59 - بَاب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ . 443 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ - قَالَ مِسْعَرٌ : أُرَاهُ قَالَ ضُحًى - فَقَالَ : صَلِّ رَكْعَتَيْنِ . وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ كَعْبٌ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَخَلُّفِهِ وَتَوْبَتِهِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ لِيَجْمَعَ بَيْنَ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ فَلَا يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهُ ) بِالضَّمِّ أَيْ أَظُنُّهُ ، وَالضَّمِيرُ لِمُحَارِبٍ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ وَكَانَ لَهُ أَيْ لِجَابِرٍ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : ( فَقَضَانِي ) الْتِفَاتٌ . وَهَذَا الدَّيْنُ هُوَ ثَمَنُ جَمَلِ جَابِرٍ . وَسَيَأْتِي مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ فَوَائِدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ مَوْضِعًا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا وَمَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا . وَمُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ تَقَاضِيَهُ لِثَمَنِ الْجَمَلِ كَانَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنَ السَّفَرِ كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا . وَغَفَلَ مُغَلْطَايْ حَيْثُ قَالَ : لَيْسَ فِيهِ مَا بَوَّبَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ جَابِرًا لَمْ يَقْدَمْ مِنْ سَفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذِهِ الصَّلَاةُ مَقْصُودَةٌ لِلْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ يَنْوِي بِهَا صَلَاةَ الْقُدُومِ ، لَا أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الَّتِي أُمِرَ الدَّاخِلُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ ، لَكِنْ تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِهَا . وَتَمَسَّكَ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ سَبَبٍ بِقَوْلِهِ : ضُحًى وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ · ص 639 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة إذا قدم من سفر · ص 459 59 - باب الصلاة إذا قدم من سفر وقال كعب بن مالك : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فصلى فيه . 443 - حدثنا خلاد بن يحيى : ثنا مسعر : ثنا محارب بن دثار ، عن جابر بن عبد الله ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد - قال مسعر : أراه قال : ضحى - فقال : صل ركعتين . وكان لي عليه دين ، فقضاني وزادني . حديث كعب قد خرجه بتمامه في مواضع أخر ، وهو حديث توبته وتخلفه عن تبوك . وفي الحديث : وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد ، فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس . وخرجه مختصرا في أواخر السير ، فقال : باب : الصلاة إذا قدم من سفر وخرج فيه من حديث كعب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر ضحى دخل المسجد ، فصلى ركعتين قبل أن يجلس . وقد خرجه مسلم ، ولفظه : كان لا يقدم من سفر إلا نهارا في الضحى ، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ، ثم جلس فيه . وخرج البخاري - أيضا - من حديث شعبة ، عن محارب بن دثار ، قال : سمعت جابرا ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فلما قدمنا المدينة قال لي : ادخل المسجد فصل ركعتين . وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد ، عن جابر ، قال : اشترى مني النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا ، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي المسجد ، فأصلي ركعتين ، ووزن لي ثمن البعير . وفي رواية أخرى ، قال : قدمت من سفر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صل ركعتين . وخرج مسلم من رواية وهب بن كيسان ، عن جابر ، قال : جئت المسجد ، فوجدته - يعني : النبي صلى الله عليه وسلم - على باب المسجد ، فقال : فدع جملك ، وادخل المسجد فصل ركعتين . قال : فدخلت فصليت ، ثم رجعت . وخرج الإمام أحمد وأبو داود من طريق ابن إسحاق ، قال : حدثني نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل من حجته دخل المدينة ، فأناخ على باب مسجده ، ثم دخله فركع ركعتين ، ثم انصرف إلى بيته . قال نافع : فكان ابن عمر كذلك يصنع . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : هو حسن جميل . قال : وإن صليتها في بيتك حين تدخل بيتك فإن ذلك يستحب . وقد صرح الشافعية بأن صلاتها في المسجد سنة ، وهذا حق لا توقف فيه . وقد بوب أبو بكر الخلال في كتاب الجامع في آخر الجهاد : باب سجدة الشكر للسلامة . ولم يورد في ذلك أثرا ولا نصا عن أحمد ، ولا غيره في القدوم بخصوصه ، وسجود الشكر للقدوم من الجهاد أو غيره سالما لا يعلم فيه شيء عن سلف ، إنما الذي جاءت به السنة . صلاة ركعتين في المسجد عند القدوم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة إذا قدم من سفر · ص 200 ( باب الصلاة إذا قدم من سفر ) أي هذا باب في بيان الصلاة إذا قدم الرجل من سفر، وغالب الأبواب في هذا الموضع فيما يتعلق بالمساجد فلا يحتاج إلى زيادة طلب، وجوه المناسبات فيها . ( وقال كعب بن مالك : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلي فيه ) . هذا التعليق ذكره البخاري مسندا في غزوة تبوك، وهو حديث طويل يرويه عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك يحدثني حين تخلف عن غزوة تبوك ... الحديث بطوله يأتي إن شاء الله تعالى، وفيه: ( وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ) .. الحديث، ومطابقته للترجمة ظاهرة . 103 - ( حدثنا خلاد بن يحيى قال : حدثنا مسعر قال : حدثنا محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد ، قال مسعر : أراه قال ضحًى ، فقال : صل ركعتين، وكان لي عليه دين فقضاني وزادني ) . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة في بيان الصلاة عند القدوم من السفر، ومشروعية هذه الصلاة أعم من أن تكون بفعله صلى الله تعالى عليه وسلم وأن تكون بقوله فبين الأول بالحديث المعلق والثاني بحديث جابر هذا، وقال بعضهم : ذكر حديث جابر بعد المعلق ليجمع بين فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأمره ، فلا يظن أن ذلك من خصائصه ( قلت ) : قوله ( فلا يظن أن ذلك من خصائصه ) ليس كذلك ؛ لأنه يشعر أن كل فعل يصدر منه عليه الصلاة والسلام يظن فيه أنه من خصائصه، وليس كذلك ، فإن مواضع الخصوص لها قرائن تدل على ذلك . وقال الكرماني : فإن قلت ما وجه دلالته على الترجمة؟ قلت : هذا الحديث مختصر من مطول ذكره في كتاب البيوع وغيره، وفيه أنه قال : ( كنت مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزاة، واشترى مني جملا بأوقية ، ثم قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبلي، وقدمت بالغداة فوجدته على باب المسجد قال : الآن قدمت؟ قلت : نعم ، قال : فادخل فصل ركعتين ) ، قلت : هذا في الحقيقة وجه الترجمة على ما ذكرناه، ولكنه اقتصر على مجرد النقل ولم يوف حق الكلام، وقال صاحب ( التلويح ): وليس فيه ما بوب عليه هذا ؛ لأن لقائل أن يقول : إن جابرا لم يقدم من سفر لأنه ليس فيه ما يشعر بذلك ، قلت : هذا الكلام عجيب، وكيف هذا، والحديث مختصر من مطول، وفيه التصريح بقدومه من السفر، وقد جرت عادة البخاري في مثل هذا على الإحالة على أصل الحديث . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول : خلاد على وزن فعال بالتشديد ، مر في باب من بدأ بشقه الأيمن في الغسل ؛ الثاني : مسعر -بكسر الميم- مر في باب الوضوء بمد ؛ الثالث : محارب -بضم الميم وبالحاء المهملة وبكسر الراء، وفي آخره باء موحدة - ابن دثار بكسر الدال المهملة وبالثاء المثلثة وبالراء ، السدوسي قاضي الكوفة ؛ الرابع : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه العنعنة في موضع واحد، وفيه أن رواته كلهم كوفيون، وفيه من أفراد البخاري خلاد بن يحيى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري في سبعة عشر موضعا هنا عن خلاد بن يحيى، وفي الاستقراض كذلك، وفي الهبة عن ثابت بن محمد، وفي الجهاد عن سليمان بن حرب، وفي الاستقراض عن أبي الوليد، وفي الهبة عن بندار عن غندر، وفي الشفاعة في وضع اليدين، وفي الشروط في الجهاد في أربعة مواضع، وفي النكاح في ثلاثة مواضع، وفي النفقات والدعوات، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أحمد بن جواس، وفيه وفي البيوع عن عبيد الله بن معاذ، وفي البيوع أيضا عن يحيى بن حبيب، وأخرجه أبو داود في البيوع عن أحمد بن حنبل، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الأعلى، وعن محمد بن منصور، ومحمد بن عبد الله بن يزيد، وفي السير عن عمرو بن يزيد . ( ذكر معناه وإعرابه ) ؛ قوله ( وهو في المسجد ) جملة حالية ؛ قوله ( أراه ) بضم الهمزة أي أظن، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى محارب، وهذا كلام مدرج أعني قوله ( قال مسعر أراه قال ضحى ) ؛ قوله ( فقال ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قوله ( وكان لي عليه دين ) كذا هو في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي ( وكان له ) أي لجابر عليه أي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الدين كان ثمن جمل جابر، وقال بعضهم : فيه التفات ، قلت : الالتفات لا يجيء إلا في رواية الحموي لا مطلقا، وقال النووي : هذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر لا أنها تحية المسجد، وفيه استحباب قضاء الدين زائدا، وهو من باب المروءة، وسيجيء فوائد هذا الحديث في موضعه إن شاء الله تعالى .