56 - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا 438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَيَّارٌ - هُوَ أَبُو الْحَكَمِ - قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَتْ لَيَ الْأَرْضُ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّيَمُّمِ ، وَأَخْرَجَهُ هُنَاكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ أَيْضًا وَسَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ لَكِنَّهُ سَاقَهُ هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ سَعِيدٍ وَهُنَا عَلَى لَفْظِ ابْنِ سِنَانٍ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا فِي السَّنَدِ وَلَا فِي الْمَتْنِ ، وَإِيرَادُهُ لَهُ هُنَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَيْسَتْ لِلتَّحْرِيمِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ : جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا أَيْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا لِلسُّجُودِ ، أَوْ يَصْلُحُ أَنْ يُبْنَى فِيهِ مَكَانٌ لِلصَّلَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَعُمُومُ حَدِيثِ جَابِرٍ مَخْصُوصٌ بِهَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ فَلَا يَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ لَا تَصِحُّ ؛ لِأَنَّ التَّنَجُّسَ وَصْفٌ طَارِئٌ ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَا قَبْلَ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا · ص 634 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا · ص 444 56 - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا 438 - حدثنا محمد بن سنان : ثنا هشيم : ثنا سيار - وهو : أبو الحكم - : ثنا يزيد الفقير : ثنا جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي . فذكر الحديث ، وفيه : وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل . وذكر بقية الحديث . وقد خرجه بتمامه في أول التيمم من هذا الوجه ، ومن وجه آخر ، وسبق الكلام عليه هنالك مستوفى . وذكرنا : أن قوله : جعلت لي الأرض مسجدا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل قد استدل بعمومه بعض الناس على الصلاة في المقابر والأعطان والحمام وغير ذلك مما اختلف في الصلاة فيه ، وإن من العلماء من منع دلالته على ذلك ، وقال : إنما خرج الكلام لبيان أن هذه الأمة خصت عن الأمم بأنهم يصلون في غير المساجد المبنية للصلاة فيها ، فيصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض ، في مسجد مبني وغير مبني ، فالأرض كلها لهم مسجد ما بني للصلاة فيه وما لم يبن ، وهذا لا يمنع أن ينهى عن الصلاة في أماكن خاصة من الأرض ؛ لمعنى يختص بها غير كونها غير مسجد مبني للصلاة فيه . وقد خرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي - فذكر منها : وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم . وهذا يرجع إلى أن العموم إذا سيق لمعنى خاص عم ما سيق له من ذلك المعنى دون غيره مما لم يسق الكلام له ، ومن الناس من يأخذ بعموم اللفظ ، والأظهر الأول . والله أعلم . وليس هذا كتخصيص العموم بسببه الخاص ، فإن الشارع قد يريد بيان حكم عام يدخل فيه السبب وغيره ، بخلاف ما إذا ظهر أنه لم يرد من العموم إلا معنى خاص سيق له الكلام ، فإنه يظهر أن غير ما سيق له غير مراد من عموم كلامه . والله أعلم . وقد زعم بعضهم : أن عموم قوله : جعلت لي الأرض مسجدا لا يصح الاستثناء منه ؛ لأنه وقع في صحيح مسلم من حديث حذيفة : جعلت لي الأرض كلها مسجدا . قال : وتأكيد العموم بـ كل ينفي الاستثناء منه ؛ لأن التأكيد ينفي المجاز ، والعام المستثنى منه يصير مجازا . وهذا الذي زعمه غير صحيح ، وقد قالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله ، كان يصومه إلا قليلا . وهذا يدل على أن التأكيد بـ كل لا يمنع من الاستثناء ، ولا من أن يراد به بعض مدلوله عند الإطلاق . وقوله : إن العام المستثنى منه يصير مجازا فممنوع ، بل هو حقيقة فيما عدا المستثنى منه عند أصحابنا وغيرهم . وأيضا ؛ فالعموم المؤكد بـ كل يصح الاستثناء منه بغير خلاف ، فلو قال : نسائي كلهن طوالق إلا فلانة ، فإنه مثل قوله : كل امرأة لي طالق إلا فلانة ، أو كل عبد لي حر إلا فلانا ، والاستثناء صحيح في الكل ، ولو استثنى ذلك بقلبه من غير تلفظ به ففي صحته روايتان عن أحمد ، حكاهما ابن أبي موسى وغيره . وفي القرآن العظيم : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ وحكى عن إبليس أنه قال : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وهذا استثناء من عموم مؤكد ، وما صح الاستثناء منه صح تخصيصه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا · ص 194 ( باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) أي هذا باب في بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) ، وإيراد هذا الباب عقيب الأبواب المتقدمة إشارة إلى أن الكراهة فيها ليست للتحريم ؛ لأن عموم قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) يدل على جواز الصلاة على أي جزء كان من أجزاء الأرض، وقال ابن بطال فدخل في عموم هذا المقابر والمرابض، والكنائس، وغيرها . 98 - ( حدثنا محمد بن سنان قال : حدثنا هشيم ، قال : حدثنا سيار هو أبو الحكم قال : حدثنا يزيد الفقير قال : حدثنا جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة ) . الترجمة من نفس هذا الحديث، ووضعه على هذا الوجه قد ذكرناه . ( ذكر رجاله ): وهم خمسة : الأول : محمد بن سنان أبو بكر العوفي الباهلي الأعمى ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين ؛ الثاني : هشيم بضم الهاء ابن بشير بضم الباء الموحدة السلمي مولاهم الواسطي ، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين ببغداد ؛ الثالث : سيار -على وزن فعال بالتشديد- بن أبي سيار، واسمه وردان أبو الحكم العنزي الواسطي مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين . الرابع : يزيد بفتح الياء آخر الحروف من الزيادة ابن صهيب الفقير ؛ الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) : جميع سنده بالتحديث بصيغة الجمع، وهو من النوادر، ورواته ما بين واسطي وكوفي، وقد ذكرنا تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره في أول كتاب التيمم ، فالبخاري أخرجه هناك أيضا عن محمد بن سنان، وسعيد بن النضر، وفي الخمس أيضا عن محمد بن سنان، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى، وابن أبي شيبة، والنسائي في الطهارة بتمامه، وفي الصلاة ببعضه عن الحسن بن إسماعيل خمستهم عن هشيم عن سيار، وتكلمنا فيما يتعلق به هناك مستقصى ؛ قوله ( طهورا ) بفتح الطاء ؛ قوله ( كافة ) أي جميعا، وهو مما يلزمه النصب على الحال، واستهجن إضافتها نحو كافتهم .