28 - بَاب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا وَقَوْلِهِ تعالى : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ فِيهَا ، يُفْرَقُ يُفَصَّلُ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَقْنَاهُ : فَصَّلْنَاهُ . 5043 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ ، فَقَالَ : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ ، إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا الْقِرَاءَةَ ، وَإِنِّي لَأَحْفَظُ الْقُرَنَاءَ الَّتِي كَانَ يَقْرَأُ بِهِنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنْ آلِ حم . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ ) أَيْ تَبْيِينُ حُرُوفِهَا وَالتَّأَنِّي فِي أَدَائِهَا لِيَكُونَ أَدْعَى إِلَى فَهْمِ مَعَانِيهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِهَا ، فَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ قَالَ : بَعْضَهُ إِثْرَ بَعْضٍ عَلَى تُؤَدَةٍ . وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ : بَيِّنْهُ بَيَانًا . وَالْأَمْرُ بِذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوُجُوبِ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ سَيَأْتِي تَوْجِيهُهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُكْرَهُ أَنْ يُهَذَّ كَهَذِّ الشِّعْرِ ) كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ اسْتِحْبَابَ التَّرْتِيلِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَرَاهَةَ الْإِسْرَاعِ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُكْرَهُ الْهَذُّ وَهُوَ الْإِسْرَاعُ الْمُفْرِطُ بِحَيْثُ يَخْفَى كَثِيرٌ مِنَ الْحُرُوفِ أَوْ لَا تَخْرُجُ مِنْ مَخَارِجِهَا . وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ إِنْكَارَ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى مَنْ يَهُذُّ الْقِرَاءَةَ كَهَذِّ الشِّعْرِ ، وَدَلِيلُ جَوَازِ الْإِسْرَاعِ مَا تَقَدَّمَ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ ، فَيَفْرُغُ مِنَ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ . قَوْلُهُ : ( فِيهَا يُفْرَقُ يُفَصَّلُ ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَرَقْنَاهُ : فَصَّلْنَاهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ ، وَعِنْدَ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَرَجُلٍ قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ ، قِيَامُهُمَا وَاحِدٌ رُكُوعُهُمَا وَاحِدٌ وَسُجُودُهُمَا وَاحِدٌ . فَقَالَ : الَّذِي قَرَأَ الْبَقَرَةَ فَقَطْ أَفْضَلُ . ثُمَّ تَلَا وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ ، وَإِنِّي لِأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثٍ فَقَالَ : لَأَنْ أَقْرَأَ الْبَقَرَةَ أُرَتِّلُهَا فَأَتَدَبَّرُهَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَقْرَأَ كَمَا تَقُولُ وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الْقِرَاءَةِ ، إِنِّي لأَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَأَنْ أَقْرَأَ سُورَةً أَحَبُّ إِلَيَّ . إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاقْرَأْ قِرَاءَةً تُسْمِعُهَا أُذُنَيْكَ وَيُوعِهَا قَلْبُكَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْإِسْرَاعِ وَالتَّرْتِيلِ جِهَةَ فَضْلٍ ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْرِعُ لَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسُّكُونِ الْوَاجِبَاتِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَفْضُلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَنْ يَسْتَوِيَا ، فَإِنَّ مَنْ رَتَّلَ وَتَأَمَّلَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِجَوْهَرَةٍ وَاحِدَةٍ مُثْمَنَةٍ ، وَمَنْ أَسْرَعَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِعِدَّةِ جَوَاهِرَ لَكِنْ قِيمَةَ الْوَاحِدَةِ ، وَقَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأُخْرَيَاتِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَكْسِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا وَاصِلٌ ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِمُهْمَلَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ ثَقِيلَةٍ الْأَحْدَبُ الْكُوفِيُّ ، وَوَقَعَ صَرِيحًا عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَزَعَمَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّهُ وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ ، وَغَلَّطُوهُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ بَصْرِيٌّ وَرِوَايَتُهُ عَنِ الْبَصْرِيِّينَ ، وَلَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنِ الْكُوفِيِّينَ وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخُ وَاصِلٍ هَذَا كُوفِيٌّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ) أَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( فَقَالَ رَجُلٌ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَخْرَجَهُ منه الْبُخَارِيُّ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ : غَدَوْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَوْمًا بَعْدَمَا صَلَّيْنَا الْغَدَاةَ ، فَسَلَّمْنَا بِالْبَابِ فَأَذِنَ لَنَا ، فَمَكَثْنَا بِالْبَابِ هُنَيْهَةً ، فَخَرَجَتِ الْجَارِيَةُ فَقَالَتْ : أَلَا تَدْخُلُونَ ؟ فَدَخَلْنَا ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ يُسَبِّحُ فَقَالَ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا وَقَدْ أُذِنَ لَكُمْ ؟ قُلْنَا : ظَنَنَّا أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبَيْتِ نَائِمٌ ، قَالَ : ظَنَنْتُمْ بِآلِ أُمِّ عَبْدٍ غَفْلَةَ . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ الْبَارِحَةَ كُلَّهُ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ ، فَقَالَ : بَلْ هَذَذْتَ كَهَذِّ الشِّعْرِ وَكَنَثْرِ الدَّقْلِ وَهَذَا الرَّجُلُ هُوَ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَوْلُهُ هَذًّا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ الْمُنَوَّنَةِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ سُرْعَةُ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِ تَأَمُّلٍ كَمَا يُنْشَدُ الشِّعْرُ ، وَأَصْلُ الْهَذِّ سُرْعَةُ الدَّفْعِ . وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : إِنَّمَا فُصِّلَ لِتُفَصِّلُوهُ . قَوْلُهُ : ( ثَمَانِي عَشْرَةَ ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ فَقَالَ فِيهِ : عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الثَّمَانِ عَشْرَةَ غَيْرُ سُورَةِ الدُّخَانِ وَالَّتِي مَعَهَا ، وَإِطْلَاقُ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْجَمِيعِ تَغْلِيبًا ، وَإِلَّا فَالدُّخَانُ لَيْسَتْ مِنَ الْمُفَصَّلِ عَلَى الْمُرَجَّحِ ، لَكِنْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَأْلِيفُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى خِلَافِ تَأْلِيفِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ فِي آخِرِ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانِ ، وَ عَمَّ ، فَعَلَى هَذَا لَا تَغْلِيبَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ آلِ حَامِيمٍ ) أَيِ السُّورَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا حم ، وَقِيلَ : يُرِيدُ حم نَفْسَهَا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : أَنَّهُ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ يَعْنِي دَاوُدَ نَفْسَهُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَوْلُهُ : آلُ دَاوُدَ يُرِيدُ بِهِ دَاوُدَ نَفْسَهُ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ دَلِيلَهُ يُخَالِفُ تَأْوِيلَهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يَتِمُّ مُرَادُهُ لَوْ كَانَ الَّذِي يَدْخُلُ أَشَدَّ الْعَذَابِ فِرْعَوْنُ وَحْدَهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَوْلَا أَنَّ هَذَا الْحَرْفَ وَرَدَ فِي الْكِتَابَةِ مُنْفَصِلًا يَعْنِي آلَ وَحْدَهَا وَ حم وَحْدَهَا لَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الَّتِي لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ ، وَالتَّقْدِيرُ : وَسُورَتَيْنِ مِنَ الْحَوَامِيمِ . قُلْتُ : لَكِنَّ الرِّوَايَةَ أَيْضًا لَيْسَتْ فِيهَا وَاوٌ ، نَعَمْ فِي رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ الْمَذْكُورَةِ آخِرُهُنَّ مِنَ الْحَوَامِيمِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْمَذْكُورَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : قَوْلُهُ مِنْ آلِ حَامِيمَ مِنْ كَلَامِ أَبِي وَائِلٍ ، وَإِلَّا فَإِنَّ أَوَّلَ الْمُفَصَّلِ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَوَّلِ الْجَاثِيَةِ اهـ . وَهَذَا إِنَّمَا يَرِدُ لَوْ كَانَ تَرْتِيبُ مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَتَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُغَايِرُ التَّرْتِيبَ فِي الْمُصْحَفِ الْعُثْمَانِيِّ ، فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهَا وَيَكُونُ أَوَّلُ الْمُفَصَّلِ عِنْدَهُ أَوَّلُ الْجَاثِيَةِ وَالدُّخَانُ مُتَأَخِّرَةٌ فِي تَرْتِيبِهِ عَنِ الْجَاثِيَةِ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : عِشْرِينَ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ أَيْ مُعْظَمُ الْعِشْرِينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّرْتِيلِ فِي الْقِرَاءَةِ · ص 706 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الترتيل في القراءة · ص 53 باب الترتيل في القراءة أي : هذا باب في بيان الترتيل في قراءة القرآن وهو تبيين حروفها والتأني في أدائها لتكون أدعى إلى فهم معانيها ، وقيل : الترتيل تبيين الحروف وإشباع الحركات . وقوله تعالى : ورتل القرآن ترتيلا وقوله تعالى بالجر عطف على الترتيل في القرآن ، ومعنى رتل القرآن اقرأه قراءة بينة ، قاله الحسن ، وعن مجاهد : بعضه على أثر بعض على تؤدة بينة بيانا ، وعن قتادة : تثبت فيه تثبيتا ، وقيل : فصله تفصيلا ولا تعجل في قراءته ، وهو من قول العرب ثغر رتل إذا كان مفلجا . وقوله : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وقوله هذا عطف على قوله الأول ، قوله : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ يعني نزلناه نجوما لا جملة واحدة بخلاف الكتب المتقدمة ، يدل عليه قوله : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ . وما يكره أن يهذ كهذ الشعر هذا عطف على قوله : باب الترتيل وقد ذكرنا أن التقدير باب في بيان الترتيل ، وكذلك التقدير هنا ، أي : في بيان ما يكره أن يهذ ، وكلمة ما مصدرية ، وكذلك كلمة أن والتقدير ، أي : وفي بيان كراهة الهذ كهذ الشعر ، والهذ بالذال المعجمة المشددة سرعة القطع والمرور فيه من غير تأمل للمعنى كما ينشد الشعر وتعد أبياته وقوافيه ، وقال النووي : هو الإفراط في العجلة في حفظه ورواياته لا في إنشاده وترنمه ؛ لأنه يزيد في الإنشاد والترنم في العادة . فيها يفرق يفصل أشار به إلى قوله تعالى : فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وفسر يفرق بقوله يفصل ، وكذا فسره أبو عبيدة . وقال ابن عباس : فرقناه فصلناه أي : قال ابن عباس في قوله تعالى : وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ أن معناه فصلناه ، وهذا التعليق رواه ابن المنذر ، عن علي بن المبارك ، حدثنا زيد ، حدثنا ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن عطاء عنه ، وأخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه . 64 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا مهدي بن ميمون ، حدثنا واصل ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : غدونا على عبد الله فقال رجل : قرأت المفصل البارحة ، فقال : هذا كهذ الشعر ، إنا قد سمعنا القراءة ، وإني لأحفظ القرناء التي كان يقرأ بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم . مطابقته لقوله في الترجمة : وما يكره أن يهذ كهذ الشعر . وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، وواصل بن حبان الأحدب الأسدي الكوفي ، وأبو وائل شقيق بن سلمة . والحديث مر في الصلاة في باب الجمع بين السورتين في الركعة ، فإنه أخرجه هناك عن آدم ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي وائل ، ومر الكلام فيه ، قوله : على عبد الله أي : ابن مسعود ، قوله : فقال رجل : هو نهيك بن سنان ، كما أخرجه مسلم من طريق منصور ، عن أبي وائل في هذا الحديث ، قوله : هذا نصب على المصدر ، أي : هذذت هذا ، قوله : إنا قد سمعنا القراءة قال الكرماني : القراءة بلفظ المصدر ، ويروى القراء جمع القارئ ، قوله : لأحفظ القرناء أي : النظائر في الطول والقصر ، قوله : ثماني عشرة إلى آخره وقد تقدم في باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه عشرون سورة وعد ثمة حم من المفصل ، وهاهنا قد أخرجه منه ، وأجيب بأن مراده ثمة أن معظم العشرين منه ، قوله : من آل حم أي : السور التي أولها حم كقولك فلان من آل فلان ، قاله النووي ، وقال غيره : المراد حم نفسها ، يعني لفظ آل مقحمة ، كقولك آل داود ، يريد داود نفسه ، وقال الكرماني : لولا أنه في الكتابة منفصل لحسن أن يقال إنه الألف واللام التي لتعريف الجنس يعني وسورتين من جنس الحواميم ، وقال الداودي : قوله : من آل حم من كلام أبي وائل ، وإلا كان أول المفصل عند ابن مسعود من أول الجاثية ، قيل : إنما يرد لو كان ترتيب مصحف ابن مسعود كترتيب المصحف العثماني ، والأمر بخلاف ذلك ، فإن ترتيب السور في مصحف ابن مسعود يغاير الترتيب في المصحف العثماني ؛ فلعل هذا منها ، ويكون أول المفصل عنده الجاثية ، والدخان متأخرة في ترتيبه عن الجاثية .