30 - بَاب الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ، يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ . 40 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ، مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَكَانَتْ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ . قَالَ زُهَيْرٌ : ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ . ثُمَّ عَادَ إِلَى سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مَعْدُودَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَقَالَ : بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) هُوَ مَرْفُوعٌ بِتَنْوِينٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَالصَّلَاةُ مَرْفُوعٌ عَلَى التَّنْوِينِ فَقَوْلُهُ وَقَوْلُ اللَّهِ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى عَدَمِهِ مَجْرُورٌ مُضَافٌ . قَوْلُهُ : ( يَعْنِي صَلَاتَكُمْ ) وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَابِ ، فَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ الْبَيْتِ مُشْكِلٌ ، مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَيْتِ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فِيهِ تَصْحِيفًا ، وَالصَّوَابُ يَعْنِي صَلَاتَكُمْ لِغَيْرِ الْبَيْتِ . وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَصْحِيفَ فِيهِ بَلْ هُوَ صَوَابٌ ، وَمَقَاصِدُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ دَقِيقَةٌ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ; لَكِنَّهُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ بَلْ يَجْعَلُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَأَطْلَقَ آخَرُونَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةَ ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَيَلْزَمُ مِنْهُ دَعْوَى النَّسْخِ مَرَّتَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْجَزْمِ بِالْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِالْأَوْلَوِيَّةِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْبَيْتِ وَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِذَا كَانَتْ لَا تَضِيعُ فَأَحْرَى أَنْ لَا تَضِيعَ إِذَا بَعُدُوا عَنْهُ ، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : يَعْنِي صَلَاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، عَنْ عَبْدُوسٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، وَلَيْسَ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مَنِ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ وَلَا فِي جَمِيعِ رِجَالِهِ بَلْ وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْجَزِيرَةِ وَبِهَا سَمِعَ مِنْهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَسَمَاعُ زُهَيْرٍ مِنْهُ - فِيمَا قَالَ أَحْمَدُ - بَعْدَ أَنْ بَدَأَ تَغَيُّرَهُ ، لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ حَفِيدُهُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْبَرَاءِ ) هُوَ ابْنُ عَازِبٍ الْأَنْصَارِيُّ ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ فَأُمِنَ مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ أَبِي إِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( أَوَّلَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ فِي أَوَّلِ زَمَنِ قُدُومِهِ ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْ قَالَ أَخْوَالُهُ ) الشَّكُّ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَفِي إِطْلَاقِ أَجْدَادِهِ أَوْ أَخْوَالِهِ مَجَازٌ ; لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَقَارِبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ ، لِأَنَّ أُمَّ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ مِنْهُمْ ، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ . وَإِنَّمَا نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ عَلَى إِخْوَتِهِمْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، فَفِيهِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ ثَانٍ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ إِلَى جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَوْلُهُ : ( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ) كَذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ هَذِهِ هُنَا ، وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا . وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رَجَاءَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ : سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصَ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَشَرِيكٍ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ - بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا - كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَلِلْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سَبْعَةَ عَشَرَ وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ جَزَمَ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَفَّقَ مِنْ شَهْرِ الْقُدُومِ وَشَهْرِ التَّحْوِيلِ شَهْرًا وَأَلْغَى الزَّائِدَ ، وَمَنْ جَزَمَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ عَدَّهُمَا مَعًا ، وَمَنْ شَكَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ ، وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُورُ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي ثَانِي عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَشَذَّتْ أَقْوَالٌ أُخْرَى . فَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَبُو بَكْرٍ سَيِّئُ الْحِفْظِ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِهِ فِي رِوَايَةِ : سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ : سِتَّةَ عَشَرَ ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ ، مَعَ كَوْنِهِ رَجَّحَ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ رِوَايَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا لِكَوْنِهَا مَجْزُومًا بِهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ إِلَّا إِنِ أَلْغَى شَهْرَيِ الْقُدُومِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ . وَمِنَ الشُّذُوذِ أَيْضًا رِوَايَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَرِوَايَةُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، أَوْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَرِوَايَةُ شَهْرَيْنِ ، وَرِوَايَةُ سَنَتَيْنِ ، وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الصَّوَابِ . وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، فَجُمْلَةٌ مَا حَكَاهُ تِسْعُ رِوَايَاتٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ صَلَّى ، وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ ، وَأَعْرَبَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالرَّفْعِ ، وَفِي الْكَلَامِ مُقَدَّرٌ لَمْ يُذْكَرْ لِوُضُوحِهِ ، أَيْ : أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ . وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ - عَلَى التَّرَدُّدِ - وَسَاقَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : صَلَّيْنَا إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي بَنِي سَلِمَةَ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الظُّهْرُ ، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الْعَصْرُ ، وَأَمَّا الصُّبْحُ فَهُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَهْلِ قُبَاءٍ ، وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ ؟ أَقْوَالٌ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ قَيْظِيٍّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ طَوِيلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ ، وَقِيلَ هُوَ عَبَّادُ بْنُ نَهِيكٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، وَأَهْلُ الْمَسْجِدِ الَّذِينَ مَرَّ بِهِمْ قِيلَ هُمْ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، وَقِيلَ هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الَّذِي أَخْبَرَ أَهْلُ قُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَقْرِيرَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَشْهَدُ بِاللَّهِ ) أَيْ أَحْلِفُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ أَشْهَدُ بِكَذَا ، أَيْ : أَحْلِفُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ مَكَّةَ ) أَيْ : قِبَلَ الْبَيْتِ الَّذِي فِي مَكَّةَ ، وَلِهَذَا قَالَ : فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَ مَا مَوْصُولَةٌ وَالْكَافُ لِلْمُبَادَرَةِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لِلْمُقَارَنَةِ ، وَهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَعْجَبَهُمْ ) أَيِ : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( وَأَهْلُ الْكِتَابِ ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْيَهُودِ ، مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ . وَقِيلَ الْمُرَادُ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُصَلُّونَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَيْفَ يُعْجِبُهُمْ ؟ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : كَانَ إِعْجَابُهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْيَهُودِ . قُلْتُ : وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْيَهُودِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ ، أَيْ : يُصَلِّي مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَذْكُورَةِ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَحْضًا ، وَحَكَى الزُّهْرِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَوْ يَجْعَلُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ قُلْتُ : وَعَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ يَجْعَلُ الْمِيزَابَ خَلْفَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي كَانَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ . وَزَعَمَ نَاسٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ . وَحَمَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي . وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِمَامَةُ جِبْرِيلَ ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ . قَوْلُهُ : ( أَنْكَرُوا ذَلِكَ ) يَعْنِي الْيَهُودُ ، فَنَزَلَتْ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ الْآيَةَ . وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ زُهَيْرٍ ) يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِحَذْفِ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَعَادَتِهِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُعَلَّقٌ ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مَعَ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ زُهَيْرٍ سِيَاقًا وَاحِدًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ ) أَيْ : قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ ( رِجَالٌ وَقُتِلُوا ) ذِكْرُ الْقَتْلِ لَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُ الْمَوْتِ فَقَطْ ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالَّذِينَ مَاتُوا بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ ، فَبِمَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ الزُّهْرِيَّانِ ، وَالسَّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ . وَبِأَرْضِ الْحَبَشَةَ مِنْهُمْ : حَطَّابٌ - بِالْمُهْمَلَةِ - ابْنُ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الْأَسَدِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ ، وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ الْعَدَوِيَّانِ . وَمِنَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ : الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِمُهْمَلَاتٍ ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ . فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ . وَمَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَيْضًا إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ ; لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إِسْلَامِهِ . وَلَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةً فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ ، وَلَمْ يُضْبَطِ اسْمُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالتَّارِيخِ إِذْ ذَاكَ . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْمَغَازِي ذِكْرَ رَجُلٍ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ وَهُوَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تَلْقَاهُ الْأَنْصَارُ فِي الْعَقَبَةِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ . وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُتِلَ بِهَا فِي وَقْعَةِ بُعَاثٍ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِهْمَالِ الْعَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ - وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، قَالَ : فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ : لَقَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ . وَذَكَرَ لِي بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَنْ قُتِلَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ كَأَبَوَيْ عَمَّارٍ . قُلْتُ : يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ أَنَّ قَتْلَهُمَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ . ( تَنْبِيهٌ ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ تَسْمِيَةَ أَعْمَالِ الدِّينِ إِيمَانًا . وَفِيهِ أَنَّ تَمَنِّيَ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ جَائِزٌ إِذَا ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ بَيَانُ شَرَفِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ لِإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالسُّؤَالِ . وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى دِينِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُمْ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ كَمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا فَنَزَلَ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا - إِلَى قَوْلِهِ : - وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا وَلِمُلَاحَظَةِ هَذَا الْمَعْنَى عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ : بَابُ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ فَذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا فَعَلَ الْحَسَنَةَ أُثِيبَ عَلَيْهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ · ص 118 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة من الإيمان · ص 163 فصل خرج البخاري ومسلم : 40 - من حديث أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا . وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه [ صلى ] أول صلاة صلاها صلاة العصر ، وصلى معه قوم . فخرج رجل ممن صلى معه ، فمر على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله ، لقد صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مكة ! فداروا كما هم قبل البيت . وكانت اليهود [ قد ] أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ، وأهل الكتاب . فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . قال زهير : ثنا أبو إسحاق ، عن البراء في حديثه هذا ، أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال البخاري : يعني صلاتكم . وبوب على هذا الحديث : باب الصلاة من الإيمان . والأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم نسب ؛ فإنهم أجداده وأخواله من جهة جد أبيه هاشم بن عبد مناف ؛ فإنه تزوج بالمدينة امرأة من بني عدي بن النجار ، يقال لها : سلمى . فولدت له ابنه عبد المطلب ، وفي رأسه شيبة فسمي شيبة . وذكر ابن قتيبة أن اسمه عامر ، والصحيح أن اسمه شيبة . وإنما قيل له : عبد المطلب ؛ لأن عمه المطلب بن عبد مناف قدم به من المدينة إلى مكة ، فقالت قريش : هذا عبد المطلب . فقال : ويحكم ؛ إنما هو ابن أخي شيبة بن عمرو ، وهاشم اسمه عمرو . ففي حديث البراء هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة نزل على أجداده - أو قال : أخواله - من الأنصار ، وظاهره يدل على أنه نزل على بني النجار ؛ لأنهم هم أخواله وأجداده . وإنما أراد البراء جنس الأنصار دون خصوص بني النجار . وقد خرج البخاري في كتاب الصلاة و أبواب الهجرة من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم : بنو عمرو بن عوف . فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ، ثم أرسل إلى ملإ بني النجار ، فجاءوا متقلدين سيوفهم . قال : وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وأبو بكر ردفه ، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب ، وذكر الحديث . وخرج أيضا معنى ذلك من حديث الزهري ، عن عروة بن الزبير . وأما ما ذكره البراء في حديثه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، صلى بالمدينة قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا - فهذا شك منه في مقدار المدة . وروي عن ابن عباس أن مدة صلاته بالمدينة إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا ، خرجه أبو داود . وخرج أيضا من حديث معاذ أن مدة ذلك كان ثلاثة عشر شهرا . وروى كثير بن عبد الله المزني - وهو ضعيف - عن أبيه ، عن جده عمرو بن عوف قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قدم المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا . وقال سعيد بن المسيب : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس تسعة عشر شهرا ، ثم حولت القبلة بعد ذلك قبل المسجد الحرام ، قبل بدر بشهرين . ورواه بعضهم عن سعيد عن سعد بن أبي وقاص ، والحفاظ يرون أنه لا يصح ذكر سعد بن أبي وقاص فيه . وقيل عن سعيد بن المسيب في هذا الحديث : ستة عشر شهرا . وكذا قال محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد وغيرهم : إن مدة صلاته إلى بيت المقدس كانت ستة عشر شهرا . وقال الواقدي : الثبت عندنا أن القبلة حولت إلى الكعبة يوم الاثنين للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهرا . وعن السدي أن ذلك كان على رأس ثمانية عشر شهرا . وقيل : كان بعد خمسة عشر شهرا ونصف . ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة ، لكن اختلفوا في أي شهر كان ؟ فقيل : في رجب كما تقدم ، وحكي ذلك عن الجمهور ، منهم ابن إسحاق . وقيل : في يوم الثلاثاء نصف شعبان . وحكي عن قتادة ، واختاره محمد بن حبيب الهاشمي وغيره . وقيل : بل كان في جمادى الأول . وحكي عن إبراهيم الحربي ، ورواه الزهري ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك . وقوله : وكان يعجبه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - أن تكون قبلته قبل البيت يعني الكعبة . هذا يشهد له قول الله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وروى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود . فاستقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر شهرا . فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو وينظر إلى السماء ، فأنزل الله قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآية . وقال مجاهد : إنما كان يحب أن يحول إلى الكعبة ؛ لأن يهود قالوا : يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا ! وقال ابن زيد : لما نزل فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هؤلاء قوم يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله لبيت المقدس ، لو أنا استقبلناه ! فاستقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - ستة عشر شهرا ، فبلغه أن اليهود تقول : والله ، ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم ! فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، ورفع وجهه إلى السماء ، فنزلت هذه الآية قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ويشهد لهذا ما في حديث البراء وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ، وأهل الكتاب يعني من غير اليهود ، وهم النصارى . فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك . وقد اختلف الناس : هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل هجرته يصلي إلى بيت المقدس ؟ أو إلى الكعبة ؟ فروي عن ابن عباس أنه كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس ، والكعبة بين يديه . خرجه الإمام أحمد . وقال ابن جريج : صلى أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة . فصلت الأنصار قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ثلاث حجج ، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهرا ، ثم وجهه الله إلى البيت الحرام . وقال قتادة : صلت الأنصار قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - المدينة نحو بيت المقدس حولين . واستدل من قال : إنما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، فدل على أنه لم يصل إليه غير هذه المدة . ولكن قد يقال : إنه إنما أراد بعد الهجرة . ويدل عليه أيضا أن جبريل صلى بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما فرضت الصلاة عند باب البيت ، والمصلي عند باب البيت لا يستقبل بيت المقدس إلا أن ينحرف عن الكعبة بالكلية ويجعلها عن شماله ، ولم ينقل هذا أحد [ ... ] . وهؤلاء منهم من قال : ذلك كان باجتهاد منه لا بوحي كما تقدم عن ابن زيد ، وكذا قال أبو العالية : إنه صلى إلى بيت المقدس يتألف أهل الكتاب . وفي صحيح الحاكم عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق فقال الله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا يعنون : بيت المقدس ، فنسخها الله وصرفه إلى البيت العتيق . وقال : صحيح على شرطهما . وليس كما قال ؛ فإن عطاء هذا هو الخراساني ، ولم يلق ابن عباس . كذا وقع مصرحا بنسبته في كتاب الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد ، ولابن أبي داود وغيرهما . وقول البراء : وكان أول صلاة صلاها العصر - يعني إلي الكعبة بعد الهجرة . وقد روي عن عمارة بن أوس - وكان قد صلى القبلتين - قال : كنا في إحدى صلاتي العشي ونحن نصلي إلى بيت المقدس ، وقد قضينا بعض الصلاة إذ نادى مناد بالباب : إن القبلة قد حولت ، فأشهد على إمامنا أنه تحرف . خرجه الأثرم وغيره . وخرج الأثرم وابن أبي حاتم من حديث تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثه ، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين . ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو البيت الحرام . وقد روي أن هذه الصلاة كانت صلاة الفجر ؛ ففي الصحيحين عن ابن عمر قال : بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ، فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها ! وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا إلى الكعبة . وخرج مسلم معناه من حديث أنس أيضا . وقد قيل في الجمع بين هذه الأحاديث : إن التحويل كان في صلاة العصر ، ولم يبلغ أهل قباء إلا في صلاة الصبح . وفيه نظر . وقيل : إن تلك الصلاة كانت الظهر ، وقد خرجه النسائي في تفسيره من حديث أبي سعيد بن المعلى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروي عن مجاهد . وحديث البراء يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة العصر كلها إلى الكعبة ، وأن الذين صلوا إلى بيت المقدس ، ثم استداروا إلى الكعبة - هم قوم كانوا في مسجد لهم وراء إمام لهم . وفي حديث ابن عمر أنهم أهل مسجد قباء ، وفي حديث تويلة : مسجد بني حارثة . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن صلى معه هم الذين استداروا في صلاتهم ، وأن الكعبة حولت في أثناء صلاتهم . وقد روي نحوه عن مجاهد وغيره . وقد ذكر ابن سعد في كتابه قال : يقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتين من الظهر في المسجد بالمسلمين ، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام ، واستدار إليه ودار معه المسلمون . ويقال : بل زار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة ، فصنعت لهم طعاما ، وكانت الظهر . فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ركعتين ، ثم أمر أن يوجه إلى الكعبة ، فاستدار إلى الكعبة واستقبل الميزاب ، فسمي المسجد مسجد القبلتين . وحكى عن الواقدي أنه قال : هذا الثبت عندنا . وروى أبو مالك النخعي عبد الملك بن حسين ، عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن رويبة قال : كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إحدى صلاتي العشي حين صرفت القبلة ، فدار النبي صلى الله عليه وسلم ، ودرنا معه في ركعتين . خرجه ابن أبي داود ، وأبو مالك ضعيف جدا . والصواب رواية قيس بن الربيع عن زياد بن علاقة عن عمارة بن أوس ، وقد سبق لفظه . وروى عثمان بن سعد قال : ثنا أنس بن مالك قال : انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس وهو يصلي الظهر ، وانصرف بوجهه إلى القبلة . خرجه البزار وغيره . وعثمان هذا تكلم فيه . وخرج الطبراني من رواية عمارة بن زاذان ، عن ثابت ، عن أنس قال : صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة وهم في الصلاة ، فانحرفوا في ركوعهم . وعمارة ليس بالقوي . وخالفه حماد بن سلمة ، فروى عن ثابت ، عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي نحو بيت المقدس ، فنزلت قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ الآية ، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت ! فمالوا كما هم نحو القبلة . خرجه مسلم ، وهذا هو الصحيح . فإن كان التحويل قد وقع في أثناء الصلاة ، وقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس - استدل بذلك على أن الحكم إذا تحول المصلي في أثناء صلاته انتقل ما تحول إليه ، وبنى على ما مضى من صلاته . فيدخل في ذلك الأمة إذا أعتقت في صلاتها وهي مكشوفة الرأس والسترة قريبة ، والمتيمم إذا وجد الماء في صلاته قريبا وقدر على الطهارة به ، والمريض إذا صلى بعض صلاته قاعدا ثم قدر على القيام . وإن كان التحويل وقع قبل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ، ولكن لم يبلغ غيرهم إلا في أثناء صلاتهم ، فبنوا - استدل به على أن من دخل في صلاته باجتهاد سائغ إلى جهة ، ثم تبين له الخطأ في أثناء الصلاة أنه ينتقل ويبني . ويستدل به على أن حكم الخطاب لا يتعلق بالمكلف قبل بلوغه إياه . ويستدل به - على التقديرين - على قبول خبر الواحد الثقة في أمور الديانات مع إمكان السماع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بغير واسطة ، فمع تعذر ذلك أولى وأحرى . وما يقال من أن هذا يلزم منه نسخ المتواتر - وهو الصلاة إلى بيت المقدس - بخبر الواحد ، فالتحقيق في جوابه أن خبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن ، فنداء صحابي في الطرق والأسواق بحيث يسمعه المسلمون كلهم بالمدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها موجود لا يتداخل من سمعه شك فيه أنه صادق فيما يقوله وينادي به ، والله أعلم . وقول البراء : إنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما يقول فيهم ، فأنزل الله وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ - فهذا خرجه مسلم من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء أيضا . ورواه شريك ، عن أبي إسحاق ، عن البراء موقوفا في قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال : صلاتكم إلى بيت المقدس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث سماك عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله ، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله عز وجل وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ الآية . قال عبيد الله بن موسى : هذا الحديث يخبرك أن الصلاة من الإيمان . وهذا هو الذي بوب عليه البخاري في هذا الموضع ، ولأجله ساق حديث البراء فيه . وكذلك استدل به ابن عيينة وغيره من العلماء على أن الصلاة من الإيمان . وممن روي عنه أنه فسر هذه الآية بالصلاة إلى بيت المقدس ابن عباس من رواية العوفي عنه ، وسعيد بن المسيب ، وابن زيد ، والسدي ، وغيرهم . وقال قتادة والربيع بن أنس : نزلت هذه الآية لما قال قوم من المسلمين : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟ وهذا يدل على أن المراد بها الصلاة أيضا ؛ لأنها هي التي تختص بالقبلة من بين الأعمال ، ولم يذكر أكثر المفسرين في هذا خلافا ، وأن المراد بالإيمان هاهنا الصلاة ؛ فإنها علم الإيمان ، وأعظم خصاله البدنية . وروى ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ قال : أي بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعه إلى الآخرة أي : ليعطينكم أجرهما جميعا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وعن الحسن في هذه الآية قال : ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم ، وانصرافكم معه حيث انصرف إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وهذا القول يدل على أن المراد بالإيمان التصديق مع الانقياد والاتباع المتعلق بالقبلتين معا ، فيدخل في ذلك الصلاة أيضا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة من الإيمان · ص 239 ( باب الصلاة من الإيمان ) الكلام فيه على وجوه : الأول : إن قوله " باب " خبر مبتدأ محذوف أي هذا باب ، ويجوز فيه التنوين وتركه بإضافته إلى الجملة ؛ لأن قوله " الصلاة " مرفوع بالابتداء وخبره قوله " من الإيمان " أي الصلاة شعبة من شعب الإيمان . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن من جملة المذكور في حديث الباب الأول الاستعانة بالأوقات الثلاثة في إقامة الطاعات وأفضل الطاعات البدنية التي تقام في هذه الأوقات الصلوات الخمس ، والأوقات الثلاثة هي الغدوة والروحة وشيء من الدلجة ، فوقت صلاة الصبح في الغدوة ، ووقت صلاة الظهر والعصر في الروحة ، ووقت العشاء في جزء الدلجة على قول من يقول من أهل اللغة أن الدلجة سير الليل كله ولما كان العبد مأمورا بالاستعانة بهذه الأوقات وكانت هي أوقات الصلوات الخمس أيضا ، وهي من الإيمان ناسب ذكرها عقيب هذه الأوقات التي يتضمنها الباب الذي قبل هذا الباب على أن هذا الباب إنما ذكر بينه وبين هذا الباب استطرادا للوجه الذي ذكرناه هناك ، وفي الحقيقة يطلب وجه المناسبة بين هذا الباب وباب صوم رمضان احتسابا من الإيمان وهو ظاهر ؛ لأن كلا من الصلاة والصوم من أركان الدين العظيمة ومن العبادات البدنية . الثالث : كون الصلاة من الإيمان ظاهر ولا سيما على قول من يقول الأعمال من الإيمان ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما : ( بني الإسلام على خمس ... ) الحديث . وقول الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ يعني صلاتكم عند البيت لفظة " قول " يجوز فيها الوجهان من الإعراب الجر عطفا على المضاف إليه ، أعني قوله " الصلاة من الإيمان " ، فإنها جملة أضيف إليها الباب على تقدير ترك التنوين فيه كما ذكرنا والرفع عطفا على لفظة الصلاة ، ثم الكلام فيه على وجوه ، الأول : إن هذه الآية من جملة الترجمة لأن الباب مترجم بترجمتين إحداهما قوله " الصلاة من الإيمان " والأخرى قوله " وقول الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ والمناسبة بين الترجمتين ظاهرة لأن في الآية أطلق على الصلاة الإيمان على سبيل إطلاق الكل على الجزء ، وبين ذلك بقوله الصلاة من الإيمان لأن كلمة " من " للتبعيض ، والمراد الصلاة من بعض الإيمان . الثاني : قال الواحدي في كتاب ( أسباب النزول ) قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي : ( كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتوا على القبلة الأولى منهم سعد بن زرارة وأبو أمامة أحد بني النجار والبراء بن معرور أحد بني سلمة ، فجاءت عشائرهم في أناس منهم آخرين فقالوا : يا رسول الله توفي إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله تعالى إلى قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فكيف بإخواننا في ذلك ؟ فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ الآية . الثالث : قال ابن بطال : هذه الآية حجة قاطعة على الجهمية والمرجئة حيث قالوا : إن الأعمال والفرائض لا تسمى إيمانا وهو خلاف النص لأن الله سبحانه وتعالى سمى صلاتهم إلى بيت المقدس إيمانا ولا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في صلاتهم إلى بيت المقدس ، قلت : لا يلزم من الاتفاق على نزولها في صلاتهم إلى بيت المقدس إطلاقها ، وقال ابن إسحاق وغيره في قوله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيكم واتباعكم إياه إلى القبلة الأخرى أي ليعطينكم أجرها جميعا ، وقال الزمخشري في ( الكشاف ) : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا بل شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب العظيم ، ويجوز أن يراد : وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم ، وقيل : من صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة ، انتهى ، قلت : هذا ثلاثة أوجه : الأول من قبيل إطلاق المعروض على العارض . والثاني من قبيل الكناية لأن ترك التحويل ملزوم لإضاعة الإيمان . والثالث من قبيل إطلاق الكل على الجزء ثم اللام في قوله " ليضيع " لتأكيد النفي ، فإن قيل : المقام يقتضي أن يقال إيمانهم بلفظ الغيبة ، أجيب بأن المقصود تعميم الحكم للأمة الأحياء والأموات ، فذكر الأحياء المخاطبين تغليبا لهم على غيرهم ، ولا يناسب وضع الآية في الترجمة إلا من الوجه الثالث وهو الذي أشار إليه البخاري بقوله : يعني صلاتكم حيث فسر الإيمان بالصلاة ، وهكذا وقع هذا التفسير في رواية الطيالسي والنسائي من طريق شريك وغيره عن أبي إسحاق عن البراء في الحديث الذي أخرجه البخاري ههنا ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس . الرابع : قوله " عند البيت " أراد به الكعبة شرفها الله تعالى ، وقال النووي : هذا مشكل لأن المراد صلاتكم إلى البيت المقدس ، وكان ينبغي أن يقول أي صلاتكم إلى بيت المقدس ، وهذا هو مراده فيتأول عليه كلامه ، وقال بعض الشارحين : المراد إلى البيت يعني بيت المقدس أو الكعبة لأن صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس . قلت : إذا أطلق البيت يراد به الكعبة ، ولم يقل أحد أن البيت إذا أطلق يراد به القدس أو أحدهما بالشك ، وقال بعضهم : قد قيل : إن فيه تصحيفا والصواب يعني صلاتكم لغير البيت ، ثم قال : وعندي أنه لا تصحيف فيه بل هو صواب ؛ بيان ذلك أن العلماء اختلفوا في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : كان يصلي إلى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس ، وأطلق آخرون أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ، وقال آخرون : كان يصلي إلى الكعبة فلما تحول إلى المدينة استقبل بيت المقدس ، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين ، والأول أصح لأنه يجمع بين القولين ، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس ، فكأنه البخاري أراد الإشارة إلى الجزم بالأصح من أن الصلاة لما كانت عند البيت كانت إلى بيت المقدس ، واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية لأن صلاتهم إلى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى أن لا تضيع إذا بعدوا عنه ، قلت : هذه اللفظة ثابتة في الأصول صحيحة ، ومعناها صحيح غير أنه اختصر في العبارة ، والتقدير يعني صلاتكم التي صليتموها إلى بيت المقدس عند البيت أي الكعبة ، فقوله عند البيت يتعلق بذلك المحذوف ، وقول هذا القائل : واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، ثم تطويله بقوله : لأن صلاتهم إلى آخره ، كلام يحتاج إلى دعامة لأن دعواه أولا بقوله : واقتصر على ذلك اكتفاء بالأولوية ، ثم تعليله بقوله : لأن صلاتهم إلى آخره لا تعلق له قط لبيان تصحيح قول البخاري عند البيت وتصحيحه بما ذكرناه ونقله عن بعضهم أن فيه تصحيفا ثم قوله : وعندي أنه لا تصحيف فيه وإن كان كذلك في نفس الأمر لكن لو كان عنده الوقوف على معنى التصحيف كان يقول أولا مثل هذا لا يسمى تصحيفا ، وإنما يقال مشكل كما قاله النووي أو نحو ذلك لأن التصحيف هو أن يتصحف لفظ بلفظ ، وهذا ليس كذلك ، وقال الصغاني رحمه الله : التصحيف الخطأ في الصحيفة ، يقولون : تصحف عليه لفظ كذا فعرفت أن من لم يعرف معنى التصحيف كيف يجيب عنه بالتحريف . 1 - ( حدثنا عمرو بن خالد قال : حدثنا زهير قال : حدثنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار ، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهل الكتاب ، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك ) . مطابقة الحديث للآية التي هي إحدى الترجمتين ظاهرة ولكن لا تطابق لصدر الحديث الذي هو إحدى روايتي زهير عن أبي إسحاق لقول صلى الله عليه وسلم : ( الصلاة من الإيمان ) ، وقول النووي في الحديث فوائد منها ما ترجم له وهو كون الصلاة من الإيمان إشارة إلى آخر الحديث الذي هو الرواية الثانية لزهير عن أبي إسحاق . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : أبو الحسن عمرو وبفتح العين وسكون الميم ابن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ليث بن واقد ابن عبد الله الحنظلي الجزري الحراني سكن مصر ، وروى عن الليث وأبي لهيعة وغيرهما ، وروى عنه البخاري وانفرد به وأبو زرعة وغيرهما ، وروى ابن ماجه عن رجل عنه ، قال أبو حاتم : صدوق ، وقال العجلي : مصري ثبت ثقة ، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين ، ووقع في رواية القابسي عن عبدوس عن ابن زيد المروزي ، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني عمر بن خالد بضم العين وفتح الميم وهو تصحيف نبه عليه أبو علي الغساني وغيره ، وليس في شيوخ البخاري من اسمه عمر بن خالد ولا في رجاله كلهم ، بل ولا رجال الكتب الستة ولهم عمرو بن خالد الواسطي المتروك أخرج له ابن ماجه وحده وعمرو بن خالد الكوفي منكر الحديث . الثاني : زهير بصيغة التصغير بن معاوية بن حديج بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وبالجيم بن الرحيل بضم الراء وفتح الحاء المهملة ابن زهير بن خيثمة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة ، ويكنى بأبي خيثمة الجعفي الكوفي سكن الجزيرة ، سمع السبيعي وحميد الطويل وغيرهما من التابعين وخلقا من غيرهم ، وعنه يحيى القطان وجمع من الأئمة واتفقوا على جلالته وحسن لفظه واتقانه ؛ قال أبو زرعة : هو ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط توفي سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين ومائة وكان قد فلج قبله بسنة ونصف أو نحوها ، روى له الجماعة . الثالث : أبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن علي ، وقيل عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد الهمداني السبيعي الكوفي التابعي الجليل الكبير المتفق على جلالته وتوثيقه ، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان رضي الله عنه ، ورأى عليا وأسامة والمغيرة رضي الله عنهم ، ولم يصح سماعه منهم ، وسمع ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومعاوية وخلقا من الصحابة وآخرين من التابعين ، وعنه التيمي وقتادة والأعمش وهم من التابعين والثوري وهو أثبت الناس فيه وخلق من الأئمة ، قال العجلي : سمع ثمانية وثلاثين من الصحابة ، وقال ابن المديني : روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره ، مات سنة ست ، وقيل سبع ، وقيل ثمان ، وقيل تسع وعشرين ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : البراء بتخفيف الراء وبالمد على المشهور وقيل بالقصر ، وهو أبو عمارة بضم العين ، ويقال : أبو عمرو ، ويقال : أبو الطفيل بن عازب بن الحارث بن عدي بن جشم بن مجدعة بن الحارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمر بن مالك بن أوس الأنصاري الأوسي ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وخمسة أحاديث اتفقا منها على اثنين وعشرين ، وانفرد البخاري بخمسة عشر ومسلم بستة ، استصغر يوم أحد مع ابن عمر ثم شهد الخندق والمشاهد كلها وافتتح الري سنة أربع وعشرين صلحا أو عنوة وشهد مع أبي موسى غزوة تستر ، وشهد مع علي رضي الله عنه مشاهده ، توفي أيام مصعب بن الزبير بالكوفة ، روى له الجماعة وأبوه عازب صحابي أيضا ذكره ابن سعد في ( طبقاته ) ، وليس في الصحابة عازب غيره ولا فيهم البراء بن عازب سوى ولده . ( بيان الأنساب ) : الحنظلي نسبة إلى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وفي جعفي أيضا حنظلة بطن وهو ابن كعب بن عوف بن حريم بن جعفي والجزري نسبة إلى الجزيرة ما بين الفرات ودجلة ، قيل لها الجزيرة لأنها مثل الجزيرة من جزائر البحر والحراني نسبة إلى حران مدينة في ديار بكر واليوم خراب ؛ والجعفي بضم الجيم نسبة إلى جعفة بن سعد بن العشيرة بن مالك ، ومالك هو جماع مذحج والهمداني بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة نسبة إلى همدان وهو أوسلة بن مالك بن زيد أوسلة بن ربيعة بن الخيار بالخاء المعجمة المكسورة ابن ملكان بكسر الميم ، ضبطه ابن حبيب ، وقيل : مالك بن زيد بن كهلان والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة نسبة إلى السبيع جد القبيلة وهو السبيع بن الصعب بن معاوية بن كبير بن مالك بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان ، وأبعد من قال عرف أبو إسحاق بذلك لنزوله فيهم ، وأغرب المزي حيث ذكره في الألقاب . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته أئمة أجلاء ، ومنها أنهم أربعة فقط فإن قيل هذا معلول بعلتين : الأولى أن زهيرا لم يسمع من أبي إسحاق إلا بعد الاختلاط ، قاله أبو زرعة ، وقال أحمد : ثبت بخ بخ ، لكن في حديثه عن أبي إسحاق لين ، سمع منه بآخره الثانية أبو إسحاق مدلس ولم يصرح بالسماع ، قلت : الجواب عن الأولى أنه لو لم يثبت سماع زهير منه قبل الاختلاط عند البخاري لما أودعه في صحيحه على أنه تابعه عليه عند البخاري إسرائيل بن يونس حفيده وغيره ، وعن الثانية أن البخاري روى في التفسير من طريق الثوري عن أبي إسحاق سمعت البراء فحصل الأمن من ذلك ، فافهم . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري ههنا عن عمرو بن خالد ، وأخرجه أيضا في التفسير عن أبي نعيم ، وأخرجه أيضا في التفسير ، ومسلم أيضا في الصلاة عن محمد بن المثنى وأبي بكر بن خلاد ، والنسائي أيضا فيهما عن محمد بن بشار ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن الثوري عن أبي إسحاق عنه وأخرجه النسائي أيضا في الصلاة ، وفي التفسير عن محمد بن حاتم عن أبي نعيم عن حبان بن موسى عن عبد الله بن المبارك عن شريك بن عبد الله عن أبي إسحاق عنه ، وأخرجه الترمذي في الصلاة ، وفي التفسير عن هناد عن وكيع عن إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق عنه ، وقال : حسن صحيح ، وأخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن عبد الله بن رجاء ، وفي خبر الواحد عن يحيى عن وكيع كلاهما عنه به ، وأخرجه النسائي أيضا في الصلاة ، وفي التفسير عن محمد بن إسماعيل عن إبراهيم عن إسحاق بن يوسف عن المازري عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عنه . ( بيان اللغات ) ؛ قوله " المدينة " أراد بها مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واشتقاقها إما من مدن بالمكان إذا قام به على وزن فعيلة ويجمع على مدائن بالهمزة ، وإما من دان أي أطاع أو من دين أي ملك ، فعلى هذا يجمع على مداين بلا همز كمعايش ، ولها أسماء كثيرة : يثرب وطيبة بفتح الطاء وسكون الياء آخر الحروف وطابة ، والطيب إما لخلوصها من الشرك أو لطيبها لساكنيها لأمنهم ودعتهم ، وقيل لطيب عيشهم فيها ، وتسمى الدار أيضا للاستقرار بها ؛ قوله " قبل بيت المقدس " بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي نحو بيت المقدس وجهته ، والمقدس بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال مصدر ميمي كالمرجع أو اسم مكان من القدس وهو الطهر ، أي المكان الذي يطهر فيه العابد من الذنوب أو تطهر العبادة من الأصنام ، وجاء فيه ضم الميم وفتح القاف والدال المشددة ، وهو اسم مفعول من التقديس أي التطهير ، وقد جاء بصيغة اسم الفاعل أيضا لأنه يقدس العابد فيه من الآثام ، وفي ( العباب ) : القدس ، والقدس مثال خلق ، وخلق الطهر اسم مصدر ومنه حظيرة القدس وروح القدس جبريل عليه السلام ؛ قال الله تعالى : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقيل له روح القدس لأنه خلق من الطهارة ، والقدس البيت المقدس ؛ قوله " أشهد بالله " قال الجوهري : أشهد بالله أي أحلف به . ( بيان الإعراب ) ؛ قوله " كان أول ما قدم المدينة " هذه الجملة خبر إن في محل الرفع و " أول " نصب على الظرف و "ما " مصدرية تقديره في أول قدومه المدينة عند الهجرة من مكة ، وقدم بكسر الدال مضارعه يقدم بالضم ومصدره قدوم ، وأما قدم بالفتح فمضارعه يقدم بالضم أيضا ومصدره قدوم بضم القاف ؛ قال تعالى : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وأما قدم بالضم فمضارعه يقدم بالضم أيضا ومصدره قدم بكسر القاف وفتح الدال فهو قديم ، وانتصاب المدينة كانتصاب الدار في قولك دخلت الدار والظروف يتوسع فيها ؛ قوله " نزل " جملة في محل النصب على أنها خبر كان ؛ قوله " من الأنصار " كلمة " من " فيه بيانية ؛ قوله " وأنه " بفتح الهمزة عطف على قوله " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ؛ قوله " صلى " جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " قبل بيت المقدس " نصب على الحال بمعنى متوجها إليه ؛ قوله " وكان " أي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قوله " يعجبه " خبر كان ؛ قوله " أن يكون " في محل الرفع على أنه فاعل يعجبه وأن مصدرية تقديره وكان يعجبه كون قبلته جهة البيت أي كان يحب ذلك ؛ قوله " وأنه " بفتح الهمزة أيضا عطف على أنه المذكورة قبلها ؛ قوله " صلى " جملة من الفعل والفاعل في محل الرفع على أنها خبر أن ؛ قوله " أول صلاة " كلام إضافي منصوب على أنه مفعول صلى ؛ قوله " صلاها " جملة في محل الجر على أنها صفة صلاة ؛ قوله " صلاة العصر " كلام إضافي منصوب على أنه بدل من قوله " أول صلاة " ، وأعربه ابن مالك بالرفع ؛ قوله " وصلى معه " أي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، و " قوم " مرفوع لأنه فاعل صلى ، وقد قلنا غير مرة أن لفظة " قوم " موضوعة للرجال دون النساء ولا واحد له من لفظه وربما دخلت النساء فيه على سبيل التبع . قوله " وهم راكعون " جملة اسمية منصوبة المحل على الحال ؛ قوله " فقال " أي الرجل المذكور ؛ قوله " أشهد بالله " جملة وقعت معترضة بين قال وبين مقول القول وهو قوله " لقد صليت " اللام للتأكيد و " قد " للتحقيق ؛ قوله " قبل مكة " حال أي متوجها إليها ؛ قوله " فداروا " الفاء فيه تسمى الفاء الفصيحة أي سمعوا كلامه فداروا كما في قوله تعالى : فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ أي فضرب فانفجرت ، والفاء الفصيحة هي التي تدل على محذوف هو سبب لما بعدها ؛ قوله " كما هم " قال الكرماني : " ما " موصولة و " هم " مبتدأ وخبره محذوف ، ومثل هذه الكاف تسمى بكاف المقارنة أي دورانهم مقارن لحالهم وتبعه على هذا بعضهم مقلدا من غير تحرير ، قلت : الكاف المفردة إما جارة أو غير جارة ، فالجارة حرف واسم ، والحرف له خمسة معان : التشبيه نحو زيد كالأسد ، والتعليل أثبت ذلك قوم ونفاه الآخرون نحو : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ أي لأجل إرسالي فيكم ، والاستعلاء ، ذكره الأخفش والكوفيون نحو كخير جوابا لقول من قال له : كيف أصبحت ، أي على خير ، والمبادرة فيما إذا اتصلت بما نحو سلم كما تدخل ، وصل كما يدخل الوقت ، ذكره ابن الخباز وأبو سعيد السيرافي وهو غريب جدا ، والتوكيد وهي الزائدة نحو : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ التقدير ليس مثله شيء ، وأما اسم الجارة فهي مرادفة لمثل ولا تقع كذلك عند سيبويه والمحققين إلا في الضرورة نحو قوله : ( يضحكن عن كالبرد المنهم ) . وأما الكاف غير الجارة فنوعان مضمر منصوب أو مجرور نحو : مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ فإذا عرفت هذا علمت أنه لم يقل أحد في أقسام الكاف كاف المقارنة ، والتحقيق في إعراب هذا الكلام أن نقول : إن الكاف في " كما هم " يحتمل وجهين : الأول أن تكون للاستعلاء كما في قولك كن كما أنت أي على ما أنت عليه ، والتقدير ههنا أيضا فداروا على ما هم عليه ، ثم في إعرابه أوجه : الأول : أن تكون " ما " موصولة و " هم " مبتدأ وخبره محذوف وهو " عليه " . الثاني : أن تكون " ما " زائدة ملغاة والكاف جارة و " هم " ضمير مرفوع أنيب عن المجرور كما في قولك ما أنا كأنت ، والمعنى فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي . الثالث : أن تكون " ما " كافة و " هم " مبتدأ حذف خبره و " هو عليه " أو كائنون . الرابع : أن تكون " ما " كافة أيضا و " هم " فاعل ، والأصل كما كانوا ثم حذف كان فانفصل الضمير . الوجه الثانى : أن تكون الكاف كاف المبادرة كما ذكرنا الآن ، والمعنى فداروا متبادرين في حالهم التي هم فيها ، والوجه الأول هو الأحسن ، فافهم ؛ قوله " قبل البيت " حال أي مواجهين إليه ؛ قوله " قد أعجبهم " الضمير المرفوع المستتر في أعجب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فاعل أعجب و " هم " هو الضمير المنصوب وقع مفعولا ؛ قوله " إذ كان " أي النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الكرماني : وإذ كان بدل الاشتمال وإذ ههنا للزمان المطلق أي أعجبهم زمان كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس لأنه كان قبلتهم فإعجابهم لموافقة قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتهم . قلت : إذ ههنا ظرف بمعنى حين ، والمعنى أعجب اليهود حين كان يصلي عليه السلام قبل بيت المقدس و " إذ " إنما تقع بدلا عن المفعول كما في قوله تعالى : وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ وههنا المفعول هو الضمير المنصوب في قوله " أعجبهم " ، ولا يصح أن يكون بدلا منه لفساد المعنى والضمير المستتر في أعجب ضمير الفاعل ؛ قوله " قبل بيت المقدس " حال أي متوجها إليه ، فإن قلت ما الإضافة التي في بيت المقدس ؟ قلت : إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى ومسجد الجامع ، والمشهور فيه الإضافة وجاء أيضا على الصفة لبيت المقدس ، وقال أبو علي تقديره بيت مكان الطهارة ؛ قوله " وأهل الكتاب " بالرفع عطف على قوله " اليهود " ، فهو من قبيل عطف العام على الخاص ؛ لأن أهل الكتاب يشمل اليهود والنصارى وغيرهما ممن يعتقد بكتاب منزل ، وقال الكرماني : أو المراد به أي بأهل الكتاب النصارى فقط عطف خاص على خاص ، وقال بعضهم : فيه نظر لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس ، فكيف يعجبهم ؟ قلت : سبحان الله إن هذا عجب شديد كيف لم يتأمل هذا كلام الكرماني بتمامه حتى نظر فيه ، فإنه لما قال المراد به النصارى فقط قال : وجعلوا تابعة لأنه لم تكن قبلتهم بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود على أن نفس عبارة الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضا لأن قوله " وأهل الكتاب " إذا كان عطفا على اليهود يكونون داخلين فيما وصف به اليهود ، فالنصارى من جملة أهل الكتاب فهم أيضا داخلون فيه ، والأظهر أن يكون وأهل الكتاب بالنصب على أن الواو فيه بمعنى مع أي كان يصلي قبل بيت المقدس مع أهل الكتاب ، وهذا وجه صحيح ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب ، وفي هذا الوجه أيضا يدخل فيهم النصارى لأنهم من أهل الكتاب ؛ قوله " فلما ولى " أي أقبل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجهه نحو القبلة أنكروا ذلك أي أنكر أهل الكتاب توجهه إليها ، فعند ذلك نزل : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ الآية ، وقد صرح البخاري بذلك في روايته من طريق إسرائيل . ( بيان المعاني ) ؛ قوله " كان أول ما قدم المدينة " كان قدومه عليه السلام إلى المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول حين اشتداد الضحاء وكادت الشمس تعتدل ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ، فالظاهر أن بين خروجه من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لأنه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهو أبعد من طريق الجادة ؛ قوله " نزل على أجداده أو قال أخواله " الشك من أبي إسحاق ، والمراد بالأجداد هم من جهة الأمومة ، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز لأن هاشما جد أب رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج من الأنصار ، وقال موسى بن عقبة وابن إسحاق والواقدي وغيرهم أول ما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس الأنصاري ، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة فأقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم ، وقال ابن سعد : يقال أقام فيهم أربع عشرة ليلة ، وجاء مبينا في البخاري في كتاب الصلاة من رواية أنس رضي الله عنه قال : فنزل بأعلى المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف ، فقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم خرج يوم الجمعة ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في المسجد الذي في بطن الوادي ، وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة ، فقال ابن إسحاق : فأتاه عتبان بن مالك في رجال من قومه فقالوا : يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدد والمنعة ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة - لناقته - فخلوا سبيلها حتى إذا وازنت دار بني بياضة فتلقاه قوم فقالوا له مثل ذلك ، فقال لهم : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها حتى مر ببني ساعدة فقالوا له مثل ذلك ، فقال لهم مثل ما تقدم ثم دار ببني الحرث بن الخزرج ، فكذلك ، ثم دار بني عدي بن النجار وهم أخواله ، فإن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج ، وكان هاشم بن عبد المطلب قدم المدينة فتزوج سلمى ، وكانت شريفة لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلا فارقته ، فولدت لهاشم عبد المطلب ، فقالوا : يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدد والمنعة ، فقال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة ، فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب المسجد وهو يومئذ مربد ، فلما بركت ورسول الله عليه السلام عليها لم ينزل وثبت ، فسارت غير بعيد ورسول الله عليه السلام واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى منزلها أول مرة فبركت ، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها ، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه رحله فوضعه في بيته فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل عنده حتى بنى مسجده ومساكنه ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب ، ويقال أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عند أبي أيوب سبعة أشهر وبعث وهو في بيت أبي أيوب زيدا وأبا رافع من مواليه فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه وسودة زوجته رضي الله عنهن ، قلت : فعلى هذا إنما نزل النبي صلى الله عليه وسلم على كلثوم بن الهدم وهو أوسي من بني عمرو بن عوف ، وفي الثاني على أبي أيوب خالد بن زيد ، وليسا ولا واحد منهما من أخواله ولا أجداده ، وإنما أخواله وأجداده في بني عدي بن النجار ، وقد مر بهم ونزل على بني مالك أخي عدي ، فيجوز أن يكون ذكر ذلك تجوزا لعادة العرب في النسبة إلى الأخ أو لقرب ما بين داريهما ، وقال النووي : قوله أجداده أو أخواله شك من الراوي وهم أخواله وأجداده مجازا لأن هاشما تزوج من الأنصار . قوله " ثم تحلحلت " ، يقال تحلحل الشيء عن مكانه أي زال ، وحلحلت الناقة إذا قلت بها حل وهو بالتسكين وهو زجر لها وهو بالحاء المهملة ؛ قوله " ورزمت " بتقديم الراء على الزاي المعجمة ، يقال رزمت الناقة ترزم وترزم رزوما ورزاما بالضم قامت من الإعياء والهزل ولم تتحرك فهي رازم ؛ قوله " جرانها " بكسر الجيم وجران البعير مقدم عنقه من مذبحه إلى منخره والجمع جرن بضمتين . قوله " ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا " كذا وقع الشك في رواية زهير ههنا ، وفي الصلاة أيضا عن أبي نعيم عنه ، وكذا في الترمذي عنه ، وفي رواية إسرائيل عند الترمذي أيضا ، ورواه أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال : ستة عشر من غير شك ، وكذا لمسلم من رواية أبي الأحوص ، والنسائي من رواية أبي زكريا بن أبي زائدة وشريك ولأبي عوانة أيضا من رواية عمار بن رزيق بتقديم الراء المضمومة كلهم عن أبي إسحاق ، وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما وللبزار والطبراني من حديث عمرو بن عوف سبعة عشر ، وكذا للطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ونص النووي على صحة ستة عشر لإخراج مسلم إياها بالجزم فيتعين اعتمادها ، وقال الداودي : إنه الصحيح قبل بدر بشهرين وهو قول ابن عباس والحربي ؛ لأن بدرا كانت في رمضان في السنة الثانية ، ونص القاضي على صحة سبعة عشر وهو قول ابن إسحاق وابن المسيب ومالك بن أنس . فإن قلت : كيف الجمع بين الروايتين ؟ قلت : وجه الجمع أن من جزم بستة عشر أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرا وألغى الأيام الزائدة فيه ، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معا ومن شك تردد في ذلك ، وذلك أن القدوم كان في شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور . ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس وجاءت فيه روايات أخرى ، ففي سنن أبي داود : ثمانية عشر شهرا ، وكذا في سنن ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق وأبو بكر سيء الحفظ ، وعند ابن جرير من طريقه في رواية : سبعة عشر ، وفي رواية : ستة عشر ، وخرجه بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان وهو الذي ذكره النووي في ( الروضة ) وأقره مع كونه رجح في شرحه رواية : ستة عشر شهرا ؛ لكونها مجزوما بها عند مسلم ، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان ، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كان في جمادى الآخرة ، وحكى المحب الطبري ثلاثة عشر شهرا ، وفي رواية أخرى : سنتين ، وأغرب منهما تسعة أشهر وعشرة أشهر ، وهما شاذان ، وقال أبو حاتم بن حبان : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء ؛ لأن قدومه عليه السلام من مكة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وحولت يوم الثلاثاء نصف شعبان ، وفي تفسير ابن الخطيب عن أنس أنها حولت بعد الهجرة بتسعة أشهر وهو غريب ، وعلى هذا القول يكون التحويل في ذي القعدة إن عد شهر الهجرة وهو ربيع الأول أو ذي الحجة إن لم يعد وهو أغرب ، وفي ابن ماجه : إنها صرفت إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين ، وقال إبراهيم بن إسحاق : حولت في رجب ، وقيل : في جمادى ، فحصلت في تعيين الشهر أقوال ، والله تعالى أعلم . قوله " صلاة العصر " كذا هو ههنا صلاة العصر ، وجاء أيضا من رواية البراء أخرجها البخاري في الصلاة وفيه : فصلى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس ، فقال لهم ، فانحرفوا ، فقيد الأولى بالعصر في الحديث الأول وأطلق الثانية ، وقيد في الحديث الثاني الثانية بالعصر وأطلق الأولى ، وجاء في البخاري في كتاب خبر الواحد تقييده الصلاتين بالعصر ، فقال من رواية البراء أيضا : فوجه نحو الكعبة وصلى معه رجل العصر ، ثم خرج فمر على قوم من الأنصار فقال لهم : هو يشهد أنه صلى مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم العصر وأنه قد وجه إلى الكعبة ، قال : فانحرفوا وهم ركوع في صلاة العصر ، وكذا جاء في الترمذى أيضا أن الصلاتين كانتا العصر ، ولم يذكر مسلم ولا النسائي في حديث البراء هذا تعيين صلاة العصر ولا غيرهما ، وجاء في البخاري والنسائي ومسلم أيضا في كتاب الصلاة من حديث مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : ( بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت ) ، وفيه : ( فكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) ، وكذلك أيضا جاء في مسلم من رواية ثابت عن أنس كرواية ابن عمر أنها الصبح ، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وطريق الجمع بين رواية العصر والصبح أن التي صلاها مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة وهي العصر ، فهذا من رواية البراء ، وأما رواية ابن عمر وأنس رضي الله عنهما أنها الصبح ، فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم ، وعلى هذا يقع الجمع بين الأحاديث ، فالذي مر بهم ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة ومر عليهم في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فأتاهم في صلاة الصبح كما جاء مصرحا به في الروايات ، وقال الشيخ قطب الدين : ومال بعض المتأخرين ممن أدركناهم إلى ترجيح رواية الصبح ، قال : لأنها جاءت في رواية ابن عمر وأنس وأهملت في بعض الروايات حديث البراء وعينت بالعصر في بعض الطرق . قال : فتقدمت رواية الصبح لأنها من رواية صحابيين ، قلت : الأول هو الصواب ، وقد قال النووي : لأنه أمكن حمل الحديثين على الصحة ، فهو أولى من توهين رواية العدول المخرجة في الصحيح ، وممن بينه كما روى أبو داود مرسلا عن بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع أهلها آذان بلال رضي الله عنه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلون في مساجدهم ، وأقربها مسجد بني عمرو بن مندول من بني النجار ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني زريق ، ومسجد عفان ، ومسجد سلم ، ومسجد جهينة ، وشك في تعيين التاسع . قوله " فخرج رجل " وهو عباد بن نهيك بفتح النون وكسر الهاء بن أساف الخطمي صلى إلى القبلتين مع النبي عليه الصلاة والسلام ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة يوم صرفت ، قاله ابن عبد البر ، وقال ابن بشكوال هو عباد بن بشر الأشهلي ، ذكره الفاكهي في أخبار مكة عن خويلد بنت أسلم ، وكانت من المبايعات ، وفيه قول ثالث أنه عباد بن وهب رضي الله عنه ؛ قوله " فمر على أهل مسجد " هؤلاء ليسوا أهل قباء بل أهل مسجد بالمدينة وهو مسجد بني سلمة ويعرف بمسجد القبلتين ، ومر عليهم المار في صلاة العصر ، وأما أهل قباء فأتاهم الآتي في صلاة الصبح كما قررناه آنفا ، وقال الكرماني : لفظ الكتاب يحتمل أن يكون المراد من " مسجد " هو مسجد قباء ومن لفظ " هم راكعون " أن يكونوا في صلاة الصبح اللهم إلا أن يقال الفاء التعقيبية لا تساعده ، قلت : بالاحتمال لا يثبت الحكم ، والتحقيق فيه ما ذكرناه الآن ؛ قوله " وهم راكعون " يحتمل أن يراد به حقيقة الركوع وأن يراد به الصلاة من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : فيه دليل على صحة نسخ الأحكام وهو مجمع عليه إلا طائفة لا يعبأ بهم ، قلت : النسخ جائز في جميع أحكام الشرع عقلا ، وواقع عند المسلمين أجمع شرعا خلافا لليهود لعنهم الله ، فعند بعضهم باطل نقلا وهو ما جاء في التوراة تمسكوا بالسبت ما دامت السماوات والأرض فادعوا نقله تواترا ويدعون النقل من موسى عليه السلام أنه قال : لا نسخ لشريعته ، وعند بعضهم باطل عقلا ، والدليل على جوازه ووقوعه المعقول والمنقول ، أما النقل فلا شك أن نكاح الأخوات كان مشروعا في شريعة آدم عليه السلام وبه حصل التناسل ، وهذا لا ينكره أحد ، وقد ورد في التوراة أنه أمر آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه ثم نسخ ، وكذا استرقاق الحر كان مباحا في عهد يوسف عليه السلام حتى نقل عنه أنه استرق جميع أهل مصر عام القحط بأن اشترى أنفسهم بالطعام ثم نسخ ، وكذلك العمل في السبت كان مباحا قبل شريعة موسى عليه السلام ثم نسخ بعدها بشريعته ، ودعواهم النص في التوراة على ما زعموا باطلة لأنه ثبت قطعا عندنا بإخبار الله تعالى أنهم حرفوا التوراة فلم يبق نقلهم حجة ، ولهذا قلنا لم يجز الإيمان بالتوراة التي في أيديهم حتى بالغ بعض الشافعية وجوزوا الاستنجاء بذلك ، بل إنما يجب الإيمان بالتوراة التي أنزلت على موسى مع أن شرط التواتر لم يوجد في نقل التوراة إذ لم يبق من اليهود عدد التواتر في زمن بختنصر ؛ لأن أهل التواريخ اتفقوا على أنه لما استولى بختنصر على بني إسرائيل قتل رجالهم وسبى ذراريهم وأحرق أسفار التوراة حتى لم يبق فيهم من يحفظ التوراة ، وزعموا أن الله ألههم عزيرا عليه السلام حتى قرأه من صدره ولم يكن أحد قرأه حفظا لا قبله ولا بعده ، ولهذا قالوا بأنه ابن الله وعبدوه ثم دفع عزير عند موته إلى تلميذ له ليقرأه على بني إسرائيل فأخذوا عن ذلك الواحد ، وبه لا يثبت التواتر ، وزعم بعضهم أنه زاد فيها شيئا وحذف شيئا ، فكيف يوثق بما هذا سبيله ؟ فثبت أن ما ادعوا من تأييد شريعة موسى عليه السلام افتراء عليه ، ويقال : إن ما نقلوا عن موسى عليه السلام من قوله " تمسكوا بالسبت " إلخ ، مختلق مفترى ، ويقال : إن هذا مما اختلقه ابن الراوندي عليه مما يستحق . الثاني فيه الدليل على نسخ السنة بالقرآن وهو جائز عند الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة ، وللشافعي فيه قولان قال في إحدى قوليه : لا يجوز كما لا يجوز عنده نسخ القرآن بالسنة قولا واحدا ، وقال عياض : أجازه الأكثر عقلا وسمعا ، ومنعه بعضهم عقلا ، وأجازه بعضهم عقلا ومنعه سمعا ، قال الإمام فخر الدين الرازي : قطع الشافعي وأكثر أصحابنا وأهل الظاهر وأحمد في إحدى روايتيه بامتناع نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ، وأجازه الجمهور ومالك وأبو حنيفة رضي الله عنهم ، واستدل المجوزون على المسألة الأولى بأن التوجه نحو بيت المقدس لم يكن ثابتا بالكتاب ، وقد نسخ بقوله تعالى : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وأجيب من جهة الشافعي بأنما هي نسخ قرآن بقرآن ، وأن الأمر كان أولا بتخبير المصلي أن يولي وجهه حيث شاء بقوله تعالى : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ثم نسخ باستقبال القبلة ، وأجاب بعضهم بأن قوله تعالى : أَقِيمُوا الصَّلاةَ مجمل فسر بأمور منها التوجه إلى بيت المقدس فيكون كالمأمور به لفظا في الكتاب ، فيكون التوجه إلى بيت المقدس بالقرآن بهذه الطريقة وباحتمال أن المنسوخ كان قرآنا نسخ لفظه ، وقال بعضهم : النسخ كان بالسنة ونزل القرآن على وفقها ، ورد الأول والثاني بأنا لو جوزنا ذلك لأفضى إلى أن لا يعلم ناسخ من منسوخ بعينه أصلا فإنهما يطردان في كل ناسخ ومنسوخ والثالث مجرد دعوى فلا تقبل ، قالوا : قال الله تعالى : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ وصفه بكونه مبينا ، فلو جاز نسخ السنة بالقرآن لم يكن النبي مبينا واللازم باطل فالملزوم مثله ، أما الملازمة فلأنه إذا أثبت حكما ثم نسخه الله تعالى بقوله لم يتحقق التبيين منه لأن المنسوخ مرفوع لا مبين ؛ لأن النسخ رفع لا بيان ، وأما بطلان اللازم فلقوله : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ ؛ حيث وصفه بكونه مبينا ، قلنا : لا نسلم الملازمة لأن المراد بالتبيين البيان ولا نسلم أن النسخ ليس ببيان ، فإنه بيان لانتهاء أمر الحكم الأول ولئن سلمنا أن النسخ ليس ببيان ، وأن المراد منه بيان العام والمجمل والمنسوخ وغيرها لكن نسلم أن الآية تدل على امتناع كون القرآن ناسخا للسنة ، وقالوا : لو جاز ذلك لزم تنفير الناس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وعن طاعته لأنه يوهم أن الله تعالى لم يرض بما سنه الرسول عليه السلام ، واللازم باطل لأنه مناقض للبعثة فالملزوم كذلك ، قلنا : الملازمة ممنوعة لأنه إذا علم أنه مبلغ فلا تنفير ولا تنفر لأن الكل من عند الله تعالى . الثالث : فيه جواز النسخ بخبر الواحد ، قال القاضي : وإليه مال القاضي أبو بكر وغيره من المحققين ووجهه أن العمل بخبر الواحد مقطوع به كما أن العمل بالقرآن والسنة المتواترة مقطوع به ، وأن الدليل الموجب لثبوته أولا غير الدليل الموجب لنفيه وثبوت غيره ، قلت : اختاره الإمام الغزالي والباجي من المالكية وهو قول أهل الظاهر . الرابع : قال المازري وغيره : اختلفوا في النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف ؟ ويحتج بهذا الحديث لأحد القولين وهو أنه لا يثبت حكمه حتى يبلغ المكلف لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم في الصلاة ولم يعيدوا ما مضى ، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ ، وقال غيره : فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فعل من العبادات بعد النسخ وقبل البلاغ هل يعاد أم لا ؟ ولا خلاف أنه لا يلزم حكمه قبل تبليغ جبريل عليه السلام ، وقال الطحاوي : وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله ولم تبلغه الدعوة ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره ، فالفرض غير لازم والحجة غير قائمة عليه . وقال القاضي : قد اختلف العلماء فيمن أسلم في دار الحرب أو أطراف بلاد الإسلام حيث لا يجد من يستعلم الشرائع ولا علم أن الله تعالى فرض شيئا من الشرائع ثم علم بعد ذلك هل يلزمه قضاء ما مر عليه من صيام وصلاة لم يعملها ، فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى إلزامه وأنه قادر على الاستعلام والبحث والخروج إلى ذلك ، وذهب أبو حنيفة أن ذلك يلزمه إن أمكنه أن يستعلم فلم يستعلم وفرط ، وإن كان لا يحضره من يستعلمه فلا شيء عليه قال : وكيف يكون ذلك فرض على من لم يفرضه . الخامس : قال الإمام المازري : بنوا على مسألة الفسخ مسألة الوكيل إذا تصرف بعد العزل ولم يعلم ، فعلى القول بأن حكم النسخ لازم حين الورود لا تمضي أفعاله وعلى الثاني هي ماضية ، قال القاضي : ولم يختلف المذهب عندنا فيمن أعتق ولم يعلم بعتقه أن حكمه حكم الأحرار فيما بينه وبين الناس ، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فجائز ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بغير ستر ، وإنما اختلفوا فيمن هو فيها بناء على هذه المسألة وفعل الأنصاري في الصلاة كالأمة تعلم بالعتق في أثناء صلاتها . قلت : ومذهب الشافعي فيمن أعتقت ولم تعلم حتى فرغت من الصلاة وكانت قادرة على الستر ، هل تجب الإعادة عليها ؟ فيه قولان للشافعي كمن صلى بالنجاسة ناسيا عنده وإن أعتقت في أثنائها وعلمت بالعتق ، فإن عجزت مضت في صلاتها وإن كانت قادرة على الستر وسترت قريبا صح ، وإن مضت مدة في التكشف قطعت واستأنفت على الأصح من المذهب . السادس : فيه دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث ، وعادة الصحابة رضي الله عنهم قبول ذلك وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا إلى الآفاق ليعلموا الناس دينهم ويبلغوهم سنة رسولهم . السابع : فيه دليل على جواز الاجتهاد في القبلة ومراعاة السمت ليلهم إلى جهة الكعبة لأول وهلة في الصلاة قبل قطعهم على موضع عينها . الثامن : فيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي ، فمن صلى إلى جهة باجتهاد ثم تغير اجتهاده في أثنائها فيستدير إلى الجهة الأخرى حتى لو تغير اجتهاده أربع مرات في صلاة واحدة فتصح صلاتهم على الأصح في مذهب الشافعي . التاسع : فيه جواز الاجتهاد بحضرة النبي عليه السلام ، وفيه خلاف لأنه كان يمكنهم أن يقطعوا الصلاة وأن يبنوا ، فرجحوا البناء وهو محل الاجتهاد . العاشر : فيه وجوب الصلاة إلى القبلة والإجماع على أنها الكعبة شرفها الله تعالى . الحادي عشر : يحتج به على أن من صلى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ لا يلزم الإعادة لأنه فعل ما عليه في ظنه مع مخالفة الحكم ونفس الأمر ، كما أن أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنهم بقباء الأمر فلم يؤمروا بالإعادة . الثاني عشر : فيه استحباب إكرام القادم أقاربه بالنزول عليهم دون غيرهم . الثالث عشر : إن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحا في الرضى بل هو محبوب . الرابع عشر : فيه تمني تغيير نفس الأحكام إذا ظهرت المصلحة . الخامس عشر : فيه الدلالة على شرف النبي عليه الصلاة والسلام وكرامته على ربه حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال . السادس عشر : فيه بيان ما كان من الصحابة في الحرص على دينهم والشفقة على إخوانهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة من الإيمان · ص 248 ( قال زهير : حدثنا أبو إسحاق عن البراء في حديثه هذا أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ . قال الكرماني : يحتمل أن البخاري ذكره على سبيل التعليق منه ، ويحتمل أن يكون داخلا تحت حديثه السابق سيما لو جوزنا العطف بتقدير حرف العطف كما هو مذهب بعض النحاة ، وقال بعضهم : ووهم من قال إنه معلق ، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نعيم عن زهير سياقا واحدا . قلت : أما الكرماني فإنه جوز أن يكون هذا مسندا بتقدير حرف العطف ، وحرف العطف لا يجوز حذفه في الاختيار وهو المذهب الصحيح ، وأما القائل المذكور فإنه جزم بأنه مسند ههنا ؛ لأن قوله " ووهم من قال إنه معلق " يدل على هذا ، بل هذا وهم ؛ لأن صورته صورة التعليق بلا شك ، وليس ما بينه وبين ما قبله ما يشركه إياه ، ولا يلزم من سوقه في التفسير جملة واحدة سياقا واحدا أن يكون هذا موصولا غير معلق ، وهذا ظاهر لا يخفى ، وما رواه زهير بن معاوية هذا في حديث البراء رضي الله تعالى عنه أخرجه أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله كيف إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ، وكذا أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) ؛ قوله " إنه " أي إن الشأن ؛ قوله " مات " فعل وفاعله قوله " رجال " ، وقوله " على القبلة " قبل أن تحول معترض بينهما ، وأراد بالقبلة بيت المقدس وهي القبلة المنسوخة و "أن" مصدرية ، والتقدير قبل التحويل إلى الكعبة والذين ماتوا على القبلة المنسوخة قبل تحويلها إلى الكعبة عشرة أنفس ثمانية منهم من قريش وهم عبد الله بن شهاب الزهري والمطلب بن أزهر الزهري والسكران بن عمر والعامري ماتوا بمكة ، وحطاب بالمهملة ابن الحارث الجمحي وعمرو بن أمية الأسدي وعبد الله بن الحارث السهمي وعروة بن عبد العزى العدوي وعدي بن نضلة العدوي واثنان من الأنصار وهما البراء بن معرور بالمهملات وأسعد بن زرارة ماتا بالمدينة ، فهؤلاء العشرة متفق عليهم ، ومات أيضا قبل التحويل إياس بن معاذ الأشهلي لكنه مختلف في إسلامه ؛ قوله " وقتلوا " على صيغة المجهول عطف على قوله " مات رجال " . فإن قلت : كيف يتصور إطلاق القتل على الميت لأن الذي يموت حتف أنفه لا يسمى مقتولا . قلت : قال الكرماني : يحتمل أن يكون المقتولون نفس المائتين ، وفائدة ذكر القتل بيان كيفية موتهم إشعارا بشرفهم واستبعادا لضياع طاعتهم وأن العقل قرينة لكون الواو بمعنى أو . قلت : كلامه يشعر بقتل رجال قبل تحويل القبلة ، وهذا ليس بشيء لأنه لم يعرف قط في الأخبار أن الواحد من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة على أن هذه اللفظة أعني قوله " وقتلوا " لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية ، وفي باقي الروايات كلها ذكر الموت فقط ، فيحتمل أن تكون هذه غير محفوظة ، وقال بعضهم : فإن كانت هذه محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد ولم يضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت ، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يلقاه الأنصار في العقبة فعرض عليه الإسلام فقال : إن هذا القول حسن ، وأتى المدينة فقتل بها في وقعة بعاث وكانت قبل الهجرة ، قال : فكان قومه يقولون لقد قتل وهو مسلم فيحتمل أن يكون هو المراد ، قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : أن هذا حكم بالاحتمال فلا يصح . والثاني : قوله " لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك ليس كذلك ، فكيف اعتنوا بضبط أسماء العشرة الميتين ولم يعتنوا بضبط الذين قتلوا ، بل الاعتناء بالمقتولين أولى لأن لهم مزية على غيرهم . والثالث : أن الذي وجده في المغازي لا يصلح دليلا لتصحيح اللفظة المذكورة من وجهين أحدهما أن هذا الرجل لم يتفق على إسلامه والآخر أن هذا واحد ، وقوله " وقتلوا " صيغة جمع تدل على أن المقتولين جماعة وأقلها ثلاثة أنفس . والرابع : من وجوه النظر أن وقعة بعاث كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ولم يكن في ذلك الوقت إسلام ، فكيف يستدل بقتل الرجل المذكور في وقعة بعاث على أن قتله كان في وقت كون القبلة هي بيت المقدس ، وهذا ليس بصحيح ، وقال الصغاني : بعاث بالضم على ليلتين من المدينة ويوم بعاث يوم كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية ، ووقع في كتاب العين بالغين المعجمة والصواب بالعين المهملة لا غير ، ذكره في فصل الثاء المثلثة من كتاب الباء الموحدة ؛ قوله " فلم يدر " أي فلم يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاعتهم ضائعة أم لا فأنزل الله الآية .