حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا 438 - حدثنا محمد بن سنان : ثنا هشيم : ثنا سيار - وهو : أبو الحكم - : ثنا يزيد الفقير : ثنا جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي . فذكر الحديث ، وفيه : وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل . وذكر بقية الحديث .

وقد خرجه بتمامه في أول التيمم من هذا الوجه ، ومن وجه آخر ، وسبق الكلام عليه هنالك مستوفى . وذكرنا : أن قوله : جعلت لي الأرض مسجدا ، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل قد استدل بعمومه بعض الناس على الصلاة في المقابر والأعطان والحمام وغير ذلك مما اختلف في الصلاة فيه ، وإن من العلماء من منع دلالته على ذلك ، وقال : إنما خرج الكلام لبيان أن هذه الأمة خصت عن الأمم بأنهم يصلون في غير المساجد المبنية للصلاة فيها ، فيصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض ، في مسجد مبني وغير مبني ، فالأرض كلها لهم مسجد ما بني للصلاة فيه وما لم يبن ، وهذا لا يمنع أن ينهى عن الصلاة في أماكن خاصة من الأرض ؛ لمعنى يختص بها غير كونها غير مسجد مبني للصلاة فيه . وقد خرج الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي - فذكر منها : وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم .

وهذا يرجع إلى أن العموم إذا سيق لمعنى خاص عم ما سيق له من ذلك المعنى دون غيره مما لم يسق الكلام له ، ومن الناس من يأخذ بعموم اللفظ ، والأظهر الأول . والله أعلم . وليس هذا كتخصيص العموم بسببه الخاص ، فإن الشارع قد يريد بيان حكم عام يدخل فيه السبب وغيره ، بخلاف ما إذا ظهر أنه لم يرد من العموم إلا معنى خاص سيق له الكلام ، فإنه يظهر أن غير ما سيق له غير مراد من عموم كلامه .

والله أعلم . وقد زعم بعضهم : أن عموم قوله : جعلت لي الأرض مسجدا لا يصح الاستثناء منه ؛ لأنه وقع في صحيح مسلم من حديث حذيفة : جعلت لي الأرض كلها مسجدا . قال : وتأكيد العموم بـ كل ينفي الاستثناء منه ؛ لأن التأكيد ينفي المجاز ، والعام المستثنى منه يصير مجازا .

وهذا الذي زعمه غير صحيح ، وقد قالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله ، كان يصومه إلا قليلا . وهذا يدل على أن التأكيد بـ كل لا يمنع من الاستثناء ، ولا من أن يراد به بعض مدلوله عند الإطلاق . وقوله : إن العام المستثنى منه يصير مجازا فممنوع ، بل هو حقيقة فيما عدا المستثنى منه عند أصحابنا وغيرهم .

وأيضا ؛ فالعموم المؤكد بـ كل يصح الاستثناء منه بغير خلاف ، فلو قال : نسائي كلهن طوالق إلا فلانة ، فإنه مثل قوله : كل امرأة لي طالق إلا فلانة ، أو كل عبد لي حر إلا فلانا ، والاستثناء صحيح في الكل ، ولو استثنى ذلك بقلبه من غير تلفظ به ففي صحته روايتان عن أحمد ، حكاهما ابن أبي موسى وغيره . وفي القرآن العظيم : ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ وحكى عن إبليس أنه قال : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ وهذا استثناء من عموم مؤكد ، وما صح الاستثناء منه صح تخصيصه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث