5075 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، ، عَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا : أَلَا نَسْتَخْصِي ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ 5076 - وَقَالَ أَصْبَغُ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ له مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ ذَرْ . قَوْلُهُ ( جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . وَإِسْمَاعِيلُ : هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ . ، وَقَيْسٌ : هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ . ، وَعَبْدُ اللَّهِ : هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ . قَوْلُهُ ( أَلَا نَسْتَخْصِي ) أَيْ أَلَا نَسْتَدْعِي مَنْ يَفْعَلُ لَنَا الْخِصَاءَ أَوْ نُعَالِجُ ذَلِكَ بأَنْفُسِنَا . وَقَوْلُهُ ( فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ) هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ بِلَا خِلَافٍ فِي بَنِي آدَمَ ، لِمَا تَقَدَّمَ . وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْمَفَاسِدِ تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَالتَّشْوِيهِ مَعَ إِدْخَالِ الضَّرَرِ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ . وَفِيهِ إِبْطَالُ مَعْنَى الرُّجُولِيَّةِ ، وَتَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ ، لِأَنَّ خَلْقَ الشَّخْصِ رَجُلًا مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ فَإِذَا أَزَالَ ذَلِكَ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتَارَ النَّقْصَ عَلَى الْكَمَالِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْخِصَاءُ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ مَمْنُوعٌ فِي الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَنْفَعَةٍ حَاصِلَةٍ فِي ذَلِكَ كَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ أَوْ قَطْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يَحْرُمُ خِصَاءُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صَغِيرِهِ دُونَ كَبِيرِهِ . وَمَا أَظُنُّهُ يَدْفَعُ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ عِنْدَ إِزَالَةِ الضَّرَرِ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا ) فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ) أَيْ إِلَى أَجَلٍ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ قَرَأَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَةَ . سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى قَوْلِهِ : الْمُعْتَدِينَ . وَظَاهِرُ اسْتِشْهَادِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِجَوَازِ الْمُتْعَةِ ، فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بَلَغَهُ النَّاسِخُ ، ثُمَّ بَلَغَهُ فَرَجَعَ بَعْدُ . قُلْتُ : يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ جَاءَ تَحْرِيمُهَا بَعْدُ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ نُسِخَ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ الْبَحْثِ فِي حُكْمِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا . الْحَدِيثُ الثَالِثُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَصْبَغُ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ، وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَدِيثًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَالْجَوْزَقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَصْبَغَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ غَلَطٌ ، هُوَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ لَيْسَ فِي آبَائِهِ مُحَمَّدٌ . قَوْلُهُ ( إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَإِنِّي أَخَافُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ . قَوْلُهُ ( الْعَنَتُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ هُوَ الزِّنَا هُـنَا ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْفُجُورِ وَالْأَمْرِ الشَّاقِّ وَالْمَكْرُوهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَصْلُ الْعَنَتِ الشِّدَّةُ . قَوْلُهُ ( وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ) كَذَا وَقَعَ ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَائْذَنْ لِي أَخْتَصِي وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ . قَوْلُهُ ( جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ) أَيْ نَفَذَ الْمَقْدُورُ بِمَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَبَقِيَ الْقَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ جَافًّا لَا مِدَادَ فِيهِ لِفَرَاغِ مَا كُتِبَ بِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : كِتَابَةُ اللَّهِ وَلَوْحُهُ وَقَلَمُهُ مِنْ غَيْبِ عِلْمِهِ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ وَنَكِلُ عِلْمَهُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ ( فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ وَحَكَاهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ وَوَقَعَتْ فِي الْمَصَابِيحِ فَاقْتَصَرْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَاهُ اقْتَصِرْ عَلَى الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ أَوِ اتْرُكْهُ وَافْعَلْ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْخِصَاءِ . اهـ . وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ فَمَعْنَاهُ فَافْعَلْ مَا ذَكَرْتُ أَوِ اتْرُكْهُ وَاتَّبِعْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ لِطَلَبِ الْفِعْلِ بَلْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَالْمَعْنَى : إِنْ فَعَلْتَ أَوْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْقَدَرِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِ الْخِصَاءِ . وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ ، فَالْخِصَاءُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ ، فَإِنَّ الَّذِي قُدِّرَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ . وَقَولُهُ عَلَى ذَلِكَ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أَيِ اخْتُصَّ حَالُ اسْتِعْلَائِكَ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَلَيْسَ إِذْنًا فِي الْخِصَاءِ ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاخْتِصَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ هِجْرَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُدَّةٍ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَكَا رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُزُوبَةَ . فَقَالَ : أَلَا أَخْتَصِي ؟ قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى أَوِ اخْتَصَى وَفِي الْحَدِيثِ ذَمُّ الِاخْتِصَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ الْقَدَرَ إِذَا نَفَذَ لَا تَنْفَعُ الْحِيَلُ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ شَكْوَى الشَّخْصِ مَا يَقَعُ لَهُ لِلْكَبِيرِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَهْجَنُ وَيُسْتَقْبَحُ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الصَّدَاقَ لَا يَتَعَرَّضُ لِلتَّزْوِيجِ . وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ الشَّكْوَى إِلَى ثَلَاثٍ ، وَالْجَوَابُ لِمَنْ لَا يَقْنَعُ بِالسُّكُوتِ ، وَجَوَازُ السُّكُوتِ عَنِ الْجَوَابِ لِمَنْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْهَمُ الْمُرَادَ مِنْ مُجَرَّدِ السُّكُوتِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يُقَدِّمَ طَالِبُ الْحَاجَةِ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ عُذْرَهُ فِي السُّؤَالِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَهْمَا أَمْكَنَ الْمُكَلَّفَ فِعْلُ شَيْءٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ لَا يَتَوَكَّلُ إِلَّا بَعْدَ عَمَلِهَا لِئَلَّا يُخَالِفَ الْحِكْمَةَ ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَطَّنَ نَفْسَهَ عَلَى الرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا لَا طَاقَةَ بِهِ لَهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْأَسْبَابَ إِذَا لَمْ تُصَادِفِ الْقَدَرَ لَا تُجْدِي . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يُؤْمَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالصِّيَامِ لِكَسْرِ شَهْوَتِهِ كَمَا أُمِرَ غَيْرُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا هُـرَيْرَةَ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ مُلَازَمَةَ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ . الْحَدِيثَ ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الْغَزْوِ كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانُوا فِي حَالِ الْغَزْوِ يُؤْثِرُونَ الْفِطْرَ عَلَى الصِّيَامِ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حَسْمِ مَادَّةِ الشَّهْوَةِ بِالِاخْتِصَاءِ كَمَا ظَهَرَ لِعُثْمَانَ فَمَنَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا لَمْ يُرْشِدْهُ إِلَى الْمُتْعَةِ الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَصْلًا لَا ثَوْبًا وَلَا غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَسْتَمْتِعُ ، وَالَّتِي يَسْتَمْتِعُ بِهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ · ص 21 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التبتل والخصاء · ص 73 13 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : قال عبد الله : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء فقلنا ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ مطابقته للترجمة ظاهرة ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد البجلي ، وقيس هو ابن أبي حازم ، وعبد الله هو ابن مسعود وقد مر هذا الحديث عن قريب إلى قوله : فنهانا عن ذلك فإنه أخرجه عن محمد بن المثنى ، عن يحيى ، عن إسماعيل إلى آخره . قوله : ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب هذا نكاح المتعة ، وهذا يدل على أن ابن مسعود يرى بجواز المتعة ، وقال القرطبي : لعله لم يكن حينئذ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع ويدل على ذلك ما ذكر الإسماعيلي أنه وقع في رواية أبي معاوية ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، ففعلنا ثم ترك ذلك ، قال : وفي رواية لابن عيينة عن إسماعيل ثم جاء تحريمها بعد ، وفي رواية معمر عن إسماعيل ثم نسخ قوله ثم قرأ علينا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا الآية ، وفي رواية مسلم ثم قرأ علينا عبد الله رضي الله تعالى عنه وروى الواحدي في أسباب النزول من رواية عثمان بن سعد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء وإني حرمت علي اللحم فنزلت : لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فعلى هذا لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح بإحلال ذلك لها بعض المشقة أو أمنه ولا فضل في ترك شيء مما أحله الله تعالى لعباده . والفضل والبر فيما هو فعل ما ندب الله عباده إليه وعمل به رسوله وسنه لأمته وتبعه على هذا المنهاج الأئمة الراشدون فإذا كان ذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لبس ذلك من حله وآثر أكل الفول والعدس على خبز البر والشعير وترك أكل اللحم والودك حذرا من عارض الحاجة إلى النساء والأولى بالأجسام إصلاحها لتعينه على طاعة ربه ولا شيء أضر بالجسم من المطاعم الرديئة لأنه مفسدة لعقله ومضغة لأدواته التي جعلها الله تعالى سببا إلى طاعته ، ومن ذلك التبتل والترهب لأنه داخل في معنى الآية المذكورة وقال المهلب : إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك من أجل أنه مكاثر ربهم الأمم يوم القيامة وأنه في الدنيا يقاتل بهم طوائف الكفار ، وفي آخر الزمان يقاتلون الدجال فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكثر النسل ولا التفات إلى ما روي : خيركم بعد المائتين الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد فإنه ضعيف بل موضوع ، وكذلك قول حذيفة إذا كان سنة خمسين ومائة فلأن يربي أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولدا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التبتل والخصاء · ص 73 وقال أصبغ : أخبرني ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء فسكت عني ثم قلت : مثل ذلك فسكت عني ، ثم قلت : مثل ذلك فسكت عني ، ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أبا هريرة جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو ذر . أي قال أصبغ بن الفرج وراق عبد الله بن وهب كذا وقع في عامة الأصول قال أصبغ : وكذا ذكره أبو مسعود وخلف وخالف ذلك الحافظان أبو نعيم والطرقي فقالا : رواه البخاري عن أصبغ ولئن سلمنا صحة ما وقع في الأصول وأنه رواه عنه معلقا فقد رواه الإسماعيلي ، حدثنا ابن الهاد ، حدثنا أصبغ ، أخبرني ابن وهب وقد وقع في كتاب الطرقي رواه البخاري ابن محمد وهو غير صحيح ؛ لأنه ليس للبخاري شيخ اسمه أصبغ بن محمد ولا في الكتب الستة والحديث من أفراده . قوله : إني رجل شاب وأنا أخاف وفي رواية الكشميهني : وإني أخاف وكذا في رواية حرملة ، قوله : العنت بفتح النون وبالتاء المثناة من فوق وهو الحمل على المكروه وقد عنت يعنت من باب علم يعلم والعنت الإثم ، وقد عنت اكتسب إثما ، والعنت الفجور والزنا وكل شاق ذكره في المنتهى ، وفي التهذيب الإعنات تكليف غير الطاقة . وقال ابن الأنباري : أصل العنت التشديد ، والمراد به هاهنا الزنا ، قوله : جف القلم بما أنت لاق أي نفذ المقدر بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به . قوله : فاختص صورته صورة أمر من الاختصاء ولكن هذا من قبيل قوله تعالى : فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد وحاصل المعنى إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدر ، ووقع في بعض الأصول اقتصر موضع اختص وكذا وقع في المصابيح فإن صحت فلا حاجة إلى تأويل الأول . قوله : على ذلك كلمة على متعلقة بمقدر محذوف أي اختص حال استعلائك على العلم بأن الكل بتقدير الله عز وجل ، وقال القاضي البيضاوي : المعنى أن الاقتصار على التقدير والتسليم له وتركه الإعراض عنه سواء فإن ما قدر لك من خير أو شر فهو لا محالة يأتيك وما لم يكتب فلا طريق لك إلى حصوله ، وقال الطيبي : أي اقتصر على ما ذكرت لك وارض بقضاء الله تعالى أو ذر ما ذكرته وامض لشأنك واختص فيكون تهديدا ، وقال الكرماني : وقال بعضهم : معناه قد سبق في قضاء الله تعالى جميع ما يصدر عنك ويلاقيك فاقتصر على ذلك فإن الأمور مقدرة أو دعه فلا تخض فيه . قوله : أو ذر أي أو اترك وهو أمر من يذر ، وقالت الصرفيون : أماتوا ماضي يذر ويدع قلت : قد جاء ماضي يدع في قوله تعالى : مَا وَدَّعَكَ قرئ بالتخفيف فإن قيل : لم يؤمر أبو هريرة بالصيام لكسر شهوته كم أمر به غيره وأجيب بأن لغالب من حال أبي هريرة كان الصوم لأنه من أهل الصفة وكانوا مستمرين على الصوم ، وقيل : وقع ذلك في الغزو كما وقع لابن مسعود وكانوا في الغزو يؤثرون الفطر على الصيام للتقوي على القتال فأداه اجتهاده في حسم مادة الشهوة بالاختصاء كما ظهر لعثمان بن مظعون فمنعه صلى الله عليه وسلم .