حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري

بَاب الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ

بَاب الصَّلَاةُ مِنْ الْإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ، يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ . 40 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ، مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَكَانَتْ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ . قَالَ زُهَيْرٌ : ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ .

ثُمَّ عَادَ إِلَى سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ مَعْدُودَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ فَقَالَ : بَابُ الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) هُوَ مَرْفُوعٌ بِتَنْوِينٍ وَبِغَيْرِ تَنْوِينٍ ، وَالصَّلَاةُ مَرْفُوعٌ عَلَى التَّنْوِينِ فَقَوْلُهُ وَقَوْلُ اللَّهِ مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَعَلَى عَدَمِهِ مَجْرُورٌ مُضَافٌ . قَوْلُهُ : ( يَعْنِي صَلَاتَكُمْ ) وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ الْبَابِ ، فَرَوَى الطَّيَالِسِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ الْبَيْتِ مُشْكِلٌ ، مَعَ أَنَّهُ ثَابِتٌ عَنْهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِكَوْنِهِ عِنْدَ الْبَيْتِ .

وَقَدْ قِيلَ إِنَّ فِيهِ تَصْحِيفًا ، وَالصَّوَابُ يَعْنِي صَلَاتَكُمْ لِغَيْرِ الْبَيْتِ . وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا تَصْحِيفَ فِيهِ بَلْ هُوَ صَوَابٌ ، وَمَقَاصِدُ الْبُخَارِيِّ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ دَقِيقَةٌ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْجِهَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ; لَكِنَّهُ لَا يَسْتَدْبِرُ الْكَعْبَةَ بَلْ يَجْعَلُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . وَأَطْلَقَ آخَرُونَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةَ ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ وَيَلْزَمُ مِنْهُ دَعْوَى النَّسْخِ مَرَّتَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ الْإِشَارَةَ إِلَى الْجَزْمِ بِالْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْبَيْتِ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِالْأَوْلَوِيَّةِ ; لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْبَيْتِ وَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِذَا كَانَتْ لَا تَضِيعُ فَأَحْرَى أَنْ لَا تَضِيعَ إِذَا بَعُدُوا عَنْهُ ، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : يَعْنِي صَلَاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ، وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ الْحَرَّانِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، عَنْ عَبْدُوسٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الْقُدَمَاءِ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ ، وَلَيْسَ فِي شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مَنِ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ خَالِدٍ وَلَا فِي جَمِيعِ رِجَالِهِ بَلْ وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ رِجَالِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْجَزِيرَةِ وَبِهَا سَمِعَ مِنْهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ .

قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَسَمَاعُ زُهَيْرٍ مِنْهُ - فِيمَا قَالَ أَحْمَدُ - بَعْدَ أَنْ بَدَأَ تَغَيُّرَهُ ، لَكِنْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ حَفِيدُهُ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْبَرَاءِ ) هُوَ ابْنُ عَازِبٍ الْأَنْصَارِيُّ ، صَحَابِيٌّ ابْنُ صَحَابِيٍّ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ فَأُمِنَ مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِ أَبِي إِسْحَاقَ .

قَوْلُهُ : ( أَوَّلَ ) بِالنَّصْبِ أَيْ فِي أَوَّلِ زَمَنِ قُدُومِهِ ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْ قَالَ أَخْوَالُهُ ) الشَّكُّ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَفِي إِطْلَاقِ أَجْدَادِهِ أَوْ أَخْوَالِهِ مَجَازٌ ; لِأَنَّ الْأَنْصَارَ أَقَارِبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ ، لِأَنَّ أُمَّ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ مِنْهُمْ ، وَهِيَ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ . وَإِنَّمَا نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ عَلَى إِخْوَتِهِمْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ ، فَفِيهِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ ثَانٍ .

قَوْلُهُ : ( قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ إِلَى جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . قَوْلُهُ : ( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ) كَذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ هَذِهِ هُنَا ، وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْهُ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ عِنْدَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا . وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رَجَاءَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فَقَالَ : سِتَّةَ عَشَرَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْأَحْوَصَ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَشَرِيكٍ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ - بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ مُصَغَّرًا - كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، وَكَذَا لِأَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَلِلْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سَبْعَةَ عَشَرَ وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ سَهْلٌ بِأَنْ يَكُونَ مَنْ جَزَمَ بِسِتَّةَ عَشَرَ لَفَّقَ مِنْ شَهْرِ الْقُدُومِ وَشَهْرِ التَّحْوِيلِ شَهْرًا وَأَلْغَى الزَّائِدَ ، وَمَنْ جَزَمَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ عَدَّهُمَا مَعًا ، وَمَنْ شَكَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ ، وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي نِصْفِ شَهْرِ رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ جَزَمَ الْجُمْهُورُ ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْقُدُومَ كَانَ فِي ثَانِي عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَشَذَّتْ أَقْوَالٌ أُخْرَى . فَفِي ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَأَبُو بَكْرٍ سَيِّئُ الْحِفْظِ وَقَدِ اضْطَرَبَ فِيهِ ، فَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِهِ فِي رِوَايَةِ : سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ : سِتَّةَ عَشَرَ ، وَخَرَّجَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ فِي نِصْفِ شَعْبَانَ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَأَقَرَّهُ ، مَعَ كَوْنِهِ رَجَّحَ فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ رِوَايَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا لِكَوْنِهَا مَجْزُومًا بِهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ إِلَّا إِنِ أَلْغَى شَهْرَيِ الْقُدُومِ وَالتَّحْوِيلِ ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِأَنَّ التَّحْوِيلَ كَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ .

وَمِنَ الشُّذُوذِ أَيْضًا رِوَايَةُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَرِوَايَةُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ ، أَوْ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَرِوَايَةُ شَهْرَيْنِ ، وَرِوَايَةُ سَنَتَيْنِ ، وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الصَّوَابِ . وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، فَجُمْلَةٌ مَا حَكَاهُ تِسْعُ رِوَايَاتٍ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ ) بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ مَفْعُولُ صَلَّى ، وَالْعَصْرُ كَذَلِكَ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ ، وَأَعْرَبَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِالرَّفْعِ ، وَفِي الْكَلَامِ مُقَدَّرٌ لَمْ يُذْكَرْ لِوُضُوحِهِ ، أَيْ : أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكَعْبَةِ صَلَاةُ الْعَصْرِ .

وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ - عَلَى التَّرَدُّدِ - وَسَاقَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ : صَلَّيْنَا إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ . وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي بَنِي سَلِمَةَ لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ الظُّهْرُ ، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ الْعَصْرُ ، وَأَمَّا الصُّبْحُ فَهُوَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَهْلِ قُبَاءٍ ، وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ أَوْ رَجَبٍ أَوْ شَعْبَانَ ؟ أَقْوَالٌ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ قَيْظِيٍّ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ طَوِيلَةَ بِنْتِ أَسْلَمَ ، وَقِيلَ هُوَ عَبَّادُ بْنُ نَهِيكٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، وَأَهْلُ الْمَسْجِدِ الَّذِينَ مَرَّ بِهِمْ قِيلَ هُمْ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ، وَقِيلَ هُوَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ الَّذِي أَخْبَرَ أَهْلُ قُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ تَقْرِيرَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَوَائِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَوْلُهُ : ( أَشْهَدُ بِاللَّهِ ) أَيْ أَحْلِفُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : يُقَالُ أَشْهَدُ بِكَذَا ، أَيْ : أَحْلِفُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ مَكَّةَ ) أَيْ : قِبَلَ الْبَيْتِ الَّذِي فِي مَكَّةَ ، وَلِهَذَا قَالَ : فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ ، وَ مَا مَوْصُولَةٌ وَالْكَافُ لِلْمُبَادَرَةِ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ لِلْمُقَارَنَةِ ، وَهُمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ . قَوْلُهُ : ( قَدْ أَعْجَبَهُمْ ) أَيِ : النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

( وَأَهْلُ الْكِتَابِ ) هُوَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْيَهُودِ ، مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ . وَقِيلَ الْمُرَادُ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّصَارَى لَا يُصَلُّونَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَيْفَ يُعْجِبُهُمْ ؟ وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : كَانَ إِعْجَابُهُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْيَهُودِ . قُلْتُ : وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْيَهُودِ .

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى مَعَ ، أَيْ : يُصَلِّي مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَاخْتُلِفَ فِي صَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ ، فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَذْكُورَةِ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَصُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَحْضًا ، وَحَكَى الزُّهْرِيُّ خِلَافًا فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَوْ يَجْعَلُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ قُلْتُ : وَعَلَى الْأَوَّلِ فَكَانَ يَجْعَلُ الْمِيزَابَ خَلْفَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي كَانَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ . وَزَعَمَ نَاسٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ بِمَكَّةَ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ . وَحَمَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي .

وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِمَامَةُ جِبْرِيلَ ، فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ . قَوْلُهُ : ( أَنْكَرُوا ذَلِكَ ) يَعْنِي الْيَهُودُ ، فَنَزَلَتْ : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ الْآيَةَ . وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ .

قَوْلُهُ : ( قَالَ زُهَيْرٍ ) يَعْنِي ابْنَ مُعَاوِيَةَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِحَذْفِ أَدَاةِ الْعَطْفِ كَعَادَتِهِ ، وَوَهَمَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُعَلَّقٌ ، وَقَدْ سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ مَعَ جُمْلَةِ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ زُهَيْرٍ سِيَاقًا وَاحِدًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ ) أَيْ : قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ ( رِجَالٌ وَقُتِلُوا ) ذِكْرُ الْقَتْلِ لَمْ أَرَهُ إِلَّا فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا فِيهَا ذِكْرُ الْمَوْتِ فَقَطْ ، وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالَّذِينَ مَاتُوا بَعْدَ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَشَرَةُ أَنْفُسٍ ، فَبِمَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شِهَابٍ ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ الزُّهْرِيَّانِ ، وَالسَّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعَامِرِيُّ .

وَبِأَرْضِ الْحَبَشَةَ مِنْهُمْ : حَطَّابٌ - بِالْمُهْمَلَةِ - ابْنُ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ ، وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الْأَسَدِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ السَّهْمِيُّ ، وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ الْعَدَوِيَّانِ . وَمِنَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ : الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِمُهْمَلَاتٍ ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ . فَهَؤُلَاءِ الْعَشَرَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمْ .

وَمَاتَ فِي الْمُدَّةِ أَيْضًا إِيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ ; لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي إِسْلَامِهِ . وَلَمْ أَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قُتِلَ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُقُوعِ ، فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مَحْفُوظَةً فَتُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ ، وَلَمْ يُضْبَطِ اسْمُهُ لِقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالتَّارِيخِ إِذْ ذَاكَ . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْمَغَازِي ذِكْرَ رَجُلٍ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ وَهُوَ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَقِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ تَلْقَاهُ الْأَنْصَارُ فِي الْعَقَبَةِ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ حَسَنٌ .

وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقُتِلَ بِهَا فِي وَقْعَةِ بُعَاثٍ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِهْمَالِ الْعَيْنِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ - وَكَانَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ ، قَالَ : فَكَانَ قَوْمُهُ يَقُولُونَ : لَقَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادَ . وَذَكَرَ لِي بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَنْ قُتِلَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ كَأَبَوَيْ عَمَّارٍ . قُلْتُ : يَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ أَنَّ قَتْلَهُمَا بَعْدَ الْإِسْرَاءِ .

( تَنْبِيهٌ ) : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ : الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ تَسْمِيَةَ أَعْمَالِ الدِّينِ إِيمَانًا . وَفِيهِ أَنَّ تَمَنِّيَ تَغْيِيرِ بَعْضِ الْأَحْكَامِ جَائِزٌ إِذَا ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ بَيَانُ شَرَفِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَرَامَتِهِ عَلَى رَبِّهِ لِإِعْطَائِهِ لَهُ مَا أَحَبَّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالسُّؤَالِ .

وَفِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ فِي الصَّحَابَةِ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى دِينِهِمْ وَالشَّفَقَةِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ ، وَقَدْ وَقَعَ لَهُمْ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ كَمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا فَنَزَلَ : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا - إِلَى قَوْلِهِ : - وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا وَلِمُلَاحَظَةِ هَذَا الْمَعْنَى عَقَّبَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْبَابَ بِقَوْلِهِ : بَابُ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ فَذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا فَعَلَ الْحَسَنَةَ أُثِيبَ عَلَيْهَا .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث