باب
باب 435 436 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني عبيد الله بن عبد الله ، أن عائشة ، وعبد الله بن عباس قالا : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه ، فإذا اغتم بِهَا كشفها عن وجهه ، فقال - وهو كذلك - : لعنة الله على اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد - يحذر ما صنعوا . 437 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قاتل الله اليهود ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وقد خرج البخاري في موضع آخر من كتابه من حديث عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي لم يقم منه : لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
قالت : ولولا ذلك لأبرز قبره ، ولكنه خشي - أو خُشي - أن يتخذ مسجدا . وخرج الإمام أحمد من حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وروى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم ، لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
ورواه محمد بن سليمان بن أبي داود الحراني : حدثنا عمر بن محمد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه من طريقه البزار . وعمر هذا ، هو : ابن صهبان ، جاء منسوبا في بعض نسخ مسند البزار ، وظن ابن عبد البر أنه : عمر بن محمد العمري ، والظاهر أنه وهم .
وقد روي نحوه من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، بإسناد فيه نظر . قال ابن عَبْد البر : الوثن الصنم . يقول : لا تجعل قبري صنما يصلى إليه ، ويسجد نحوه ، ويعبد ، فقد اشتد غضب الله على من فعل ذلك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه وسائر أمته من سوء صنيع الأمم قبلهم الذين صلوا في قبور أنبيائهم ، واتخذوها قبلة ومسجدا ، كما صنعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويعظمونها ، وذلك الشرك الأكبر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم بما في ذلك من سخط الله وغضبه ، وأنه مما لا يرضاه ؛ خشية عليهم من امتثال طرقهم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب مخالفة أهل الكتاب وسائر الكفار ، وكان يخاف على أمته اتباعهم ، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم على جهة التعيير والتوبيخ : لتتبعن سنن الذين كانوا قبلكم حذو النعل بالنعل ، حتى إن أحدهم لو دخل حجر ضب لدخلتموه .
انتهى . ويؤيد ما ذكره : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحذر من ذلك في مرض موته ، كما في حديث عائشة وابن عباس ، وسبق حديث جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل موته بخمس . وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي عبيدة بن الجراح ، قال : آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
وقد روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال ذلك في مرض موته من حديث علي ، وأسامة بن زيد ، وكعب بن مالك وغيرهم . وخرج الإمام أحمد حديث أسامة بن زيد ، ولفظه : قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدخل علي أصحابي . فدخلوا عليه ، فكشف القناع ، ثم قال : لعن الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .
وخرج حديث عائشة من رواية ابن إسحاق ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، وقال في آخر حديثه : يحرم ذلك على أمته . وقد اتفق أئمة الإسلام على هذا المعنى : قال الشافعي - رحمه الله - : وأكره أن يعظم مخلوق حتى يتخذ قبره مسجدا ، خشية الفتنة عليه وعلى من بعده . وقال صاحب التنبيه من أصحابه : أما الصلاة عند رأس قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها إليه فحرام .
قال القرطبي : بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره صلى الله عليه وسلم ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة : ولولا ذلك لأبرز قبره .