باب
حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثُونِي ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ٣٥ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ﴾أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ - كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ . قَالَ سُفْيَانُ : فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ( قَالَ : حَدَّثُونِي عَنِ الزُّهْرِيِّ ) اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الْعَلَاءِ ، وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ قَالَ : فَصَرَّحَا عَنْهُ بِالسَّمَاعِ ، وَهُمَا ثِقَتَانِ .
قُلْتُ : وَهُوَ اعْتِرَاضٌ سَاقِطٌ ؛ فَإِنَّهُمَا مَا أَوْرَدَا مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَدْرَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الَّتِي صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَإِنَّمَا بَلَغَتْهُ عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ . قَوْلُهُ : ( كَادَ قَلْبِي يَطِيرُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَأَنَّهُ انْزَعَجَ عِنْدَ سَمَاعِ هَذِهِ الْآيَةِ لِفَهْمِهِ مَعْنَاهَا وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ ، فَفَهِمَ الْحُجَّةَ فَاسْتَدْرَكَهَا بِلَطِيفِ طَبْعِهِ ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قِيلَ : مَعْنَاهُ لَيْسُوا أَشَدَّ خَلْقًا مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ، أَيْ هَلْ خُلِقُوا بَاطِلًا لَا يُؤْمَرُونَ وَلَا يُنْهَوْنَ ؟ وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ ؟ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ خَالِقٍ ، وَإِذَا أَنْكَرُوا الْخَالِقَ فَهُمُ الْخَالِقُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَذَلِكَ فِي الْفَسَادِ وَالْبُطْلَانِ أَشَدُّ ، لِأَنَّ مَا لَا وُجُودَ لَهُ كَيْفَ يَخْلُقُ ، وَإِذَا بَطَلَ الْوَجْهَانِ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا . ثُمَّ قَالَ : أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَيْ إِنْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَدَّعُوا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ فَلْيَدَّعُوا خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُمْ ، فَقَامَتِ الْحُجَّةُ .
ثُمَّ قَالَ : بَلْ لا يُوقِنُونَ فَذَكَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي عَاقَتْهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ الَّذِي هُوَ مَوْهِبَةٌ مِنَ اللَّهِ وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ ، فَلِهَذَا انْزَعَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى كَادَ قَلْبُهُ يَطِيرُ ، وَمَالَ إِلَى الْإِسْلَامِ . انْتَهَى . وَيُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ ، أَنَّهُ اسْتَفْتَحَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ قَرَأَ إِلَى آخِرِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ .