5001 - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كُنَّا بِحِمْصَ ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ ، فَقَالَ رَجُلٌ : مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ ، فَقَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ فَقَالَ : أَتَجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ . الْحَدِيثُ الْثَالِثُ : قَوْلُهُ : ( كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ ) هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ عَلْقَمَةَ حَضَرَ الْقِصَّةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ يُوسُفَ الْقَاضِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِحِمْصَ وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : كُنْتُ بِحِمْصَ ، فَقَرَأْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عَلْقَمَةَ لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا نَقَلَهَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَفْظُهُ كُنْتُ جَالِسًا بِحِمْصَ وَعِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ وَرِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَكِنْ أَحَالَ بِهَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ : مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ الَّذِي تَقَدَّمَتْ لَهُ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْقُرْآنِ قِصَّةٌ غَيْرُ هَذِهِ ، لَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ صَرِيحًا . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَقَالَ لِيَ بَعْضُ الْقَوْمِ : اقْرَأْ عَلَيْنَا ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يُوسُفَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَإِنْ كَانَ السَّائِلُ هُوَ الْقَائِلُ وَإِلَّا فَفِيهِ مُبْهَمٌ آخَرُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ وَيْحَكَ ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَبَيْنَمَا أَنَا أُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ . قَوْلُهُ : ( فَضَرَبَهُ الْحَدَّ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ لَا تَبْرَحْ حَتَّى أَجْلِدَكَ ، قَالَ : فَجَلَدْتُهُ الْحَدَّ قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَتْ لَهُ وِلَايَةُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ نِيَابَةً عَنِ الْإِمَامِ ، إِمَّا عُمُومًا وَإِمَّا خُصُوصًا ، وَعَلَى أَنَّ الرَّجُلَ اعْتَرَفَ بِشُرْبِهَا بِلَا عُذْرٍ ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِمُجَرَّدِ رِيحِهَا . وَعَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ كَانَ بِإِنْكَارِ بَعْضِهِ جَاهِلًا ، إِذْ لَوْ كَذَّبَ بِهِ حَقِيقَةً لَكَفَرَ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنَ الْقُرْآنِ كَفَرَ اهـ ، وَالِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ جَيِّدٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ أَيْ رَفَعَهُ إِلَى الْأَمِيرِ فَضَرَبَهُ فَأَسْنَدَ الضَّرْبَ إِلَى نَفْسِهِ مَجَازًا لِكَوْنِهِ كَانَ سَبَبًا فِيهِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنَّمَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ ، أَوْ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ قَامَ عَنِ الْإِمَامِ بِوَاجِبٍ ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِ الْكُوفَةَ فَإِنَّهُ وَلِيَهَا فِي زَمَنِ عُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ انْتَهَى ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي مُوَجَّهٌ ، وَفِي الْأَخِيرِ غَفْلَةٌ عَمَّا فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِحِمْصَ ، وَلَمْ يَلِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنَّمَا دَخَلَهَا غَازِيًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ . وَأَمَّا الْجَوَابُ الثَّانِي عَنِ الرَّائِحَةِ فَيَرُدُّهُ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى وُجُوبَ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الرَّائِحَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِثْرَ هَذَا الْحَدِيثِ النَّقْلَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ جَلْدَهُ الرَّجُلَ بِالرَّائِحَةِ وَحْدَهَا إِذ لَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي الْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالرَّائِحَةِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ . قُلْتُ : وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ شَهِيرَةٌ ، وَلِلْمَانِعِ أَنْ يَقُولَ : إِذَا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ ، وَلَمَّا حَكَى الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَةِ اخْتَارَ أَنْ لَا يُحَدَّ بِالرَّائِحَةِ وَحْدَهَا بَلْ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ قَرِينَةٍ كَأَنْ يُوجَدَ سَكْرَانَ أَوْ يَتَقَيَّأَهَا ، وَنَحْوُهُ أَنْ يُوجَدَ جَمَاعَةٌ شُهِرُوا بِالْفِسْقِ وَيُوجَدُ مَعَهُمْ خَمْرٌ وَيُوجَدُ مِنْ أَحَدِهِمْ رَائِحَةُ الْخَمْرِ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَةِ مَنْ يَكُونُ مَشْهُورًا بِإِدْمَانِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَقِيلَ بِنَحْوِ هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَنْ شَكَّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ أَوْ لَا فَإِنْ قَارَنَ ذَلِكَ وُجُودَ رَائِحَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ الْحَدَثِ فَيَتَوَضَّأُ ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ ، وَيُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ تَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ الشَّكِّ عَلَى مَا إِذَا تَجَرَّدَ الظَّنُّ عَنِ الْقَرِينَةِ ، وَسَيَكُونُ لَنَا عَوْدَةٌ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ فَجَيِّدٌ أَيْضًا ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَرَى بِمُؤَاخَذَةِ السَّكْرَانِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنَ الْكَلَامِ فِي حَالِ سُكْرِهِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ كَذَّبَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَلَمْ يُكَذِّبْ بِالْقُرْآنِ ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ أَثْبَتَ إِنْزَالَهَا وَنَفَى الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي أَوْرَدَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَقَالَ الرَّجُلُ ذَلِكَ إِمَّا جَهْلًا مِنْهُ أَوْ قِلَّةَ حِفْظٍ أَوْ عَدَمَ تَثَبُّتٍ بَعَثَهُ عَلَيْهِ السُّكْرُ ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَحْثٍ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 666 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم · ص 25 22 - حدثني محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : كنا بحمص ، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف ، فقال رجل : ما هكذا أنزلت ، قال : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت ، ووجد منه ريح الخمر ، فقال : أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر ، فضربه الحد . مطابقته للترجمة تؤخد من قوله : قال قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسفيان هو ابن عيينة ، وإبراهيم هو النخعي ، وعلقمة ابن قيس النخعي . قوله : بحمص وهي بلدة مشهورة من بلاد الشام ، غير منصرف على الأصح ، وظاهر الحديث أن علقمة حضر القصة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي ، عن أبي خليفة ، عن محمد بن كثير شيخ البخاري ، وفي رواية مسلم من طريق جرير ، عن الأعمش ، ولفظه : عن عبد الله بن مسعود قال : كنت بحمص فقرأت ، فذكر الحديث ، وهذا يقتضي أن علقمة لم يحضر القصة وإنما نقلها عن ابن مسعود ، قوله : فقال رجل قيل إنه نهيك بن سنان الذي تقدمت له القصة في القرآن غير هذه ، قوله : قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية مسلم : فقلت : ويحك ، والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : ووجد منه أي من الرجل المذكور ، وفي رواية مسلم : فبينا أنا أكلمه إذ وجدت منه ريح الخمر ، قوله : فضربه الحد أي : فضربه ابن مسعود حد شرب الخمر ، وقال النووي : هذا محمول على أنه كانت له ولاية إقامة الحدود لكونه نائبا للإمام عموما أو خصوصا ، وعلى أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر وإلا فلا يحد بمجرد ريحها ، وعلى أن التكذيب كان بإنكار بعضه جاهلا إذ لو أنكر حقيقة لكفر ، وقد أجمعوا على أن من جحد حرفا مجمعا عليه من القرآن فهو كافر ، وقيل : يحتمل أن يكون معنى قوله : فضربه الحد أي : رفعه إلى الإمام فضربه ، وأسند الضرب إلى نفسه مجازا لكونه كان سببا فيه ، وقال القرطبي : إنما أقام عليه الحد ؛ لأنه جعل له ذلك من الولاية ، أو لأنه رأى أنه أقام عن الإمام بواجب ، أو لأنه كان في زمان ولايته الكوفة فإنه وليها في زمان عمر رضي الله عنه وصدرا من خلافة عثمان رضي الله عنه انتهى . قوله : أو لأنه كان في زمان ولايته الكوفة مردود وذهول عما كان في أول الخبر أن ذلك كان بحمص ولم يلها ابن مسعود ، وإنما دخلها غازيا ، وكان ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه ، وقول النووي على أن الرجل اعترف بشربها بلا عذر ، وإلا فلا يحد بمجرد ريحها ، فيه نظر ؛ لأن المنقول عن ابن مسعود أنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة . وقال القرطبي : في الحديث حجة على من يمنع وجوب الحد بالرائحة كالحنفية ، وقد قال به مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز ، قلت : لا حجة عليهم فيه ؛ لأن ابن مسعود ما حد الرجل إلا باعترافه ؛ ولأن نفس الريح ليس بقطعي الدلالة على شرب الخمر لاحتمال الاشتباه ، ألا يرى أن رائحة السفرجل المأكول يشبه رائحة الخمر ، فلا يثبت إلا بشهادة أو باعتراف .