10 - بَاب فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ 5008 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ . . . 5009 حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْأَعْمَشُ ، وَلِشُعْبَةَ فِيهِ شَيْخٌ آخَرُ وَهُوَ مَنْصُورٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ ، وَجَمَعَ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَبُنْدَارٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ خَالِدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ غُنْدَرٍ ، أَمَّا الْأَوَّلَانِ فَقَالَا عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، وَأَمَّا بِشْرٌ فَقَالَ : عَنْهُ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ غُنْدَرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : وَلَقِيتُ أَبَا مَسْعُودٍ فَحَدَّثَنِي بِهِ وَسَيَأْتِي نَحْوُهُ لِلْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي بَابِ كَمْ يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَخْرَجَهُ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ سُورَةُ كَذَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَلْقَمَةَ جَمِيعُهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ، فَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَمَلَهُ عَنْ عَلْقَمَةَ أَيْضًا بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، كَمَا لَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبَا مَسْعُودٍ فَحَمَلَهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَلْقَمَةُ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ هَذَا هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْبَدْرِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُ حَالِهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنَ الْمَغَازِي ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسٍ بَدَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَكَذَا عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَصَوَّبَهُ الْأَصِيلِيُّ فَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ بَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : الصَّوَابُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وَهُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو . قُلْتُ : وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ فِيهِ : عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو . قَوْلُهُ : ( مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ ) كَذَا اقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ مِنَ الْمَتْنِ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ ، ثُمَّ حَوَّلَ السَّنَدَ إِلَى طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ وَأَكْمَلَ الْمَتْنَ فَقَالَ : مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِيهِ : مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَمْ يَقُلْ : آخِرِ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَحْوِيلِ السَّنَدِ لِيَسُوقَهُ عَلَى لَفْظِ مَنْصُورٍ . عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ بِلَفْظِ مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ اللَّفْظُ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ لَفْظُ مَنْصُورٍ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْأَعْمَشِ الَّذِي حَوَّلَهُ عَنْهُ مُغَايَرَةً فِي الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَآخِرِ الْآيَةِ الْأُولَى الْمَصِيرُ وَمِنْ ثَمَّ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَأَمَّا : مَا اكْتَسَبَتْ فَلَيْسَتْ رَأْسَ آيَةٍ بِاتِّفَاقِ الْعَادِّينَ . وَقَدْ أَخْرَجَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ فِي ثَوَابِ الْقُرْآنِ حَدِيثَ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ : مَنْ قَرَأَهُمَا بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ أَجْزَأَتَا : آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَمِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : آمَنَ الرَّسُولُ ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ . وَلِأَبِي عُبَيْدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ مُرْسَلِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ نَحْوَهُ وَزَادَ : فَاقْرَءُوهُمَا وَعَلِّمُوهُمَا أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ ، فَإِنَّهُمَا قُرْآنٌ وَصَلَاةٌ وَدُعَاءٌ . قَوْلُهُ : ( كَفَتَاهُ ) أَيْ أَجْزَأَتَا عَنْهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ بِالْقُرْآنِ ، وَقِيلَ : أَجْزَأَتَا عَنْهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَمْ خَارِجَهَا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَجْزَأَتَاهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِقَادِ لِمَا اشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ إِجْمَالًا ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : كَفَتَاهُ كُلَّ سُوءٍ ، وَقِيلَ : كَفَتَاهُ شَرَّ الشَّيْطَانِ ، وَقِيلَ : دَفَعَتَا عَنْهُ شَرَّ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مَا حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهِمَا مِنَ الثَّوَابِ عَنْ طَلَبِ شَيْءٍ آخَرَ ، وَكَأَنَّهُمَا اخْتُصَّتَا بِذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الصَّحَابَةِ بِجَمِيلِ انْقِيَادِهِمْ إِلَى اللَّهِ وَابْتِهَالِهِمْ وَرُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ وَمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى مَطْلُوبِهِمْ ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ ، عَنِ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كَفَتَاهُ عَنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ ، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ جَازِمًا بِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ مَا نَصُّهُ : قِيلَ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَقِيلَ : مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَقِيلَ : مِنَ الْآفَاتِ ، وَيُحْتَمَلُ مِنَ الْجَمِيعِ . هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ . وَكَأَنَّ سَبَبَ الْوَهْمِ أَنَّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ عَقِبَ هَذَا بَابُ فَضْلِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ فَلَعَلَّ النُّسْخَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْكَرْمَانِيِّ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظُ بَابٍ وَصُحِّفَتْ فَضْلٌ فَصَارَتْ وَقِيلَ ، وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ نَقْلًا ثُمَّ قَالَ : قُلْتُ : وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْأَوَّلَانِ انْتَهَى . وَعَلَى هَذَا فَأَقُولُ : يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَرَدَ صَرِيحًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَفَعَهُ مَنْ قَرَأَ خَاتِمَةَ الْبَقَرَةِ أَجْزَأَتْ عَنْهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ ، وَيُؤَيِّدُ الرَّابِعَ حَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَفَعَهُ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا وَأَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، لَا يُقْرَآنِ فِي دَارٍ فَيَقْرَبُهَا الشَّيْطَانُ ثَلَاثَ لَيَالٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ لَمَّا أَمْسَكَ الْجِنِّيَّ وَآيَةُ ذَلِكَ : لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ مِنْكُمْ خَاتِمَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَيَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْهَا بَيْتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ . أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ · ص 672 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ · ص 674 5010 وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ ، فَأَخَذْتُهُ ، فَقُلْتُ : لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . . فَقَصَّ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ : إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ، لم يَزَل مَعَكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ ، فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ، ذَاكَ شَيْطَانٌ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْوَكَالَةِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ هُوَ مِنَ التَّتْمِيمِ الْبَلِيغِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْهَمَ مَدْحَهُ بِوَصْفِهِ الصِّدْقَ فِي قَوْلِهِ صَدَقَكَ اسْتَدْرَكَ نَفْيَ الصِّدْقِ عَنْهُ بِصِيغَةِ مُبَالَغَةٍ ، وَالْمَعْنَى صَدَقَكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَعَ أَنَّ عَادَتَهُ الْكَذِبُ الْمُسْتَمِرُّ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ قَدْ يَصْدُقُ الْكَذُوبَ ، وَقَوْلُهُ ذَاكَ شَيْطَانٌ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَكَالَةِ أَنَّهُ وَقَعَ هُنَا ذَاكَ الشَّيْطَانُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ أَوِ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ مِنَ الْوَارِدِ أَنَّ لِكُلِّ آدَمِيٍّ شَيْطَانًا وُكِّلَ بِهِ ، أَوِ اللَّامُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ : ذَاكَ شَيْطَانُكَ ، أَوِ الْمُرَادُ الشَّيْطَانُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَيْثُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ : وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَشَرَحَهُ الطِّيبِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ : هُوَ - أَيْ قَوْلُهُ : فَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ - مُطْلَقٌ شَائِعٌ فِي جِنْسِهِ ، وَالثَّانِي فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْجِنْسِ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا الْمَاضِي فِي الصَّلَاةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ شَيْطَانًا تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ وَتَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَنَعَ مِنْ إِمْسَاكِهِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَيْثُ قَالَ : وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ثُمَّ قَالَ : وَالشَّيَاطِينَ ، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَمْسَكَ الشَّيْطَانَ الَّذِي رَآهُ وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الَّذِي هَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُوثِقَهُ هُوَ رَأْسُ الشَّيَاطِينِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ التَّمَكُّنَ مِنْهُمْ فَيُضَاهِي حِينَئِذٍ مَا حَصَلَ لِسُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ تَسْخِيرِ الشَّيَاطِينِ فِيمَا يُرِيدُ وَالتَّوَثُّقِ مِنْهُمْ ، وَالْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ إِمَّا شَيْطَانُهُ بِخُصُوصِهِ أَوْ آخَرُ فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ اتِّبَاعُ غَيْرِهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ فِي ذَلِكَ التَّمَكُّنِ ، أَوِ الشَّيْطَانُ الَّذِي هَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَبْطِهِ تَبَدَّى لَهُ فِي صِفَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا ، وَكَذَلِكَ كَانُوا فِي خِدْمَةِ سُلَيْمَانَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى هَيْئَتِهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِي تَبَدَّى لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَكَانَ عَلَى هَيْئَةِ الْآدَمِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ فِي إِمْسَاكِهِ مُضَاهَاةً لِمُلْكِ سُلَيْمَانَ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل سورة البقرة · ص 30 باب فضل سورة البقرة أي : هذا باب في بيان فضل سورة البقرة ، وفي بعض النسخ فضل سورة البقرة بلا لفظ باب ، ومعنى سورة البقرة السورة التي تذكر فيها البقرة . 29 - حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من قرأ بالآيتين . 30 - ح وحدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : كفتاه ؛ لأن أحد معانيه كفتاه عن قيام الليل . وسليمان هو الأعمش ، وإبراهيم النخعي ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ، وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري ، وهذا رجال الطريق الأول ، ورجال الطريق الثاني : أبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، وسفيان بن عيينة ، ومنصور بن المعتمر ، وفي نسخة أبي محمد ، عن عبد الرحمن ، عن ابن مسعود ، والصواب أبو مسعود مكنى ؛ لأنه حديثه ومشهور به ، وعنه خرجه مسلم والناس . والحديث مضى في المغازي ، عن موسى بن إسماعيل . قوله : بالآيتين وهما من قوله : آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخر السورة ، ووجه تخصيصهما بما تضمنتا من الثناء على الله عز وجل وعلى الصحابة لجميل انقيادهم إلى الله تعالى وابتهالهم ورجوعهم إليه في جميع أمورهم ، ولما حصل فيهما من إجابة دعواهم . قوله : كفتاه أي : عن قيام الليل ، وقيل : ما يكون من الآفات تلك الليلة ، وقيل : من الشيطان وشره ، وقيل : كفتاه من حزبه إن كان له حزب من القرآن ، وقيل : حسبه بهما أجرا وفضلا ، وقيل : أقل ما يكفي في قيام الليل آيتان مع أم القرآن ، وقال المظهري : أي دفعتا عن قارئهما شر الإنس والجن ، وقال الكرماني : قال النووي : كفتاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسي ، انتهى ، لم يقل النووي ذلك ، وكان سبب وهمه أنه عند النووي عقيب هذا باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي ، فلعل النسخة التي كانت له سقط منها شيء فصحف عليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل سورة البقرة · ص 30 وقال عثمان بن الهيثم : حدثنا عوف ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقص الحديث فقال : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ، لن يزال معك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدقك وهو كذوب ، ذاك شيطان . مطابقته للترجمة ظاهرة . وعثمان بن الهيثم بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة ، فالبخاري تارة يروي عنه بالواسطة وأخرى بدونها ، وكأنه أخذ عنه مذاكرة ، ورواه النسائي عن إبراهيم بن يعقوب ، حدثنا عثمان بن الهيثم به ، وعوف هو الأعرابي . والحديث مضى مطولا في كتاب الوكالة في باب إذا وكل رجل رجلا فترك الوكيل شيئا ، وذكره هنا بهذا الإسناد بعينه فقال : وقال عثمان بن الهيثم ، إلى آخره ، وذكرنا هناك جميع ما يحتاج إليه . قوله : زكاة رمضان هو الفطرة ، قوله : فقص الحديث هو قوله : فقال إني محتاج وعلى عيال ولي حاجة شديدة ، قال : فخليت عنه فأصبحت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة ، قال : قلت : شكى حاجة شديدة يا رسول الله وعيالا فرحمته فخليت سبيله ، قال : أما إنه قد كذب وسيعود ، فعاد إلى ثلاث مرات ، وقال في الثالثة : إذا أويت من الثلاثي بدون المد ، قوله : لن يزال ويروى لم يزل ، قوله : حافظا بالنصب والرفع ، أما النصب فعلى أنه خبر لن يزال ، وأما الرفع فعلى أنه اسمه ، قوله : صدقك أي : في نفع قراءة آية الكرسي ؛ لكن شأنه وعادته الكذب ، والكذوب قد يصدق ، قوله : ذاك شيطان ووقع في كتاب الوكالة : ذاك الشيطان بالألف واللام إما للجنس وإما للعهد الذهني ؛ لأن لكل آدمي شيطانا وكل به ، ويجوز أن يكون عوضا عن المضاف إليه ، أي : ذاك شيطانك .