4854 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثُونِي ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ - كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ . قَالَ سُفْيَانُ : فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( قَالَ : حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ : فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ ، وَهُمَا ثِقَتَانِ . قُلْتُ : وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ انْزَعَجَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ ، فَفَهِمَ الْحُجَّةَ فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قِيلَ : مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ ؟ وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ ، وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِقَ فَهُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ أَشَدُّ ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا . ثُمَّ قَالَ : أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ ، فَقَامَتِ الْحُجَّةُ . ثُمَّ قَالَ : بَلْ لا يُوقِنُونَ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ ، فَلِهَذَا انْزَعَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى كَادَ قَلْبُهُ يَطِيرُ ، وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَامِ . انْتَهَى . وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريباب · ص 469 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة والطور · ص 195 348 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان قال : حدثوني عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، فلما بلغ هذه الآية أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ كاد قلبي أن يطير . قال سفيان : فأما أنا فإنما سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور ، لم أسمعه زاد الذي قالوا لي . مطابقته للسورة ظاهرة ، والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم ، ومحمد بن جبير بن مطعم القرشي أبو سعيد النوفلي ، يروي عن أبيه جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي . قوله : حدثوني عن الزهري اعترض الإسماعيلي هنا بالذي رواه من طريق عبد الجبار بن العلاء وابن أبي عمر ، كلاهما عن ابن عيينة ، سمعت الزهري قال مصرحا عنه بالسماع ، وهما ثقتان . قيل : هذا لا يرد ؛ لأنهما ما أوردا من الحديث إلا القدر الذي ذكر الحميدي ، عن سفيان أنه سمعه من الزهري ، بخلاف الزيادة التي صرح الحميدي عنه بأنه لم يسمعها من الزهري ، وإنما بلغته عنه بواسطة قوله : فلما بلغ هذه الآية إلى آخر الزيادة التي قال سفيان إنه لم يسمعها عن الزهري ، وإنما حدثوها عنه أصحابه . قوله : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ كلمة أم ذكرت في هذه السورة في خمسة عشر موضعا متوالية متتابعة ، ومعنى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ من غير تراب قاله ابن عباس . وقيل : من غير أب وأم كالجماد لا يعقلون ولا يقوم لله عليهم حجة ، أليس خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة قاله عطاء ، وقال ابن كيسان : معناه أم خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون ، أم هم الخالقون لأنفسهم ، فإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا . قوله : أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ يعني إن جاز أن يدعوا خلق أنفسهم فليدعوا خلق السماوات والأرض ، وذلك لا يمكنهم ، فقامت الحجة عليهم ، ثم أضرب عن ذلك بقوله : بَلْ لا يُوقِنُونَ إشارة إلى أن العلة التي عاقتهم عن الإيمان هي عدم اليقين الذي هو موهبة من الله وفضل ، ولا يحصل إلا بتوفيقه . قوله : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ قال ابن عباس المطر والرزق ، وعن عكرمة النبوة . وقيل : علم ما يكون . قوله : أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أي أم هم المسلطون الجبارون . قاله أكثر المفسرين ، وعن عطاء : أم هم أرباب قاهرون ، وعن أبي عبيدة : تسيطرت علي أي اتخذتني خولا لك . قوله : قال : كاد قلبي أي قال جبير بن مطعم قارب قلبي الطيران ، وقال الخطابي : كان انزعاجه عند سماع الآية لحسن تلقيه معناها ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة . قوله : قال سفيان هو ابن عيينة قوله : لم أسمعه أي لم أسمع الزهري زاد الذي قالوا لي يعني بالبلاغ ، والضمير في : زاد يرجع إلى الزهري ، وقوله : الذي قالوا لي في محل النصب مفعوله فافهم .