بَاب إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ
بَاب إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ 4892 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْنَا : أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَنَهَانَا عَنْ النِّيَاحَةِ ، فَقَبَضَتْ امْرَأَةٌ يَدَهَا ، فَقَالَتْ : أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ أُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا ، فَمَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ فَبَايَعَهَا . قَوْلُهُ : بَابُ : إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ سَقَطَ بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ . الأول : قَوْلُهُ : ( عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ) كَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، فَكَأَنَّ أَيُّوبَ سَمِعَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي الْجَنَائِزِ .
قَوْلُهُ : ( بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ عَلَيْنَا : أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَنَهَانَا عَنِ النِّيَاحَةِ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ ( لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا - وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ كَانَ مِنْهُ النِّيَاحَةُ . قَوْلُهُ : ( فَقَبَضَتِ امْرَأَةٌ يَدَهَا ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِلَّا آلَ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَسْعَدُونِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ أُسْعِدَهُمْ لَمْ أَعْرِفْ آلَ فُلَانٍ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قُلْتُ : إِنَّ امْرَأَةً أَسْعَدَتْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الْمَرْأَةِ . وَتَبَيَّنَ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَارِثِ أَبْهَمَتْ نَفْسَهَا .
قَوْلُهُ : ( أَسْعَدَتْنِي فُلَانَةُ فَأُرِيدُ أَنْ أَجْزِيَهَا ) وَلِلنَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ فَأَذْهَبُ فَأُسْعِدُهَا ثُمَّ أَجِيئُكَ فَأُبَايِعُكَ وَالْإِسْعَادُ قِيَامُ الْمَرْأَةِ مَعَ الْأُخْرَى فِي النِّيَاحَةِ تُرَاسِلُهَا ، وَهُوَ خَاصٌّ بِهَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْبُكَاءِ وَالْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ أَصْلَ الْمُسَاعَدَةِ وَضْعُ الرَّجُلِ يَدَهُ عَلَى سَاعِدِ الرَّجُلِ صَاحِبِهِ عِنْدَ التَّعَاوُنِ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَانْطَلَقَتْ وَرَجَعَتْ ، فَبَايَعَهَا ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ فَقَالَ : إِلَّا آلَ فُلَانٍ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ : فَاذْهَبِي فَأَسْعِدِيهَا ، قَالَتْ : فَذَهَبْتُ فَسَاعَدْتُهَا ثُمَّ جِئْتُ فَبَايَعْتُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ التَّرْخِيصَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً ، وَلَا تَحِلُّ النِّيَاحَةُ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا فِي غَيْرِ آلِ فُلَانٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ، وَلِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ ، فَهَذَا صَوَابُ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ .
كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِلَّا إِنِ ادَّعَى أَنَّ الَّذِينَ سَاعَدَتْهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَسْلَمُوا ، وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَإِلَّا فَلْيَدَّعِ مُشَارَكَتَهُمْ لَهَا فِي الْخُصُوصِيَّةِ ، وَسَأُبَيِّنُ مَا يَقْدَحُ فِي خُصُوصِيَّةِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِذَلِكَ . ثُمَّ قَالَ : وَاسْتَشْكَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا فِيهِ أَقْوَالًا عَجِيبَةً ، وَمَقْصُودِي التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَا ، فَإِنَّ بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ : النِّيَاحَةُ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ مَا كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ شَقِّ جَيْبٍ وَخَمْشِ خَدٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ . قَالَ : وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا وَأَنَّ النِّيَاحَةَ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً .
انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ النَّقْلُ عَنْ غَيْرِ هَذَا الْمَالِكِيِّ أَيْضًا أَنَّ النِّيَاحَةَ لَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَقَدْ أَبْدَاهُ الْقُرْطُبِيُّ احْتِمَالًا ، وَرَدَّهُ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْوَعِيدِ عَلَى النِّيَاحَةِ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شِدَّةِ التَّحْرِيمِ ، لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ أَوَّلًا وَرَدَ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، ثُمَّ لَمَّا تَمَّتْ مُبَايَعَةُ النِّسَاءِ وَقَعَ التَّحْرِيمُ فَيَكُونُ الْإِذْنُ لِمَنْ ذُكِرَ وَقَعَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى لِبَيَانِ الْجَوَازِ ثُمَّ وَقَعَ التَّحْرِيمُ فَوَرَدَ حِينَئِذٍ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ . وَقَدْ لَخَّصَ الْقُرْطُبِيُّ بَقِيَّةَ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا النَّوَوِيُّ ، مِنْهَا دَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ النِّيَاحَةِ ، قَالَ : وَهُوَ فَاسِدٌ لِمَسَاقِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا ، وَلَوْلَا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ فَهِمَتِ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَثْنَتْ .
قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ صَرَّحَتْ بِأَنَّهَا مِنَ الْعِصْيَانِ فِي الْمَعْرُوفِ وَهَذَا وَصْفُ الْمُحَرَّمِ . وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ إِلَّا آلَ فُلَانٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِالنِّيَاحَةِ ، فَيُمْكِنُ أَنَّهَا تُسَاعِدُهُمْ بِاللِّقَاءِ وَالْبُكَاءِ الَّذِي لَا نِيَاحَةَ مَعَهُ . قَالَ : وَهَذَا أَشْبَهُ مِمَّا قَبْلَهُ .
قُلْتُ : بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُرُودُ التَّصْرِيحِ بِالنِّيَاحَةِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ اللِّقَاءَ وَالْبُكَاءَ الْمُجَرَّدَ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ تَقْرِيرُهُ ، فَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَأْخِيرِ الْمُبَايَعَةِ حَتَّى تَفْعَلَهُ . وَمِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَعَادَ إِلَّا آلَ فُلَانٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ كَمَا قَالَ لِمَنِ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ ذَا ؟ فَقَالَ : أَنَا . فَقَالَ : أَنَا أَنَا .
فَأَعَادَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ . قُلْتُ : وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ عَلَى الْأَوَّلِ . وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِأُمِّ عَطِيَّةَ ، قَالَ : وَهُوَ فَاسِدٌ ، فَإِنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِتَحْلِيلِ شَيْءٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ .
انْتَهَى . وَيَقْدَحُ فِي دَعْوَى تَخْصِيصِهَا أَيْضًا ثُبُوتُ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا ، وَيُعْرَفُ مِنْهُ أَيْضًا الْخَدْشُ فِي الْأَجْوِبَةِ الْمَاضِيَةِ ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النِّسَاءِ فَبَايَعَهُنَّ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا . . الْآيَةَ - قَالَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ أَبِي وَأَخِي مَاتَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ فُلَانَةَ أَسْعَدَتْنِي وَقَدْ مَاتَ أَخُوهَا . .
الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ قَالَتْ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ بَنِي فُلَانٍ أَسْعَدُونِي عَلَى عَمِّي وَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِنَّ ، فَأَبَى ، قَالَتْ : فَرَاجَعْتُهُ مِرَارًا فَأَذِنَ لِي ، ثُمَّ لَمْ أَنُحْ بَعْدُ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ نُوحٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ عَجُوزًا لَنَا كَانَتْ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ : فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَلَا يَنُحْنَ ، فَقَالَتْ عَجُوزٌ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ نَاسًا كَانُوا أَسْعَدُونَا عَلَى مَصَائِبَ أَصَابَتْنَا ، وَإِنَّهُمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُسْعِدَهُمْ ، قَالَ : فَاذْهَبِي فَكَافِئِيهِمْ . قَالَتْ : فَانْطَلَقْتُ فَكَافَأْتُهُمْ .
ثُمَّ إِنَّهَا أَتَتْ فَبَايَعَتْهُ وَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ أَقْرَبَ الْأَجْوِبَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً ثُمَّ كُرِهَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ثُمَّ تَحْرِيمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .