3 - بَاب إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ 4892 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا : أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ ، فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا ، فَقَالَتْ : أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا ، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا . قَوْلُهُ : بَابُ : إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . الأول : قَوْلُهُ : ( عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ) كَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، فَكَأَنَّ أَيُّوبَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ : ( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ عَلَيْنَا : أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا - وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ . قَوْلُهُ : ( فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ يَدَهَا ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا آلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ لَمْ أَعْرِفْ آلَ فُلَانٍ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قُلْتُ : إِنَّ امْرَأَةً أَسْعَدَتْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ . وَتَبَيَّنَ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ أَبْهَمَتْ نَفْسَهَا . قَوْلُهُ : ( أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ فَأُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا ) وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ فَأَذْهَبُ فَأُسْعِدُهَا ثُمَّ أَجِيئُكَ فَأُبَايِعُكَ وَالْإِسْعَادُ قِيَامُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْأُخْرَى فِي النِّيَاحَةِ تُرَاسِلُهَا ، وَهُوَ خَاصٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْبُكَاءِ وَالْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَصْلَ الْمُسَاعَدَةِ وَضْعُ الرَّجُلِ يَدَهُ عَلَى سَاعِدِ الرَّجُلِ صَاحِبِهِ عِنْدَ التَّعَاوُنِ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ ، فَبَايَعَهَا ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ فَقَالَ : إِلَّا آلَ فُلَانٍ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ : فَاذْهَبِي فَأَسْعِدِيهَا ، قَالَتْ : فَذَهَبْتُ فَسَاعَدْتُهَا ثُمَّ جِئْتُ فَبَايَعْتُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ التَّرْخِيصَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً ، وَلَا تَحِلُّ النِّيَاحَةُ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ، فَهَذَا صَوَابُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِلَّا إِنِ ادَّعَى أَنَّ الَّذِينَ سَاعَدَتْهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا ، وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَإِلَّا فَلْيَدَّعِ مُشَارَكَتَهُمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِيَّةِ ، وَسَأُبَيِّنُ مَا يَقْدَحُ فِي خُصُوصِيَّةِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ : وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَةً ، وَمَقْصُودِي التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ : النِّيَاحَةُ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ شَقِّ جَيْبٍ وَخَمْشِ خَدٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَالَ : وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَةَ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً . انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ النَّقْلُ عَنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِكِيِّ أَيْضًا أَنَّ النِّيَاحَةَ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَقَدْ أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا ، وَرَدَّهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى النِّيَاحَةِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّةِ التَّحْرِيمِ ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ أَوَّلًا وَرَدَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَةُ النِّسَاءِ وَقَعَ التَّحْرِيمُ فَيَكُونُ الْإِذْنُ لِمَنْ ذُكِرَ وَقَعَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى لِبَيَانِ الْجَوَازِ ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيمُ فَوَرَدَ حِينَئِذٍ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ . وَقَدْ لَخَّصَ الْقُرْطُبِيُّ بَقِيَّةَ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّوَوِيُّ ، مِنْهَا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ ، قَالَ : وَهُوَ فَاسِدٌ لِمَسَاقِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا ، وَلَوْلَا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ فَهِمَتِ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَثْنَتْ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مِنَ الْعِصْيَانِ فِي الْمَعْرُوفِ وَهَذَا وَصْفُ الْمُحَرَّمِ . وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا آلَ فُلَانٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِالنِّيَاحَةِ ، فَيُمْكِنُ أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِاللِّقَاءِ وَالْبُكَاءِ الَّذِي لَا نِيَاحَةَ مَعَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَشْبَهُ مِمَّا قَبْلَهُ . قُلْتُ : بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُرُودُ التَّصْرِيحِ بِالنِّيَاحَةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ اللِّقَاءَ وَالْبُكَاءَ الْمُجَرَّدَ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ تَقْرِيرُهُ ، فَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْخِيرِ الْمُبَايَعَةِ حَتَّى تَفْعَلَهُ . وَمِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَادَ إِلَّا آلَ فُلَانٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ كَمَا قَالَ لِمَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ ذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا . فَقَالَ : أَنَا أَنَا . فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ . وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَ : وَهُوَ فَاسِدٌ ، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِتَحْلِيلِ شَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ . انْتَهَى . وَيَقْدَحُ فِي دَعْوَى تَخْصِيصِهَا أَيْضًا ثُبُوتُ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا ، وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَيْضًا الْخَدْشُ فِي الْأَجْوِبَةِ الْمَاضِيَةِ ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النِّسَاءِ فَبَايَعَهُنَّ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا .. الْآيَةَ - قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ أَبِي وَأَخِي مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ فُلَانَةَ أَسْعَدَتْنِي وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا .. الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ قَالَتْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي وَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِنَّ ، فَأَبَى ، قَالَتْ : فَرَاجَعْتُهُ مِرَارًا فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْدُ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ نُوحٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ عَجُوزًا لَنَا كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَلَا يَنُحْنَ ، فَقَالَتْ عَجُوزٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِبَ أَصَابَتْنَا ، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسْعِدَهُمْ ، قَالَ : فَاذْهَبِي فَكَافِئِيهِمْ . قَالَتْ : فَانْطَلَقْتُ فَكَافَأْتُهُمْ . ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَقْرَبَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ثُمَّ تَحْرِيمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ · ص 506 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا جاءك المؤمنات يبايعنك · ص 231 باب إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ أي هذا باب في قوله عز وجل : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ يعني مبايعات ، ولم يثبت لفظ الباب هنا إلا في رواية أبي ذر . 386 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين ، عن أم عطية رضي الله عنها قالت : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا : أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ونهانا عن النياحة ، فقبضت امرأة يدها فقالت : أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها . فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، فانطلقت ورجعت فبايعها . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المقعد البصري ، وعبد الوارث هو ابن سعيد وأيوب هو السختياني ، وحفصة هي بنت سيرين أخت محمد بن سيرين ، وأم عطية اسمها نسيبة بنت الحارث ، وقد ترجمناها في كتاب الجنائز . والحديث أخرجه أيضا في كتاب الأحكام عن مسدد . قوله : ونهانا عن النياحة ، وهو اسم من ناحت المرأة على الميت إذا ندبته ، وذلك أن تبكي وتعدد محاسنه . وقيل : النوح بكاء مع الصوت ، ومنه : ناح الحمام نوحا . قوله : فقبضت امرأة يدها هذه المرأة هي أم عطية المذكورة ، ولكنها أبهمت نفسها ، والدليل عليه ما في رواية النسائي : أن امرأة ساعدتني فلا بد أن أسعدها ، وفي رواية عاصم : فقلت يا رسول الله إلا آل فلان ؛ فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية ، فلا بد من أن أسعدهم . قال الخطابي : يقال أسعدت المرأة صاحبتها إذا قامت في نياحة معها تراسلها في نياحتها ، والإسعاد خاص في هذا المعنى بخلاف المساعدة ؛ فإنها عامة في جميع الأمور . قوله : فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يعني سكت ، ولم يرد عليها بشيء ، وفي رواية النسائي : اذهبي فأسعديها قالت : فذهبت فأسعدتها ، ثم جئت فبايعت ، وهو معنى قولها : فانطلقت ورجعت يعني انطلقت وأسعدت تلك المرأة التي أسعدتها هي ، ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايعها النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأم عطية في إسعاد تلك المرأة ، وقال النووي : هذا محمول على الترخيص لأم عطية خاصة ، وللشارع أن يخص من شاء من العموم . قيل : فيه نظر إلا إن ادعى أن التي ساعدتها لم تكن أسلمت . وجه النظر أن تحليل شيء من المحرمات لا يختص به ، وأيضا أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس قال : لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء فبايعهن أن لا يشركن بالله شيئا ... الآية قالت خولة بنت حكيم : يا رسول الله إن أبي وأخي ماتا في الجاهلية وإن فلانة أسعدتني ، وقد مات أخوها ، وأخرج الترمذي من طريق سعد بن حوشب عن أم سلمة الأنصارية أسماء بنت يزيد قالت : قلت يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي ، ولا بد من قضائهن ، فأبى قالت : فراجعته مرارا ، فأذن لي ، ثم لم أنح بعد ، وأخرج أحمد والطبراني من طريق مصعب بن نوح قال : أدركت عجوزا لنا كانت فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : فأخذ علينا أن لا ننحن فقالت العجوز : يا نبي الله إن ناسا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا ، وإنهم قد أصابتهم مصيبة ، فأنا أريد أن أسعدهم قال : اذهبي فكافئيهم . قالت : فانطلقت فكافأتهم ، ثم إنها أتت فبايعته . قلت : فبهذه الأحاديث استدل بعض المالكية على جواز النياحة ، وأن المحرم منها ما كان معه شيء من أفعال الجاهلية من شق جيب وخمش خد ونحو ذلك ، والصواب أن النياحة حرام مطلقا ، وهو مذهب العلماء ، والجواب الذي هو أحسن الأجوبة ، وأقربها أن يقال : إن النهي ورد أولا للتنزيه ، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم ، فيكون الإذن الذي وقع لمن ذكر في الحالة الأولى ، ثم وقع التحريم ، وورد الوعيد الشديد في أحاديث كثيرة ، والله أعلم . فإن قلت : في حديث الباب : فقبضت يدها ، وهو يعارض حديث عائشة المذكور قبل هذا . قلت : قد ذكرنا هناك أن المراد بالقبض التأخر عن القبول جمعا بين الحديثين ، فافهم .