54 - سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ : مُسْتَمِرٌّ : ذَاهِبٌ . مُزْدَجَرٌ : مُتَنَاهٍ . وَازْدُجِرَ : فَاسْتُطِيرَ جُنُونًا . دُسُرٍ : أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ . لِمَنْ كَانَ كُفِرَ يَقُولُ : كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ . مُحْتَضَرٌ : يَحْضُرُونَ الْمَاءَ . وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : مُهْطِعِينَ : النَّسَلَانُ . الْخَبَبُ : السِّرَاعُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : فَتَعَاطَى : فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا . الْمُحْتَظِرِ : كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ . وَازْدُجِرَ : افْتُعِلَ مَنْ زَجَرْتُ . كُفِرَ : فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ . مُسْتَقَرٌّ : عَذَابٌ حَقٌّ . يُقَالُ : الْأَشَرُ : الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ . ( سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلِغَيْرِهِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ حَسْبُ ، وَتُسَمَّى أَيْضًا سُورَةُ الْقَمَرِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : مُسْتَمِرٌّ : ذَاهِبٌ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَلَفْظُهُ فِي قَوْلِهِ : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ، قَالَ : رَأَوْهُ مُنْشَقًّا فَقَالُوا : هَذَا سِحْرٌ ذَاهِبٌ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسٍ .. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ ، وَفِي آخِرِهِ تَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ : سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ قَالَ : يَقُولُ : ذَاهِبٌ ، وَمَعْنَى ذَاهِبٌ أَيْ سَيَذْهَبُ وَيَبْطُلُ ، وَقِيلَ : سَائِرٌ . قَوْلُهُ : ( مُزْدَجَرٌ : مُتَنَاهٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ قَالَ : هَذَا الْقُرْآنُ . وَمِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : أُحِلَّ فِيهِ الْحَلَالُ وَحُرِّمَ فِيهِ الْحَرَامُ ، وَقَوْلُهُ مُتَنَاهٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ غَايَةٌ فِي الزَّجْرِ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَازْدُجِرَ : اسْتُطِيرَ جُنُونًا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ فَيَكُونُ مِنْ كَلَامِهِمْ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِمْ مَجْنُونٌ ، وَقِيلَ : هُوَ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ فِعْلِهِمْ أَنَّهُمْ زَجَرُوهُ . قَوْلُهُ : ( دُسُرٍ : أَضْلَاعُ السَّفِينَةِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي الْغَرِيبِ مِنْ طَرِيقِ حُصَيْنٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْأَلْوَاحُ : أَلْوَاحُ السَّفِينَةِ ، وَالدُّسُرُ : مَعَارِيضُهَا الَّتِي تُشَدُّ بِهَا السَّفِينَةُ . وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَدُسُرٍ ، قَالَ : الْمَسَامِيرُ . وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الْأَلْوَاحُ : مَقَاذِيفُ السَّفِينَةِ ، وَالدُّسُرُ : دُسِرَتْ بِمَسَامِيرَ . قَوْلُهُ : لِمَنْ كَانَ كُفِرَ يَقُولُ كُفِرَ لَهُ جَزَاءً مِنَ اللَّهِ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ : لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَرَأَهَا كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ، وَسَيَأْتِي تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ . قَوْلُهُ : مُحْتَضَرٌ يَحْضُرُونَ الْمَاءَ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : مُهْطِعِينَ : النَّسَلَانُ الْخَبَبُ السِّرَاعُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ قَالَ : هُوَ النَّسَلَانُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُ النَّسَلَانِ فِي تَفْسِيرِ الصَّافَّاتِ . وَقَوْلُهُ الْخَبَبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا أُخْرَى تَفْسِيرُ النَّسَلَانِ ، وَالسِّرَاعُ تَأْكِيدٌ لَهُ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ مُهْطِعِينَ قَالَ : نَاظِرِينَ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْمُهْطِعُ : الْمُسْرِعُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : فَتَعَاطَى فَعَاطَى بِيَدِهِ فَعَقَرَهَا ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَعَاطَهَا . قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَا أَعْلَمُ لِقَوْلِهِ فَعَاطَهَا وَجْهًا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَقْلُوبِ لِأَنَّ الْعَطْوَ التَّنَاوُلُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : تَنَاوَلَهَا بِيَدِهِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ : تَنَاوَلَ فَعَقَرَ . قَوْلُهُ : الْمُحْتَظِرِ كَحِظَارٍ مِنَ الشَّجَرِ مُحْتَرِقٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : التُّرَابُ يَسْقُطُ مِنَ الْحَائِطِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ، قَالَ : كَرَمَادٍ مُحْتَرِقٍ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ : كَانَتِ الْعَرَبُ تَجْعَلُ حِظَارًا عَلَى الْإِبِلِ وَالْمَوَاشِي مِنْ يَبَسِ الشَّوْكِ . فَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ . وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : هُوَ التُّرَابُ الْمُتَنَاثِرُ مِنَ الْحَائِطِ . ( تَنْبِيهٌ ) : حِظَارٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِهَا وَالظَّاءُ الْمُشَالَةُ خَفِيفَةٌ . قَوْلُهُ : ( وَازْدُجِرَ : افْتُعِلَ مِنْ زَجَرْتُ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَزَادَ بَعْدَهُ : صَارَتْ تَاءُ الِافْتِعَالِ فِيهِ دَالًا . قَوْلُهُ : ( كُفِرَ : فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِمْ مَا فَعَلْنَا جَزَاءً لِمَا صُنِعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ ، وَزَادَ : يَقُولُ : أَغْرِقُوا لِنُوحٍ ، أَيْ لِأَجْلِ نُوحٍ ، وَكُفِرَ أَيْ أُجْحِدَ . وَمُحَصَّلُ الْكَلَامِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَرَقِ كَانَ جَزَاءً لِنُوحٍ ، وَهُوَ الَّذِي كُفِرَ أَيْ جُحِدَ ، وَكُذِّبَ فَجُوزِيَ بِذَلِكَ لِصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ قَرَأَ حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِفَتْحَتَيْنِ ، فَاللَّامُ فِي لِمَنْ عَلَى هَذَا لِقَوْمِ نُوحٍ . قَوْلُهُ : مُسْتَقِرٌّ عَذَابُ حَقٌّ ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ بِمَعْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ ، وَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ اسْتَقَرَّ بِهِمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ . وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ : وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ قَالَ : يَوْمُ الْقِيَامَةِ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ : الْأَشَرُ : الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ ) قَالَ : أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ قَالَ : الْأَشَرُ : الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ . وَرُبَّمَا كَانَ مِنَ النَّشَاطِ ، وَهَذَا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِنَ الشَّرِّ ، وَفِي الشَّوَاذِّ قِرَاءَةٌ أُخْرَى ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ غَدًا : يَوْمُ الْقِيَامَةِ . 1 - بَاب وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا 4864 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَسُفْيَانَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ : فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ ، وَفِرْقَةً دُونَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اشْهَدُوا . 4865 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْشَقَّ الْقَمَرُ ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ ، فَقَالَ لَنَا : اشْهَدُوا اشْهَدُوا . قَوْلُهُ : بَابُ : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مِنْ وَجْهَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِيهِ فِرْقَتَيْنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا · ص 482 عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة اقتربت الساعة · ص 204 سورة اقتربت الساعة أي هذا في تفسير بعض سورة اقتربت الساعة ، وتسمى أيضا سورة القمر قال مقاتل فيما ذكره ابن النقيب وغيره : مكية إلا ثلاث آيات أولها : أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ وآخرها قوله : وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ كذا قالوه عن مقاتل ، وفيه نظر من حيث إن الذي في تفسيره هي مكية غير آية سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ فإنها نزلت في أبي جهل بن هشام يوم بدر ، وهي ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا وثلاثمائة واثنان وأربعون كلمة وخمس وخمسون آية . قوله : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ أي دنت القيامة ، وعن ابن كيسان في الآية تقديم وتأخير مجازها انشق القمر واقتربت الساعة . بسم الله الرحمن الرحيم لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر وقال مجاهد : مستمر ذاهب أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ وفسر مستمر بقوله : ذاهب ، هذا التعليق رواه عبد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس مستمر قال : ذاهب ، وفي التفسير : مستمر ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم : مر الشيء واستمر ، وعن الضحاك محكم شديد قوي ، وعن قتادة غالب من قولهم : مر الحبل إذا صلب واشتد وقوي وأمررته أنا إذا أحكمت فتله ، وعن الربيع نافذ ، وعن يمان ماض ، وعن أبي عبيدة باطل . وقيل : يشبه بعضه بعضا . مزدجر متناه أشار به إلى قوله عز وجل : وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي متناه بصيغة الفاعل أي : نهاية وغاية في الزجر لا مزيد عليه ، وكذا فسره قتادة ، ويجوز أن يكون بصيغة المفعول من التناهي بمعنى الانتهاء ، أي جاءكم من أخبار عذاب الأمم السالفة ما فيه موضع الانتهاء عن الكفر والانزجار عنه فافهم ، وعن سفيان : منتهى ، وأصل مزدجر مزتجر ، قلبت التاء دالا . وازدجر استطير جنونا أشار به إلى قوله عز وجل ذكره وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ومعناه استطير جنونا ، وهكذا فسره مجاهد ، وعن ابن زيد اتهموه وزجروه ووعدوه لئن لم تفعل لتكونن من المرجومين ، وقال الثعلبي : زجروه عن دعوته ومقالته . دسر أضلاع السفينة . أشار به إلى قوله تعالى : وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ وفسر الدسر بأضلاع السفينة ، وهكذا روي عن مجاهد ، وفي التفسير : دسر مسامير ، واحدها داسر ودسير يقال منه : دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير قاله قتادة وابن زيد ، وهو رواية عن ابن عباس ، وعن الحسن هي صدر السفينة ، سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها أي تدفع ، وهي رواية أيضا عن ابن عباس قال : الدسر كلكل السفينة ، وأصل الدسر الدفع ، وفي الحديث في العنبر إنما هو شيء دسره البحر أي دفعه . لِمَنْ كَانَ كُفِرَ يقول : كفر له جزاء من الله أشار به إلى قوله تعالى : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وفسره بقوله : كفر له جزاء من الله أي كفر له من الكفران بالنعمة ، والضمير في له لنوح عليه الصلاة والسلام ، أي : فعلنا بنوح وبهم ما فعلنا من فتح أبواب السماء وما بعده من التفجير ونحوه جزاء من الله بما صنعوا بنوح وأصحابه ، وقال النسفي : قال الفراء : جزاء بكفرهم ومن بمعنى ما المصدرية . وقيل : معناه عاقبناهم لله ولأجل كفرهم به . وقيل : معناه لمن كان كفر بالله ، وهو قراءة قتادة فإنه كان يقرأ بفتح الكاف والفاء ، وقال : لمن كفر بنوح عليه السلام . محتضر يحضرون الماء أشار به إلى قوله تعالى : وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ يعني قوم صالح عليه الصلاة والسلام يحضرون الماء إذا غابت الناقة ، فإذا جاءت حضروا اللبن ، هكذا روي عن مجاهد قوله : شرب أي نصيب من الماء ، وفي التفسير : محتضر يحضره من كانت نوبته ، فإذا كانت نوبة الناقة حضرت شربها ، وإذا كان يومهم حضروا شربهم . وقال ابن جبير مهطعين النسلان الخبب السراع أي قال سعيد بن جبير في قوله تعالى : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ هذا رواه ابن المنذر عن موسى ، حدثنا يحيى ، حدثنا شريك عن سالم عن سعيد بن جبير ، قوله : مُهْطِعِينَ أي مسرعين من الإهطاع . قوله : النسلان تفسير الإهطاع الذي يدل عليه مهطعين ، والنسلان بفتح النون والسين المهملة مشية الذئب إذا أعنق وفسره هنا بالخبب بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة بعدها أخرى ، وهو ضرب من العدو . قوله : السراع من المسارعة تأكيد له ، وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : مهطعين قال : ناظرين ، وعن قتادة : عامدين إلى الداعي . أخرجه عبد بن حميد ، وقال أحمد بن يحيى : المهطع الذي ينظر في ذل وخشوع لا يتبع بصره ، والداعي هو إسرافيل عليه الصلاة والسلام . وقال غيره فتعاطى فعاطها بيده أي قال غير سعيد بن جبير في قوله تعالى : فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ وفسر فتعاطى بقوله : فعاطها بيده أي تناولها بيده فعقرها أي ناقة صالح عليه الصلاة والسلام ، هذا المذكور هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : فتعاطى فعاطى بيده فعقرها ، وقال ابن التين : لا أعلم لقوله : عاطها هنا وجها إلا أن يكون من المقلوب الذي قلبت عينه على لامه ؛ لأن العطو التناول ، فيكون المعنى : فتناولها بيده ، وأما عوط فلا أعلمه في كلام العرب ، وأما عيط فليس معناه موافقا لهذا ، وقال ابن فارس : التعاطي الجراءة ، والمعنى تجرى فعقر . المحتظر كحظار من الشجر محترق أشار به إلى قوله تعالى : فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وفسر المحتظر بقوله كحظار بكسر الحاء المهملة وفتحها وبالظاء المعجمة أي منكسر من الشجر محترق ، وكذا روى ابن المنذر من طريق ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، وقد أخبر الله عز وجل عنهم بقوله : إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ العذاب الذي أرسل على قوم صالح عليه الصلاة والسلام لأجل عقر الناقة ، وقال الثعلبي : المحتظر الحظيرة ، وعن ابن عباس : هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجر والشوك دون السباع ، فما سقط من ذلك أو داسته الغنم فهو الهشيم ، وقال قتادة : يعني كالعظام النخرة المحترقة ، وهي رواية عن ابن عباس أيضا ، وعنه أيضا كحشيش تأكله الغنم . ازدجر افتعل من زجرت . أشار به إلى قوله تعالى : وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ وهذا قد مر عن قريب ، غير أنه أعاده إشارة إلى أن هذا من باب الافتعال ؛ لأن أصله ازتجر ، فقلبت التاء دالا ، فصار ازدجر ، وهو من الزجر ، وليس من زجرت ؛ لأن الفعل لا يشتق من الفعل ، بل يشتق من المصدر ، ولو ذكر هذا عند قوله : ازدجر استطير جنونا لكان أولى وأنسب . كفر فعلنا به وبهم ما فعلنا جزاء لما صنع بنوح وأصحابه وهذا أيضا قد مر أيضا عن قريب ، وهو قوله : لِمَنْ كَانَ كُفِرَ بقوله كفر له جزاء من الله ، وقد مر الكلام فيه وتكراره لا يخلو عن فائدة على ما لا يخفى ، ولكن لو لم يذكره هنا لكان أصوب وأحسن . قوله : كفر من كفران النعمة ، والمكفور هو نوح عليه السلام . وقومه كافرون الأيادي والنعم . وقيل : معنى كفر جحد قوله : فعلنا حكاية عن الله تعالى ، والضمير في به يرجع إلى نوح عليه السلام ، وفي بهم إلى قومه ، والذي فعله نصرته إياه وإجابة دعائه ، والذي فعل بقومه غرقه إياهم . قوله : جزاء أي لأجل الجزاء ؛ لما صنع ، أي لأجل صنعهم لنوح وقومه من الإساءة والشتم والضرب وغير ذلك من الأذى . قوله : لما صنع اللام فيه مكسورة ، وصنع على صيغة المجهول . مستقر عذاب حق أشار به إلى قوله تعالى : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ وفسره بقوله : عذاب حق ، وهكذا قاله الفراء ، وروى عبد بن حميد عن قتادة : استقر بهم أي العذاب إلى نار جهنم . قوله : وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ أي العذاب ، بكرة أي وقت الصبح ، وفي التفسير : عذاب مستقر أي دائم عام استقر بهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة . الأشر المرح والتجبر أشار به إلى قوله تعالى : بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ و سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ وفسره بقوله : المرح والتجبر وهكذا فسره أبو عبيدة وغيره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا · ص 206 باب وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا أي هذا باب في قوله تعالى : اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ الآية ، ولم تثبت هذه الترجمة إلا لأبي ذر ، قوله : آيَةً أي معجزة ليعرضوا من الإعراض . 358 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة وسفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اشهدوا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى هو القطان ، وسفيان هو ابن عيينة أو الثوري ؛ لأن كلا منهما روى عن سليمان الأعمش ، وإبراهيم هو النخعي ، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن سخبرة ، ولأبيه سخبرة صحبة ورواية ، روى له الترمذي قال ابن سعد : توفي بالكوفة في ولاية عبيد الله بن زياد . والحديث قد مر في علامات النبوة في باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم آية ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : على عهد أي على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : فرقتين أي قطعتين ، وفي علامات النبوة : شقتين ويروى : شقين فوق الجبل اختلفت الروايات في مكان الانشقاق ؛ فجاء عن ابن عباس أنه قال : انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باثنتين شطره على السويداء ، وشطره على الخندمة ، وجاء عن أنس رضي الله عنه أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ، فأراهم القمر بشقتين حتى رأوا حراء بينهما ، وفي تفسير أبي عبد الله قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت صادقا فاشقق لنا القمر ، فقال : إن فعلت تؤمنون ؟ قالوا : نعم - وكانت ليلة الجمعة - فسأل الله تعالى ، فانشق فرقتين نصف على الصفا ونصف على قعيقعان . الحديث ، وروى البيهقي من حديث أبي معمر عن عبد الله قال : رأيت القمر منشقا بشقتين مرتين بمكة شقة على أبي قبيس ، وشقة على السويداء ، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان يرى نصفه على قعيقعان والنصف الآخر على أبي قبيس . قوله : وفرقة دونه أي دون الجبل ، وعند مسلم من حديث شعبة ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : انشق القمر فلقتين فلقة من دون الجبل ، وفلقة من خلف الجبل .