5003 - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ : سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ : أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَبُو زَيْدٍ . تَابَعَهُ الْفَضْلُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ حَدِيثُ أَنَسٍ ، ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ : مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ افْتَخَرَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ ، فَقَالَ الْأَوْسُ : مِنَّا أَرْبَعَةٌ : مَنِ اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَمَنْ عَدَلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَمَنْ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ ، وَمَنْ حَمَتْهُ الدَّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ . فَقَالَ الْخَزْرَجُ : مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ . فَذَكَرَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو زَيْدٍ ) تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ قُلْتُ لِأَنَسٍ : مَنْ أَبُو زَيْدٍ ؟ قَالَ : أَحَدُ عُمُومَتِي وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ أَبِي زَيْدٍ هُنَاكَ وَجَوَّزْتُ هُنَاكَ أَنْ لَا يَكُونَ لِقَوْلِ أَنَسٍ أَرْبَعَةٌ مَفْهُومٌ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ سَعِيدٍ الَّتِي ذَكَرْتُهَا الْآنَ مِنْ عِنْدِ الطَّبَرِيِّ صَرِيحَةٌ فِي الْحَصْرِ ، وَسَعِيدٌ ثَبْتٌ فِي قَتَادَةَ . وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَ أَنَسٍ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أَيْ مِنَ الْأَوْسِ بِقَرِينَةِ الْمُفَاخَرَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ ذَلِكَ عَنِ الْمُهَاجِرِينَ ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْخَزْرَجِ ، وَلَمْ يُفْصِحْ بِاسْمِ قَائِلِ ذَلِكَ ، لَكِنْ لَمَّا أَوْرَدَهُ أَنَسٌ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ كَانَ كَأَنَّهُ قَائِلٌ بِهِ وَلَا سِيَّمَا وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ . وَقَدْ أَجَابَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُمْ جَمَعَهُ . ثَانِيهَا : الْمُرَادُ لَمْ يَجْمَعْهُ عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالْقِرَاءَاتِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا إِلَّا أُولَئِكَ . ثَالِثُهَا : لَمْ يَجْمَعْ مَا نُسِخَ مِنْهُ بَعْدَ تِلَاوَتِهِ وَمَا لَمْ يُنْسَخْ إِلَّا أُولَئِكَ ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الثَّانِي . رَابِعُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِجَمْعِهِ تَلَقِّيهِ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا بِوَاسِطَةٍ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَلَقَّى بَعْضَهُ بِالْوَاسِطَةِ . خَامِسُهَا : أَنَّهُمْ تَصَدَّوْا لِإِلْقَائِهِ وَتَعْلِيمِهِ فَاشْتُهِرُوا بِهِ ، وَخَفِيَ حَالُ غَيْرِهِمْ عَمَّنْ عُرِفَ حَالُهُمْ فَحَصَرَ ذَلِكَ فِيهِمْ بِحَسَبِ عِلْمِهِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ ، أَوْ يَكُونُ السَّبَبُ فِي خَفَائِهِمْ أَنَّهُمْ خَافُوا غَائِلَةَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ ، وَأَمِنَ ذَلِكَ مَنْ أَظْهَرَهُ . سَادِسُهَا : الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ الْكِتَابَةُ ، فَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ جَمَعَهُ حِفْظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَجَمَعُوهُ كِتَابَةً وَحَفِظُوهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ . سَابِعُهَا : الْمُرَادُ أَنَّ أَحَدًا لَمْ يُفْصِحْ بِأَنَّهُ جَمَعَهُ بِمَعْنَى أَكْمَلَ حِفْظَهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أُولَئِكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يُفْصِحْ بِذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُكْمِلْهُ إِلَّا عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَزَلَتْ آخِرُ آيَةٍ مِنْهُ ، فَلَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ وَمَا أَشْبَهَهَا مَا حَضَرَهَا إِلَّا أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةَ مِمَّنْ جَمَعَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ قَبْلَهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَضَرَهَا مَنْ لَمْ يَجْمَعْ غَيْرَهَا الْجَمْعَ الْبَيِّنَ . ثَامِنُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِجَمْعِهِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لَهُ وَالْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ : إِنَّ ابْنِي جَمَعَ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ غَفْرًا ، إِنَّمَا جَمَعَ الْقُرْآنَ مَنْ سَمِعَ لَهُ وَأَطَاعَ وَفِي غَالِبِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ تَكَلُّفٌ وَلَا سِيَّمَا الْأَخِيرُ وَقَدْ أَوْمَأْتُ قَبْلَ هَذَا إِلَى احْتِمَالٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ إِثْبَاتُ ذَلِكَ لِلْخَزْرَجِ دُونَ الْأَوْسِ فَقَطْ ، فَلَا يَنْفِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ الْقَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِمْ أَنَسٌ لِتَعَلُّقِ غَرَضِهِ بِهِمْ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ . وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَبْعَثِ أَنَّهُ بَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَكَانَ يَقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ نَزَلَ مِنْهُ إِذْ ذَاكَ ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُرْتَابُ فِيهِ مَعَ شِدَّةِ حِرْصِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى تَلَقِّي الْقُرْآنِ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَرَاغِ بَالِهِ لَهُ وَهُمَا بِمَكَّةَ وَكَثْرَةِ مُلَازَمَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْهِجْرَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهِمْ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً . وَقَدْ صَحَّحَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَكَانِهِ لَمَّا مَرِضَ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَقْرَأَهُمْ ، وَتَقَدَّمَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى تَرْتِيبِ النُّزُولِ عَقِبَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فَقَرَأْتُ بِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : اقْرَأْهُ فِي شَهْرٍ الْحَدِيثَ ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي مَضَى ذِكْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقُرَّاءَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَدَّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ وَطَلْحَةَ ، وَسَعْدًا ، وَابْنَ مَسْعُودٍ ، وَحُذَيْفَةَ ، وَسَالِمًا ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ السَّائِبِ وَالْعَبَادِلَةَ ، وَمِنَ النِّسَاءِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ، وَلَكِنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا أَكْمَلَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا يَرُدُّ عَلَى الْحَصْرِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَعَدَّ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا تَمِيمَ بْنَ أَوْسٍ الدَّارِيَّ ، وَعُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ وَمِنَ الْأَنْصَارِ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَمُعَاذًا الَّذِي يُكَنَّى أَبَا حَلِيمَةَ ، وَمُجْمِّعَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَفَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ ، وَمَسْلَمَةَ بْنَ مَخْلَدٍ وَغَيْرَهُمْ ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ إِنَّمَا جَمَعَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِمَّنْ جَمَعَهُ أَيْضًا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ذَكَرَهُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ ، وَعَدَّ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْقُرَّاءِ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَسَعْدَ بْنَ عَبَّادٍ وَأُمَّ وَرَقَةَ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى بِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، وَثُمَامَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَخَالَفَ رِوَايَةَ قَتَادَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : التَّصْرِيحُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فِي الْأَرْبَعَةِ . ثَانِيهِمَا : ذِكْرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ بَدَلَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ . فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ ، وَقَدِ اسْتَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . قَالَ الْمَازَرِيُّ : لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ أَنَسٍ لَمْ يَجْمَعْهُ غَيْرُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ أَنه لَا يَعْلَمُ أَنَّ سِوَاهُمْ جَمَعَهُ ، وَإِلَّا فَكَيْفَ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ الصَّحَابَةِ وَتَفَرُّقِهِمْ فِي الْبِلَادِ ، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا إِنْ كَانَ لَقِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ وَأَخْبَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ جَمْعُ الْقُرْآنِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فِي الْعَادَةِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَرْجِعُ إِلَى مَا فِي عِلْمِهِ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ كَذَلِكَ . قَالَ : وَقَدْ تَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَنَسٍ هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لَهُمْ فِيهِ ، فَإِنَّا لَا نُسَلِّمُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ . سَلَّمْنَاهُ ، وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَهُمْ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنَاهُ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمِّ الْغَفِيرِ لَمْ يَحْفَظْهُ كُلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ حَفِظَ مَجْمُوعَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّوَاتُرِ أَنْ يَحْفَظَ كُلُّ فَرْدٍ جَمِيعَهُ ، بَلْ إِذَا حَفِظَ الْكُلُّ الْكُلَّ وَلَوْ عَلَى التَّوْزِيعِ كَفَى ، وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ ، وَقُتِلَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِئْرِ مَعُونَةَ مِثْلُ هَذَا الْعَدَدِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا خَصَّ أَنَسٌ الْأَرْبَعَةَ بِالذِّكْرِ لِشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا فِي ذِهْنِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ . وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِنَ الْمُخَالَفَةِ فَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : هَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ، وَلَا يَجُوزَانِ فِي الصَّحِيحِ مَعَ تَبَايُنِهِمَا ، بَلَى الصَّحِيحُ أَحَدُهُمَا . وَجَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ ذِكْرَ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَا أَرَى ذِكْرَ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَحْفُوظًا . قُلْتُ : وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ ، فَطَرِيقُ قَتَادَةَ عَلَى شَرْطِهِ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا ثُمَامَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَطَرِيقُ ثَابِتٍ أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِ وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهَا أَيْضًا ثُمَامَةُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، لَكِنَّ مَخْرَجَ الرِّوَايَةِ عَنْ ثَابِتٍ ، وَثُمَامَةُ بِمُوَافَقَتِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى وَفِيهِ مَقَالٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مَقْبُولًا لَكِنْ لَا تُعَادِلُ رِوَايَتُهُ رِوَايَةَ قَتَادَةَ ، وَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ قَتَادَةَ حَدِيثُ عُمَرَ فِي ذِكْرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ خَاتِمَةُ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَى ذَلِكَ لِتَصْرِيحِ عُمَرَ بِتَرْجِيحِهِ في الْقِرَاءَةِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي وَقْتَيْنِ فَذَكَرَهُ مَرَّةً أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمَرَّةً بَدَّلَهُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ مَعَ إِرْسَالِهِ ، وَهُوَ شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي ذِكْرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الْعَدَدِ وَالْمَعْدُودِ ، وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سِتَّةٌ مِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ ، وَمُعَاذٌ ، وَأَبُو زَيْدٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ هُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَعَ إِرْسَالِهِ . فَلِلَّهِ دَرُّ الْبُخَارِيِّ مَا أَكْثَرَ اطِّلَاعَهُ . وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُرْسَلَةِ قُوَّةُ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى وَأَنَّ لِرِوَايَتِهِ أَصْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَعَلَّ السَّامِعَ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةَ لَمْ يَجْمَعُوا وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ مِمَّنْ جَمَعَ فَقَالَ أَنَسٌ ذَلِكَ رَدًّا عَلَيْهِ ، وَأَتَى بِصِيغَةِ الْحَصْرِ ادِّعَاءً وَمُبَالَغَةً ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّفْيُ عَنْ غَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 668 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم · ص 26 24 - حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك رضي الله عنه : من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد رضي الله عنه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أربعة وهم القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وحفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي وهمام بن يحيى . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن سليمان بن معبد . قوله : أربعة أي : جمعه أربعة ، قوله : أبي بن كعب أي : أحدهم أبي بن كعب ، والثاني معاذ بن جبل ، والثالث زيد بن ثابت ، والرابع أبو زيد ، اسمه سعد بن عبيد الأوسي ، وقيل : قيس بن السكن الخزرجي ، وقيل : ثابت بن زيد الأشهلي تقدم في مناقب زيد بن ثابت ، وليس في ظاهر الحديث ما يدل على الحصر ؛ لأن جماعة من الصحابة غيرهم قد جمعوا على ما نبينه الآن ، وأنه لا مفهوم له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه ، فإن قلت : في رواية عن أنس : لم يجمع القرآن على عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة ، وكذا في رواية الطبري ، قلت : قد قلنا إنه لا مفهوم له ؛ لأنه عدد ، ولئن سلمنا فالجواب من وجوه : الأول : أريد به الجمع بجميع وجوهه ولغاته وحروفه وقراءاته التي أنزلها الله عز وجل وأذن للأمة فيها ، وخيرها في القراءة بما شاءت منها ، الثاني : أريد به الأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقينا وأخذا دون واسطة ، الثالث : أريد به أن هؤلاء الأربعة ظهروا به وانتصبوا لتلقينه وتعليمه ، الرابع : أريد به مرسوما في مصحف أو صحف ، الخامس : قاله أبو بكر بن العربي : أريد به أنه لم يجمع ما نسخ منه وزيد رسمه بعد تلاوته إلا هؤلاء الأربعة ، السادس : قال الماوردي : أريد به أنه لم يذكره أحد عن نفسه سوى هؤلاء ، السابع : أريد به أن من سواهم لم ينطق بإكماله خوفا من الرياء واحتياطا على النيات ، وهؤلاء الأربعة أظهروه لأنهم كانوا آمنين على أنفسهم أو لرأي اقتضى ذلك عندهم ، الثامن : أريد بالجمع الكتابة فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه ، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر القلب ، التاسع : أن قصارى الأمر أن أنسا قال : جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم أربعة ، قد يكون المراد أني لا أعلم سوى هؤلاء ، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين لكتاب الله تعالى ، العاشر : أن معنى قوله : جمع أي : سمع له وأطاع وعمل بموجبه ، كما روى أحمد في كتاب الزهد أن أبا الزاهرية أتى أبا الدرداء فقال : إن ابني جمع القرآن ، فقال : اللهم اغفر ، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع ، لكن يعكر على هذا أن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة كلهم كانوا سامعين مطيعين ، وأما الذين جمعوه غيرهم ، فالخلفاء الأربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكره أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني . وقال أبو عمر : جمعه أيضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعن محمد بن كعب القرظي : جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت وأبو أيوب خالد بن زيد ، ذكره ابن عساكر ، وعن الداني : جمعه أيضا أبو موسى الأشعري ، ومجمع بن جارية ، ذكره ابن إسحاق وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الأنصاري البدري ، ذكره أبو عبيد بن سلام في حديث مطول ، وذكر ابن حبيب في المحبر جماعة ممن جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم فيهم سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي ، وقال ابن الأثير : وممن جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم قيس بن السكن وأم ورقة بنت نوفل ، وقيل : بنت عبد الله بن الحارث ، وذكر ابن سعد أنها جمعت القرآن ، وذكر أبو عبيدة القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعد من المهاجرين الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة ، ومن النساء : عائشة وحفصة وأم سلمة ، وذكر ابن أبي داود من المهاجرين أيضا : تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر ، ومن الأنصار : معاذ الذي يكنى أبا حليمة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأت القرآن وأنا ابن عشر سنين ، وقد ظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم لا يحصيهم أحد ولا يضبطهم عدد ، وذكر القاضي أبو بكر : فإن قيل إذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ، قيل له : إنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلق غرض المتكلم بهم دون غيرهم أو يقول : إن هؤلاء فيهم دون غيرهم . فإن قلت : قد حاول بعض الملاحدة فيه بأن القرآن شرطه التواتر في كونه قرآنا ولا بد من خبر جماعة أحالت العادة تواطؤهم على الكذب ، قلت : ضابط التواتر العلم به وقد يحصل بقول هؤلاء الأربعة ، وأيضا ليس من شرطه أن ينقل جميعهم جميعه ، بل لو حفظ كل جزء منه عدد التواتر لصارت الجملة متواترا ، وقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم · ص 27 تابعه الفضل عن حسين بن واقد عن ثمامة عن أنس أي : تابع حفص بن عمر في روايته هذا الحديث الفضل بن موسى السيناني ، عن حسين بن واقد بالقاف ، عن ثمامة بضم الثاء المثلثة ابن عبد الله قاضي البصرة ، عن جده أنس بن مالك ، ووصل هذه المتابعة إسحاق بن راهويه في مسنده عن الفضل بن موسى فذكره .