5015 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ، وَالضَّحَّاكُ الْمَشْرِقِيُّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ ؟ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَقَالُوا : أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ . قَالَ الْفَرَبْرِيُّ . سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ . قَوْلُهُ : ( إِبْرَاهِيمُ ) هُوَ النَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ الْمِشْرَقِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ نِسْبَةً إِلَى مِشْرَقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمِ بْنِ حَاشِدٍ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ ، قَيَّدَهُ الْعَسْكَرِيُّ وَقَالَ : مَنْ فَتَحَ الْمِيمَ فَقَدْ صَحَّفَ ، كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مَشْرِقٌ مَوْضِعٌ ، وَقَدْ ضَبَطَهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَابْنَ مَاكُولَا وَتَبِعَهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي مَوْضِعٍ ، ثُمَّ غَفَلَ فَذَكَرَهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ كَمَا قَالَ الْعَسْكَرِيُّ لَكِنْ جَعَلَ قَافَهُ فَاءً ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فَأَصَابَ . وَالضَّحَّاكُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ شَرَاحِيلَ وَيُقَالُ : شُرَاحْبِيلَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ يَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَدَبِ قَرَنَهُ فِيهِ بِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَحَكَى الْبَزَّارُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ ) لَعَلَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانَ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِهَذَا . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ ثُلُثُ الْقُرْآنِ ) عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : يَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَهِيَ ثُلُثُ الْقُرْآنِ فَكَأَنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ بِالْمَعْنَى . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ نَظِيرَ ذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمَّى السُّورَةَ بِهَذَا الِاسْمِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصِّفَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ بِغَيْرِ قُلْ فِي أَوَّلِهَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْفَرَبْرِيُّ . سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَاتِمٍ وَرَّاقَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : عَنْ إِبْرَاهِيمَ مُرْسَلٌ ، وَعَنِ الضَّحَّاكِ الْمِشْرَقِيِّ مُسْنَدٌ ) ثَبَتَ هَذَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ عَنْ شُيُوخِهِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ رِوَايَةَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مُنْقَطِعَةٌ وَرِوَايَةُ الضَّحَّاكِ عَنْهُ مُتَّصِلَةٌ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ هُوَ الْبُخَارِيُّ الْمُصَنِّفُ ، وَكَأَنَّ الْفَرَبْرِيَّ مَا سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ فَحَمَلَهُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْهُ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ كَانَ يُوَرِّقُ لِلْبُخَارِيِّ أَيْ يَنْسَخُ لَهُ وَكَانَ مِنَ الْمُلَازِمِينَ لَهُ وَالْعَارِفِينَ بِهِ وَالْمُكْثِرِينَ عَنْهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفَرَبْرِيُّ عَنْهُ فِي الْحَجِّ وَالْمَظَالِمِ وَالِاعْتِصَامِ وَغَيْرِهَا فَوَائِدَ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يُطْلِقُ عَلَى الْمُنْقَطِعِ لَفْظَ الْمُرْسَلِ وَعَلَى الْمُتَّصِلِ لَفْظَ الْمُسْنَدِ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْنَدُ مَا يُضِيفُهُ الصَّحَابِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ الِاتِّصَالُ ، وَهَذَا الثَّانِي لَا يُنَافِي مَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ . قَوْلُهُ : ( ثُلُثَ الْقُرْآنِ ) حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : هِيَ ثُلُثٌ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي الْقُرْآنِ ، لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَأَخْبَارٌ وَتَوْحِيدٌ وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هِيَ عَلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَكَانَتْ ثُلُثًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : جَزء النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ : فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ ، لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ ، وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمَامِ الْمَعْرِفَةِ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الْفِعْلِ ثُلُثًا اهـ . وَقَالَ غَيْرُهُ : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَوْجِيهَ الِاعْتِقَادِ وَصِدْقَ الْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلَّهِ مِنَ الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الشَّرِكَةِ ، وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ، وَنَفْيَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الْمُقَرِّرَ لِكَمَالِ الْمَعْنَى ، وَنَفْيَ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنَ لِنَفْيِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ ، وَهَذِهِ مَجْمَعُ التَّوْحِيدِ الِاعْتِقَادِيِّ ، وَلِذَلِكَ عَادَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ ، وَالْخَبَرُ خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ ، فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ الْخَبَرَ عَنِ اللَّهِ ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا مِنَ الشِّرْكِ الِاعْتِقَادِيِّ . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ : مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَقِيلَ : مِثْلُهُ بِغَيْرِ تَضْعِيفٍ ، وَهِيَ دَعْوَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَيُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْأَخِيرِ وَقَالَ فِيهِ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْشُدُوا ، فَسَأَقْرَأُ عَلَيْكُمْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . فَخَرَجَ فَقَرَأَ : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَلِأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ، وَإِذَا حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَهَلْ ذَلِكَ لِثُلُثٍ مِنَ الْقُرْآنِ مُعَيَّنٍ أَوْ لِأَيِ ثُلُثٍ فُرِضَ مِنْهُ ؟ فِيهِ نَظَرٌ ، وَيَلْزَمُ عَلَى الثَّانِي أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثًا كَانَ كَمَنْ قَرَأَ خَتْمَةً كَامِلَةً . وَقِيلَ : الْمُرَادُ مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ يَخْتَصُّ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهَا فِي لَيْلَتِهِ كَانَ كَمَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ تَرْدِيدٍ ، قَالَ الْقَابِسِيُّ : وَلَعَلَّ الرَّجُلَ الَّذِي جَرَى لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ غَيْرَهَا فَلِذَلِكَ اسْتَقَلَّ عَمَلَهُ ، فَقَالَ لَهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ وَإِنْ قَلَّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ . وَفِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ ، وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ ، وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ ، وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ . وَفِيهِ إِلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ لِلْفَهْمِ ، لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ إِطْلَاقِ ثُلُثِ الْقُرْآنِ أَنَّ الْمُرَادَ ثُلُثُ حَجْمِهِ الْمَكْتُوبِ مَثَلًا ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ : إِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ ، وَالْكَافِرُونَ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو الشَّيْخِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ الْكَافِرُونَ وَالنَّصْرَ تَعْدِلُ كُلٌّ مِنْهُمَا رُبْعَ الْقُرْآنِ . وَإِذَا زُلْزِلَتْ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ . زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو الشَّيْخِ : وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ . وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ سَلَمَةَ وَإِنْ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، فَلَعَلَّهُ تَسَاهَلَ فِيهِ لِكَوْنِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ، وَكَذَا صَحَّحَ الْحَاكِمُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي سَنَدِهِ يَمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ · ص 677 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل قل هو الله أحد · ص 34 34 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ،حدثنا الأعمش ، حدثنا إبراهيم والضحاك المشرقي ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة ، فشق ذلك عليهم وقالوا : أينا يطيق ذلك يا رسول الله ، فقال : الله الواحد الصمد ثلث القرآن . مطابقته للترجمة في قوله : الله الواحد الصمد ثلث القرآن وعمر بن حفص يروي عن أبيه حفص بن غياث ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم النخعي ، وعن الضحاك بن شراحيل ، ويقال : ابن شرحبيل ، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر يأتي في كتاب الأدب ، وحكى البزار أن بعضهم زعم أنه الضحاك بن مزاحم وهو غلط . قوله المشرقي بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الراء نسبة إلى مشرق بن زيد بن جشم بن حاشد بطن من همدان ، وهكذا ضبطه العسكري ، وقال : من فتح الميم فقد صحف فكأنه يشير إلى ابن أبي حاتم فإنه قال : مشرق موضع باليمن وضبطه بفتح الميم ، وكسر الراء الدارقطني وابن ماكولا وتبعهما السمعاني في موضع ثم ذهل فذكره بكسر الميم كما قال العسكري ؛ لكن جعل قافه فاء ، ورد عليه ابن الأثير فأصاب فيه ، قوله : أيعجز الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، ويعجز بكسر الجيم ؛ لأنه من باب ضرب يضرب ، وأما عجزت المرأة تعجز من باب نصر ينصر فمعناه صارت عجوزا بفتح العين ، وعجوز بالضم مصدر عجزت المرأة ، وأما عجزت المرأة بكسر الجيم تعجز من باب علم يعلم عجزا بفتحتين وعجزا بضم العين وسكون الجيم ، فمعناه عظمت عجيزتها ، قوله : الله الواحد الصمد كناية عن قل هو الله أحد ، فيها ذكر الإلهية والوحدة والصمدية ، وفي رواية الإسماعيلي من رواية أبي خالد الأحمر ، عن الأعمش فقال : يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فهي ثلث القرآن .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل قل هو الله أحد · ص 34 قال الفربري : سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق أبي عبد الله يقول : قال أبو عبد الله عن إبراهيم مرسل ، وعن الضحاك المشرقي مسند . هذا ثبت عند أبي ذر عن شيوخه ، والفربري هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر ، ونسبته إلى فربر قرية بينها وبين بخارى ثلاث مراحل ، وقال : سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل فما بقي أحد يرويه غيري ، مات سنة عشرين وثلاثمائة ، وأبو جعفر محمد بن أبي حاتم كان يورق للبخاري أي : ينسخ له ، وكان من الملازمين له العارفين به المكثرين عنه ، قوله : وراق أبي عبد الله هو البخاري ، وكذلك قوله : قال أبو عبد الله هو البخاري ، قوله : عن إبراهيم النخعي ، عن أبي سعيد مرسل وهذا منقطع في اصطلاح القوم ؛ ولكن البخاري أطلق على المنقطع لفظ المرسل ، قوله : وعن الضحاك أي : الذي يرويه عن ابن سعيد مسند ، يعني متصل .