باب الصلاة في البيعة
ثنا محمد : ثنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة ، يقال لها : مارية ، فذكرت له ما رأت فيها من الصور ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله محمد : شيخ البخاري ، الظاهر أنه : ابن سلام البيكندي . وشيخه ، هُوَ : عبدة بْن سُلَيْمَان الكلابي . وهذا الحَدِيْث : يدل على تحريم التصوير في المساجد المبنية على القبور ، والصور التي في البيع والكنائس في معناها ؛ لأنها صور مصورة على صور أنبيائهم وصالحيهم للتبرك بها - في زعمهم - وكنائسهم وبيعهم منها ما هو على قبور أكابرهم ، ومنها ما هو على أسمائهم ، فالكل ملتحق بما بني على القبور في المعنى ، فلهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام عند ذكر الكنائس ، وما فيها من الصور ، وكفى بذلك ذما للكنائس المصور فيها ، وأنها بيوت ينزل على أهلها الغضب والسخط ، فلا ينبغي للمسلم أن يصلي فيها .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا تجتمع قبلتان في أرض . وقال طاوس : لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب . وفسره أبو عبيد وغيره : بأنه لا ينبغي الجمع بين المساجد والكنائس في أرض واحدة .
فالجمع بين فعل الصلاة التي وضعت لأجلها المساجد ، وبين الكفر المفعول في الكنائس في بقعة واحدة أولى بالنهي عنه ، فكما أنهم لا يمكنون من فعل عباداتهم في المساجد ، فكذا لا ينبغي للمسلمين أن يصلوا صلواتهم في معابد الكفار التي هي موضع كفرهم . فإن قيل : فقد روي ما يدل على جواز إقرارهم على أن يصلوا صلواتهم في مساجد المسلمين ، وإذا جاز الإقرار على ذلك جاز للمسلمين أن يصلوا في بيعهم وكنائسهم بطريق الأولى : فروى ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال : قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - يعني : وفد نجران - فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر ، عليهم ثياب الحبرات : جنب وأردية ، قال : يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم ، وقد حانت صلاتهم ، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعوهم ، فصلوا إلى المشرق . قيل : هذا منقطع ضعيف ، لا يحتج بمثله ، ولو صح فإنه يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تألفهم بذلك في ذلك الوقت استجلابا لقلوبهم ، وخشية لنفورهم عن الإسلام ، ولما زالت الحاجة إلى مثل ذلك لم يجز الإقرار على مثله .
ولهذا شرط عليهم عمر رضي الله عنه عند عقد الذمة إخفاء دينهم ، ومن جملة ألا يرفعوا أصواتهم في الصلاة ، ولا القراءة في صلاتهم فيما يحضره المسلمون .