26 - بَاب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ : نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ 5037 - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : يَرْحَمُهُ اللَّهُ ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ : أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا . تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ عَنْ هِشَامٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ ، وَهَلْ يَقُولُ نَسِيَتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا ) ؟ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَوْلِ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ لِلزَّجْرِ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ ، بَلْ لِلزَّجْرِ عَنْ تَعَاطِي أَسْبَابِ النِّسْيَانِ الْمُقْتَضِيَةِ لِقَوْلِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ عَلَى حَالَتَيْنِ : فَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دِينِيٍّ كَالْجِهَادِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ إِهْمَالٍ دِينِيٍّ ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسْبَةِ النِّسْيَانِ إِلَى نَفْسِهِ . وَمَنْ نَشَأَ نِسْيَانُهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ - وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مَحْظُورًا - امْتَنَعَ عَلَيْهِ لِتَعَاطِيهِ أَسْبَابَ النِّسْيَانِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ هُوَ مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى اخْتِيَارِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ لَا فِي قَوْلِهِ : فَلا تَنْسَى نَافِيَةٌ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَنْسَى مَا أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ لَا نَاهِيَةٌ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِشْبَاعُ فِي السِّينِ لِتَنَاسُبِ رُءُوسِ الْآيِ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ . وَاخْتُلِفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ الْفَرَّاءُ : هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ اسْتُثْنِيَ ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ : إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ أَيْ قَضَى أَنْ تُرْفَعَ تِلَاوَتُهُ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْسِيَكَهُ لِتَسُنَّ ، وَقِيلَ : لِمَا جُبِلْتَ عَلَيْهِ مِنَ الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ لَكِنْ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى : فَلَا تَنْسَى أَيْ لَا تَتْرُكِ الْعَمَلَ بِهِ إِلَّا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْسَخَهُ فَتَتْرُكَ الْعَمَلَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا ) أَيْ صَوْتَ رَجُلٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَأَغْرَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ إِحْدَى وَعِشْرُونَ آيَةً ، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَكُونُ مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ . قَالَ : فَإِنْ قَالَ لَهُ : عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمًا كَانَ مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ . قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ ( حَدَّثَنَا عِيسَى ) هُوَ ابْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ : أَسْقَطْتُهُنَّ ) يَعْنِي عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَتْنِ الْمَذْكُورِ ، وَزَادَ فِيهِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ : أَسْقَطْتُهُنَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، وَعَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ عَبْدَةَ وَهُوَ غَلَطٌ ، فَإِنَّ عَبْدَةَ رَفِيقُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ لَا شَيْخُهُ . وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا بِلَفْظِ أَسْقَطْتُهَا وَأَخْرَجَ طَرِيقَ عَبْدَةَ وَهُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ فِي الدَّعَوَاتِ وَلَفْظُهُ مِثْلُ لَفْظِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ سَوَاءً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب نِسْيَانِ الْقُرْآنِ وَهَلْ يَقُولُ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا · ص 703 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا · ص 50 باب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا أي : هذا باب في بيان نسيان القرآن بسبب تعاطي أسبابه المقتضية لذلك ، قوله : وهل يقول إلى آخره ، صورة الاستفهام الإنكاري ؛ لكن ليس الإنكار عن الإتيان بقوله نسيت آية كذا وكذا على ما يجيء الآن ؛ ولكن الإنكار على ارتكاب أسبابه الداعية إلى ذلك . وقول الله تعالى : سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله وقول الله عطف على قوله : نسيان القرآن أي : وفي قول الله عز وجل سَنُقْرِئُكَ من الإقراء ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجل بالقراءة إذا لقيه جبريل عليه الصلاة والسلام ، فقيل : لا تعجل ؛ لأن جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه فلا تنساه ، إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لم يذكر بعد النسيان ، وكلمة لا للنفي ، وكان البخاري صار إليه ، وأن الله أقرأه إياه وأخبره أنه لا ينساه ، وقيل : لا للنهي ، وزيدت الألف للفاصلة كقولك السبيلا ، يعني فلا تترك قراءته وتكريره فتنساه إلا ما شاء الله أن ينسيكه يرفع تلاوته للمصلحة ، وقال الفراء : الاستثناء للتبرك ، وليس هناك شيء استثني ، وعن الحسن وقتادة : إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ أي : قضى أن ترفع تلاوته ، وعن ابن عباس : إلا ما أراد الله أن ينسيكه لتنس ، وقيل : معناه لا تترك العمل به إلا ما أراد الله أن ينسخه فتترك العمل به ، والله أعلم . 57 - حدثنا ربيع بن يحيى ، حدثنا زائدة ، حدثنا هشام ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال : يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا . مطابقته للترجمة من حيث إن معناه أنه صلى الله عليه وسلم نسي كذا وكذا آية ثم تذكرها ، وقال ابن التين : وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان ينسى القرآن ثم يتذكره . وربيع ضد الخريف ابن يحيى أبو الفضل ، مر في باب من أحب العتاق في الكسوف ، وزائدة من الزيادة ابن قدامة بضم القاف وتخفيف الدال ، وهشام هو ابن عروة يروي عن أبيه ، عن عائشة . والحديث من أفراده . قوله : رجلا أي : صوت رجل ، قوله : أذكرني إلى آخره ، لم يبين فيه تعيين الآيات المذكورة ولا عددها . واستنبط بعضهم من هذا مسألة فقهية أنها كانت إحدى وعشرين آية ، وهي أن رجلا لو قال لفلان علي كذا وكذا درهما يلزمه أحد وعشرون درهما ؛ لأنه فصل بين كذا وكذا بحرف العطف ، وأقل ذلك من العدد المفسر أحد وعشرون ، حتى لو قال كذا كذا درهما بغير حرف العطف يلزمه أحد عشر درهما ؛ لأن أقل ذلك من العدد المفسر أحد عشر ؛ لأنه ذكر عددين مبهمين ، وعند الشافعي يلزمه درهم وله صور كثيرة موضعها الفروع . فإن قلت : كيف جاز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : الإنساء ليس باختياره ، وقال الجمهور : جاز النسيان عليه فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم بشرط أن لا يقرأ عليه بل لا بد أن يذكره ، وأما غيره فلا يجوز قبل التبليغ ، وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث فهو جائز بلا خلاف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا · ص 51 58 - حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون ، حدثنا عيسى ، عن هشام ، وقال : أسقطتهن من سورة كذا . أشار بذلك إلى أن هشاما زاد في هذه الرواية لفظ أسقطتهن من سورة كذا ، وأخرجه عن محمد بن عبيد بن ميمون ، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق . قوله : أسقطتهن أي : بالنسيان ، وقد تقدم في الشهادات بعين هذا الإسناد ، أعني عن محمد بن عبيد بن ميمون ، عن عيسى بن يونس ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال : رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا · ص 51 تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام أي : تابع محمد بن عبيد علي بن مسهر بضم الميم على صيغة اسم الفاعل من الإسهار ، قوله : وعبدة عطف عليه أي : وتابعه أيضا عبدة بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ابن سليمان ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين بعطف عبدة على سليمان ، ووقع لأبي ذر عن الكشميهني ، تابعه علي بن مسهر ، عن عبدة ، قيل هذا غلط فإن عبدة هنا رفيق علي بن مسهر لا شيخه ، وقد أخرج البخاري طريق علي بن مسهر في آخر الباب الذي يلي هذا بلفظ أسقطتها ، وأخرج طريق عبدة في الدعوات مثل لفظ علي بن مسهر سواء .