4 - بَاب : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ : مِلْتُ ، لِتَصْغَى : لِتَمِيلَ . وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عَوْنٌ ؛ تَظَاهَرُونَ : تَعَاوَنُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَدِّبُوهُمْ 4915 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أردت أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَمَكَثْتُ سَنَةً فَلَمْ أَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا ، حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حَاجًّا ، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ ذَهَبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ ، فَقَالَ : أَدْرِكْنِي بِالْوَضُوءِ . فَأَدْرَكْتُهُ بِالْإِدَاوَةِ ، فَجَعَلْتُ أَسْكُبُ عَلَيْهِ ، وَرَأَيْتُ مَوْضِعًا فَقُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَنْ الْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَمَا أَتْمَمْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ : مِلْتُ ، لِتَصْغَى : لِتَمِيلَ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ فِي قَوْلِهِ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لِتَمِيلَ ، مِنْ صَغَوْتُ إِلَيْهِ مِلْتُ إِلَيْهِ ، وَأَصْغَوْتُ إِلَيْهِ مِثْلُهُ . وَقَالَ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا أَيْ عَدَلَتْ وَمَالَتْ . قَوْلُهُ : وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عَوْنٌ كَذَا لَهُمْ ، وَاقْتَصَرَ أَبُو ذَرٍّ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِ : ظَهِيرٌ : عَوْنٌ وَهُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ . قَوْلُهُ : ( تَظَاهَرُونَ تَعَاوَنُونَ ) كَذَا لَهُمْ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ : تَظَاهَرَا تَعَاوَنَا ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ تَعَاوَنَا عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : قُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْصُوا أَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَدِّبُوهُمْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : أَوْصُوا أَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : مُرُوهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَانْهَوْهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ ، وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا قَالَ : عَلِّمُوا أَهْلِيكُمْ خَيْرًا وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا : أَوْصُوا ؛ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ ، مِنَ الْإِيصَاءِ . وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لِلنَّسَفِيِّ ، وَذَكَرَهَا ابْنُ التِّينِ بِلَفْظِ : قُوا أَهْلِيكُمْ أَوْ قِفُوا أَهْلِيكُمْ ، وَنَسَبَ عِيَاضٌ هَذِهِ الرِّوَايَةَ هَكَذَا لِلْقَابِسِيِّ ، وَابْنِ السَّكَنِ ، قَالَ : وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ أَوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ ، انْتَهَى . قَالَ ابْنُ التِّينِ : قَالَ الْقَابِسِيُّ : صَوَابُهُ أَوْفِقُوا قَالَ : وَنَحْوُ ذَلِكَ ذَكَرَ النَّحَّاسُ ، وَلَا أَعْرِفُ لِلْأَلِفِ مِنْ أَوْ وَلَا لِلْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : فِقُوا وَجْهًا ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَلَعَلَّ الْمَعْنَى أَوْقِفُوا بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ ؛ أَيْ أَوْقِفُوهُمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ : لَكِنَّ الصَّوَابَ عَلَى هَذَا حَذْفُ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ مِنْ وَقَفَ ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوْفَقُوا - يَعْنِي بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ - لَا تَعْصُوا فَيَعْصُوا ، مِثْلَ لَا تَزِنُ فَيَزِنُ أَهْلُكَ ، وَتَكُونُ أَوْ عَلَى هَذَا لِلتَّخْيِيرِ ، وَالْمَعْنَى : إِمَّا أَنْ تَأْمُرُوا أَهْلِيكُمْ بِالتَّقْوَى أَوْ فَاتَّقُوا أَنْتُمْ فَيَتَّقُوا هُمْ تَبَعًا لَكُمُ ، انْتَهَى . وَكُلُّ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ نَشَأَتْ عَنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمَةِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْصُوا بِالصَّادِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَيْضًا طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمْرَ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ · ص 527 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما · ص 252 باب قوله : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا أي هذا باب في قوله عز وجل : إِنْ تَتُوبَا الخطاب لعائشة وحفصة ، أي إن تتوبا إلى الله من التعاون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيذاء وتفسير صَغَتْ يأتي الآن . صغوت وأصغيت : ملت ، لتصغى لتميل أشار بهذا إلى أن معنى قوله : قد صغت مالت وعدلت واستوجبتما التوبة ، يقال : صغوت ، أي ملت ، وكذلك أصغيت ذكر مثالين أحدهما ثلاثي والآخر مزيد فيه . قوله : لتصغى أشار به إلى قوله عز وجل وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أي لتميل ، وهذا ذكره استطرادا . وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ عون ، تظاهرون : تعاونون كذا وقع للأكثرين ، واقتصر أبو ذر من سياق الآية على قوله : ظَهِيرٌ عون قوله : وَإِنْ تَظَاهَرَا ، أي وإن تعاونا على أذى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الله هو مولاه ، أي ناصره وحافظه ، فلا تضره المظاهرة منكما ، وجبريل عليه الصلاة والسلام وليه ، وصالح المؤمنين أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، قاله المسيب بن شريك ، وقال سعيد بن جبير : هو عمر رضي الله تعالى عنه ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وعن الكلبي هم المؤمنون المخلصون الذين ليسوا بمنافقين ، وعن قتادة : هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، قوله : وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ، أي بعد نصر الله وجبريل وصالح المؤمنين ، ظَهِيرٌ ، أي أعوان ، ولم يقل : وصالحو المؤمنين ولا ظهرا ؛ لأن لفظهما وإن كان واحدا فهو بمعنى الجمع ، قوله : تظاهرون تفسيره تعاونون ، وفي بعض النسخ تظاهرا تعاونا . وقال مجاهد : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ أوصوا أنفسكم وأهليكم بتقوى الله وأدبوهم أي قال مجاهد في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أوصوا أنفسكم من الإيصاء ، المعنى : أوصوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات ، قوله : وَأَهْلِيكُمْ يعني مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم ، هذا هو المعنى الصحيح الذي ذكره المفسرون ، وقال الزمخشري : قوا أنفسكم بترك المعاصي وفعل الطاعات ، وأهليكم بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم ، وقرئ : وأهلوكم عطفا على واو : قوا كأنه قيل : قوا أنتم وأهلوكم أنفسكم ، وذكر الشراح هنا أشياء متعسفة أكثرها خارج عما تقتضيه القواعد ، فمن ذلك ما ذكره ابن التين بلفظ : قوا أهليكم أوفقوا أهليكم ، ونسب القاضي عياض هذه الرواية هكذا للقابسي وابن السكن ، ثم قال ابن التين : صوابه أوقوا قال : ونحو ذلك ذكر النحاس ، ولا أعرف للألف من أو ولا للفاء من قوله فقوا وجها ، قلت : كأنه جعل قوله : أوفقوا كلمتين إحداهما كلمة أو ، والثانية كلمة : فقوا ، وأصله بتقديم الفاء على القاف ، ثم ذكر أشياء متكلفة لم يذكرها أحد من المفسرين ، وذلك كله نشأ من جعله أوفقوا كلمتين ، وجعل الفاء مقدمة على القاف وليس كذلك ، فإنه كلمة واحدة والقاف مقدمة على الفاء ، والمعنى : أوقفوا أهليكم عن المعاصي وامنعوهم ، وقال ابن التين : والصواب على هذا حذف الألف لأنه ثلاثي من وقف ، قلت : لمن جعل هذا كلمة أن يقول : لا نسلم أنه من وقف بل من الإيقاف من المزيد لا من الثلاثي . 408 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، حدثنا يحيى بن سعيد قال : سمعت عبيد بن حنين يقول : سمعت ابن عباس يقول : أردت أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمكثت سنة ، فلم أجد له موضعا ، حتى خرجت معه حاجا ، فلما كنا بظهران ذهب عمر لحاجته فقال : أدركني بالوضوء ، فأدركته بالإداوة ، فجعلت أسكب عليه الماء ورأيت موضعا ، فقلت : يا مير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ قال ابن عباس : فما أتممت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة مطابقته للترجمة ظاهرة لا تخفى على المتأمل ، والحميدي عبد الله بن الزبير ، وسفيان هو ابن عيينة ، ويحيى بن سعيد هو القطان الأنصاري . والحديث قد مضى في باب : تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : بظهران بفتح الظاء المعجمة ، وسكون الهاء ، وبالراء والنون بقعة بين مكة والمدينة غير منصرف ، قوله : بالوضوء بفتح الواو ، وهو الماء الذي يتوضأ به . قوله : بالإداوة بكسر الهمزة ، وهي المطهرة . قوله : يا مير المؤمنين بحذف الألف من أمير للتخفيف .