باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا حفص بن عمر ، حدثنا همام ، حدثنا قتادة قال : سألت أنس بن مالك رضي الله عنه : من جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أربعة كلهم من الأنصار : أبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد رضي الله عنه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أربعة وهم القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وحفص بن عمر بن الحارث أبو عمر الحوضي وهمام بن يحيى . والحديث أخرجه مسلم في الفضائل عن سليمان بن معبد .
قوله : أربعة أي : جمعه أربعة ، قوله : أبي بن كعب أي : أحدهم أبي بن كعب ، والثاني معاذ بن جبل ، والثالث زيد بن ثابت ، والرابع أبو زيد ، اسمه سعد بن عبيد الأوسي ، وقيل : قيس بن السكن الخزرجي ، وقيل : ثابت بن زيد الأشهلي تقدم في مناقب زيد بن ثابت ، وليس في ظاهر الحديث ما يدل على الحصر ؛ لأن جماعة من الصحابة غيرهم قد جمعوا على ما نبينه الآن ، وأنه لا مفهوم له فلا يلزم أن لا يكون غيرهم جمعه ، فإن قلت : في رواية عن أنس : لم يجمع القرآن على عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة ، وكذا في رواية الطبري ، قلت : قد قلنا إنه لا مفهوم له ؛ لأنه عدد ، ولئن سلمنا فالجواب من وجوه : الأول : أريد به الجمع بجميع وجوهه ولغاته وحروفه وقراءاته التي أنزلها الله عز وجل وأذن للأمة فيها ، وخيرها في القراءة بما شاءت منها ، الثاني : أريد به الأخذ من في رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقينا وأخذا دون واسطة ، الثالث : أريد به أن هؤلاء الأربعة ظهروا به وانتصبوا لتلقينه وتعليمه ، الرابع : أريد به مرسوما في مصحف أو صحف ، الخامس : قاله أبو بكر بن العربي : أريد به أنه لم يجمع ما نسخ منه وزيد رسمه بعد تلاوته إلا هؤلاء الأربعة ، السادس : قال الماوردي : أريد به أنه لم يذكره أحد عن نفسه سوى هؤلاء ، السابع : أريد به أن من سواهم لم ينطق بإكماله خوفا من الرياء واحتياطا على النيات ، وهؤلاء الأربعة أظهروه لأنهم كانوا آمنين على أنفسهم أو لرأي اقتضى ذلك عندهم ، الثامن : أريد بالجمع الكتابة فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه ، وأما هؤلاء فجمعوه كتابة وحفظوه عن ظهر القلب ، التاسع : أن قصارى الأمر أن أنسا قال : جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم أربعة ، قد يكون المراد أني لا أعلم سوى هؤلاء ، ولا يلزمه أن يعلم كل الحافظين لكتاب الله تعالى ، العاشر : أن معنى قوله : جمع أي : سمع له وأطاع وعمل بموجبه ، كما روى أحمد في كتاب الزهد أن أبا الزاهرية أتى أبا الدرداء فقال : إن ابني جمع القرآن ، فقال : اللهم اغفر ، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع ، لكن يعكر على هذا أن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة كلهم كانوا سامعين مطيعين ، وأما الذين جمعوه غيرهم ، فالخلفاء الأربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكره أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني . وقال أبو عمر : جمعه أيضا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعن محمد بن كعب القرظي : جمع القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت وأبو أيوب خالد بن زيد ، ذكره ابن عساكر ، وعن الداني : جمعه أيضا أبو موسى الأشعري ، ومجمع بن جارية ، ذكره ابن إسحاق وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد الأنصاري البدري ، ذكره أبو عبيد بن سلام في حديث مطول ، وذكر ابن حبيب في المحبر جماعة ممن جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم فيهم سعد بن عبيد بن النعمان الأوسي ، وقال ابن الأثير : وممن جمع القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم قيس بن السكن وأم ورقة بنت نوفل ، وقيل : بنت عبد الله بن الحارث ، وذكر ابن سعد أنها جمعت القرآن ، وذكر أبو عبيدة القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعد من المهاجرين الأربعة وطلحة وسعدا وابن مسعود وحذيفة وسالما وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة ، ومن النساء : عائشة وحفصة وأم سلمة ، وذكر ابن أبي داود من المهاجرين أيضا : تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر ، ومن الأنصار : معاذ الذي يكنى أبا حليمة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد ، وعن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرأت القرآن وأنا ابن عشر سنين ، وقد ظهر من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم لا يحصيهم أحد ولا يضبطهم عدد ، وذكر القاضي أبو بكر : فإن قيل إذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ، قيل له : إنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلق غرض المتكلم بهم دون غيرهم أو يقول : إن هؤلاء فيهم دون غيرهم . فإن قلت : قد حاول بعض الملاحدة فيه بأن القرآن شرطه التواتر في كونه قرآنا ولا بد من خبر جماعة أحالت العادة تواطؤهم على الكذب ، قلت : ضابط التواتر العلم به وقد يحصل بقول هؤلاء الأربعة ، وأيضا ليس من شرطه أن ينقل جميعهم جميعه ، بل لو حفظ كل جزء منه عدد التواتر لصارت الجملة متواترا ، وقد حفظ جميع أجزائه مئون لا يحصون .