ : قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الْمُؤْمِنِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ ) وَيُقَالُ : بَلْ هُوَ اسْمٌ ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ : يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُقَالُ إِلَخْ وَهَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي مَجَازِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ : حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هُوَ اسْمٌ ، وَهُوَ يُطْلِقُ الْمَجَازَ وَيُرِيدُ بِهِ التَّأْوِيلَ أَيْ تَأْوِيلُ حم تَأْوِيلُ أَوَائِلِ السُّوَرِ ، أَيْ أَنَّ الْكُلَّ فِي الْحُكْمِ وَاحِدٌ ، فَمَهْمَا قِيلَ مَثَلًا فِي الم يُقَالُ مِثْلُهُ فِي حم . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الم وَ حم وَ المص وَ ص فَوَاتِحٌ افْتُتِحَ بِهَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا ق وَ ص وَ طسم وَغَيْرُهَا هِجَاءٌ مَقْطُوعٌ . وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : حم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِيمٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِيسَى فَتَحَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . قُلْتُ : وَالشَّاهِدُ الَّذِي أَنْشَدَ يُوَافِقُ قِرَاءَةَ عِيسَى . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ السُّكُونُ لِأَنَّهَا حُرُوفُ هِجَاءٍ لَا أَسْمَاءُ مُسَمَّيَاتٍ . وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ص وَأَشْبَاهُهَا قَسَمٌ ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ . وَشُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ خَطَأٌ . وَلَفْظُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هُوَ اسْمٌ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ فَذَكَرَ الْبَيْتَ . وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْجُمَلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ : كَانَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْجَمَلِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءٌ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَقْتُلُوا صَاحِبَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ ، فَلَقِيَهُ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى فَأَهْوَى لَهُ بِالرُّمْحِ فَتَلَاحَمَ فَقَتَلَهُ . وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِلْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ ، وَقَالَ : وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ . وَذَكَرَ أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصَامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ ، قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ : هُوَ الثَّبْتُ . وَأَنْشَدَ لَهُ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ وَأَوَّلُهُ : وَأَشْعَثُ قَوَّامٌ بِآيَاتِ رَبِّهِ قَلِيلُ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ يُذَكِّرُنِي حم الْبَيْتَ . وَيُقَالُ إِنَّ الشِّعْرَ لِشَدَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْسِيِّ ، وَيُقَالُ اسْمُهُ حَدِيدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَكَاهُ الزُّبَيْرُ ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَكْبِرٍ ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ مَأْدُبَةِ الْأُدَبَاءِ قَالَ : كَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ حم ، وَكَانَ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى مَعَ عَلِيٍّ ، فَلَمَّا طَعَنَ شُرَيْحٌ ، مُحَمَّدًا قَالَ : حم ، فَأَنْشَدَ شُرَيْحٌ الشِّعْرَ . قَالَ : وَقِيلَ بَلْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَمَّا طَعَنَهُ شُرَيْحٌ : أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يُذَكِّرُنِي حم أَيْ بِتِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حم . ( تَكْمِلَةٌ ) : حم جُمِعَ عَلَى حَوَامِيمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ . وَيُقَالُ كَأَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بِقَوْلِهِ أُذَكِّرُكَ حم أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حم عسق قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا الْآيَةَ ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُ بِقَرَابَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ عَنْ قَتْلِهِ . قَوْلُهُ : الطَّوْلِ التَّفَضُّلُ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ إِنَّهُ لَذُو طَوْلٍ عَلَى قَوْمِهِ أَيْ ذُو فَضْلٍ عَلَيْهِمْ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ذِي الطَّوْلِ قَالَ : ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ : ذِي الْمِنَنِ ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ : ذِي النَّعْمَاءِ . قَوْلُهُ : دَاخِرِينَ خَاضِعِينَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ : سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ أَيْ صَاغِرِينَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ إِلَى النَّجَاةِ إِلَى الْإِيمَانِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ يَعْنِي الْوَثَنَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَوْثَانِ . قَوْلُهُ : يُسْجَرُونَ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : تَمْرَحُونَ تَبْطِرُونَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : يَبْطِرُونَ وَيَأْشِرُونَ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ يُذَكِّرُ النَّاسَ النَّارَ أَيْ يُخَوِّفُهُمْ بِهَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( لِمَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ ( تُقَنِّطُ ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةَ إِلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا فَنَهَاهُمْ عَنِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ : إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ اسْتِدْعَاءً مِنْهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ . وَأَبُو الْعَلَاءِ هَذَا هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ تَابِعِيٌّ زَاهِدٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَمَاتَ قَدِيمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . ثم ذكر حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ الْمُؤْمِنِ · ص 415 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة المؤمن · ص 147 ( سورة المؤمن ) أي هذا في تفسير بعض سورة المؤمن ، وفي بعض النسخ المؤمن بغير لفظ سورة ، وفي بعضها سورة المؤمن حم . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر ، وهي مكية بلا خلاف ، وقال السخاوي : نزلت بعد الزمر وقبل حم السجدة ، وبعد السجدة الشورى ، ثم الزخرف ، ثم الدخان ، ثم الجاثية ، ثم الأحقاف ، وهي أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا ، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة ، وخمس وثمانون آية . ( قال مجاهد : حم مجازها مجاز أوائل السور ) . قوله : " حم " في محل الابتداء ، ومجازها مبتدأ ثان ، وقوله : " مجاز أوائل السور " خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ومجازها بالجيم والزاي أي طريقها ، أي حكمها حكم سائر الحروف المقطعة التي في أوائل السور للتنبيه على أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف ، وقيل : لقرع العصا عليهم ، وعن عكرمة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حم اسم من أسماء الله تعالى ، وهي مفتاح خزائن ربك - جل جلاله - ، وعن ابن عباس هو اسم الله الأعظم ، وعنه قسم أقسم الله به ، وعن قتادة : اسم من أسماء القرآن ، وعن الشعبي شعار السورة ، وعن عطاء الخراساني الحاء افتتاح أسماء الله تعالى : حليم ، وحميد ، وحي ، وحنان ، وحكيم ، وحفيظ ، وحبيب ، والميم افتتاح اسمه : مالك ، ومجيد ، ومنان . وعن الضحاك والكسائي معناه : قضى ما هو كائن ، كأنهما أرادا الإشارة إلى حم بضم الحاء وتشديد الميم . ويقال : بل هو اسم لقول شريح ابن أبي أوفى العبسي : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم . القائلون بأن لفظ حم اسم الذين ذكرناهم الآن ، واستدل على ذلك بقول الشاعر المذكور ، حيث وقع لفظ حم في الموضعين منصوبا على المفعولية ، وكذا قرأ عيسى بن عمر أعني بفتح الميم ، وقيل : يجوز أن يكون لالتقاء الساكنين ، قلت : القاعدة أن الساكن إذا حرك حرك بالكسر ، ويجوز الفتح والكسر في الحاء ، وهما قراءتان ، قوله : " ويقال " في رواية أبي ذر : قال البخاري : ويقال قوله : شريح ابن أبي أوفى هكذا وقع ابن أبي أوفى في رواية القابسي وليس كذلك بل هو شريح بن أوفى العبسي ، وكان مع علي ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - يوم الجمل ، وكان شعار أصحاب علي - رضي الله تعالى عنه - يومئذ : حم ، فلما نهد شريح لمحمد بن طلحة بن عبيد الله الملقب بالسجاد وطعنه قال : حم ، فقال شريح : يذكرني حاميم الفاعل فيه محمد السجاد ، وقيل : لما طعنه شريح قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، فهو معنى قوله : " يذكرني حاميم " ، قوله : " والرمح شاجر " جملة اسمية وقعت حالا من شجر الأمر يشجر شجورا ، إذا اختلط ، واشتجر القوم وتشاجروا إذا تنازعوا واختلفوا ، والمعنى هنا : والرمح مشتبك مختلط ، قوله : " فهلا " حرف تحضيض مختص بالجمل الفعلية الخبرية ، والمعنى : هلا كان هذا قبل تشاجر الرماح عند قيام الحرب ، قوله : " قبل التقدم " أي إلى الحرب ، وأول هذا البيت على ما ذكره الحسن بن المظفر النيسابوري في ( مأدبة الأدباء ) : وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت بصدر الرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يظلم يذكرني حميم ، وذكر عمر بن شبة بإسناده عن محمد بن إسحاق أن مالكا الأشتر النخعي قتل محمد بن طلحة وقال في ذلك شعرا ، وهو وأشعث قوام بآيات ربه ، الأبيات ) . وذكر أبو محنف لوط في كتابه ( حرب الجمل ) الذي قتل محمدا مدلج بن كعب ، رجل من بني سعد بن بكر ، وفي كتاب الزبير ابن أبي بكر : كان محمد أمرته عائشة - رضي الله تعالى عنها - بأن يكف يده ، فكان كلما حمل عليه رجل قال : نشدتك بحاميم ، حتى شد عليه رجل من بني أسد بن خزيمة يقال له : حديد ، فنشده بحاميم فلم ينته وقتله ، وقيل : قتله كعب بن مدلج من بني منقذ بن طريف ، ويقال : بل قتله عصام بن مقشعر النصري ، وعليه كثرة الحديث ، وقال المرزباني : هو الثبت ، وهو يخدش في إسناد البخاري ؛ لأن هذين الإمامين إليهما يرجع في هذا الباب ، قلت : الزمخشري العلامة ذكر هذا البيت في أول سورة البقرة ، ونسبه إلى شريح بن أوفى المذكور ، وفي ( الحماسة ) البحترية قال عدي بن حاتم : من مبلغ أفناء مذحج إنني ثأرت بحالي ثم لم أتأثم تركت أبا بكر ينوء بصدره بصفين مخضوب الكعوب من الدم يذكرني ثأري غداة لقيته فأجررته رمحي فخر على الفم يذكرني ياسين حين طعنته فهلا تلا ياسين قبل التقدم ( الطول التفضل ) . أشار به إلى قوله تعالى : شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ وفسره بالتفضل ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وزاد : تقول العرب للرجل إنه لذو طول على قومه أي ذو فضل عليهم ، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ذي الطول ، قال : ذي السعة والغنى ، ومن طريق عكرمة ذي المنن ، ومن طريق قتادة قال : ذي النعماء . ( داخرين خاضعين ) . أشار به إلى قوله : سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ وفسره بقوله : خاضعين ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وعن السدي صاغرين . ( وقال مجاهد : إلى النجاة إلى الإيمان ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى : مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ وفسر قوله : إِلَى النَّجَاةِ بقوله : إلى الإيمان . ( ليس له دعوة يعني للوثن ) . أشار به إلى قوله تعالى : لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وقال : ليس للوثن دعوة ، هذا من تتمة كلام الرجل الذي آمن بموسى - عليه السلام - وهو الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله : وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ وكان من آل فرعون يكتم إيمانه منه ومن قومه ، وعن السدي ومقاتل : كان ابن عم فرعون ، وعن ابن عباس أن اسمه حزقيل ، وعن وهب بن منبه خزيبال ، وعن إسحاق خزبيل ، وقيل : حبيب . ( يسجرون توقد بهم النار ) . أشار به إلى قوله تعالى - عز وجل - : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ وفسره بقوله : توقد بهم النار ، وعن مجاهد يصيرون وقودا في النار . ( تمرحون : تبطرون ) . أشار به إلى قوله تعالى : ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ وفسره بقوله : تبطرون ، من البطر بالباء الموحدة والطاء المهملة . ( وكان العلاء بن زياد يذكر النار ، فقال رجل : لم تقنط الناس ؟ قال : وأنا أقدر أن أقنط الناس ، والله - عز وجل - يقول : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، ويقول : وأن المسرفين هم أصحاب النار ، ولكنكم تحبون أن تبشروا بالجنة على مساويء أعمالكم ، وإنما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - مبشرا بالجنة لمن أطاعه ومنذرا بالنار من عصاه ) . العلاء بن زياد ، بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ، العدوي ، البصري ، التابعي ، الزاهد ، قليل الحديث ، وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع ، مات قديما سنة أربع وتسعين ، قوله : " يذكر النار " قال بعضهم : هو بتشديد الكاف ، قلت : ليس بصحيح ، بل هو بالتخفيف على ما لا يخفى ، قوله : " لم تقنط الناس " من التقنيط ، لا من قنط يقنط قنوطا وهو أشد اليأس من الشيء ، وأصل لم لما ، فحذفت الألف وهي استفهام ، قوله : " أن تبشروا " على صيغة المجهول من التبشير ، قوله : " ومنذرا " ويروى ينذر ، قوله : " من عصاه " ، ويروى : لمن عصاه . 310 - ( حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي قال : حدثني يحيى ابن أبي كثير قال : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال : حدثني عروة بن الزبير قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص : أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة ابن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر ، فأخذ بمنكبه ، ودفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ) . الوليد بن مسلم الدمشقي يروي عن عبد الرحمن الأوزاعي ، والحديث مضى في آخر مناقب أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يزيد الكوفي عن الوليد عن الأوزاعي إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك .