بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، ، عَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ ، فَقُلْنَا : أَلَا نَسْتَخْصِي ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾5076 - وَقَالَ أَصْبَغُ : أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ له مِثْلَ ذَلِكَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ ذَرْ . قَوْلُهُ ( جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ . وَإِسْمَاعِيلُ : هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ .
، وَقَيْسٌ : هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ . ، وَعَبْدُ اللَّهِ : هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ بِبَابٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ بِلَفْظِ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ .
قَوْلُهُ ( أَلَا نَسْتَخْصِي ) أَيْ أَلَا نَسْتَدْعِي مَنْ يَفْعَلُ لَنَا الْخِصَاءَ أَوْ نُعَالِجُ ذَلِكَ بأَنْفُسِنَا . وَقَوْلُهُ ( فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ) هُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ بِلَا خِلَافٍ فِي بَنِي آدَمَ ، لِمَا تَقَدَّمَ . وَفِيهِ أَيْضًا مِنَ الْمَفَاسِدِ تَعْذِيبِ النَّفْسِ وَالتَّشْوِيهِ مَعَ إِدْخَالِ الضَّرَرِ الَّذِي قَدْ يُفْضِي إِلَى الْهَلَاكِ .
وَفِيهِ إِبْطَالُ مَعْنَى الرُّجُولِيَّةِ ، وَتَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ ، لِأَنَّ خَلْقَ الشَّخْصِ رَجُلًا مِنَ النِّعَمِ الْعَظِيمَةِ فَإِذَا أَزَالَ ذَلِكَ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتَارَ النَّقْصَ عَلَى الْكَمَالِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْخِصَاءُ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ مَمْنُوعٌ فِي الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَنْفَعَةٍ حَاصِلَةٍ فِي ذَلِكَ كَتَطْيِيبِ اللَّحْمِ أَوْ قَطْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يَحْرُمُ خِصَاءُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا الْمَأْكُولُ فَيَجُوزُ فِي صَغِيرِهِ دُونَ كَبِيرِهِ .
وَمَا أَظُنُّهُ يَدْفَعُ مَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ إِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ عِنْدَ إِزَالَةِ الضَّرَرِ . قَوْلُهُ ( ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا ) فِي الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا بَعْدَ ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ) أَيْ إِلَى أَجَلٍ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ .
قَوْلُهُ ( ثُمَّ قَرَأَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ . قَوْلُهُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَةَ . سَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى قَوْلِهِ : الْمُعْتَدِينَ .
وَظَاهِرُ اسْتِشْهَادِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى بِجَوَازِ الْمُتْعَةِ ، فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ بَلَغَهُ النَّاسِخُ ، ثُمَّ بَلَغَهُ فَرَجَعَ بَعْدُ . قُلْتُ : يُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ فَفَعَلَهُ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ قَالَ : وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ جَاءَ تَحْرِيمُهَا بَعْدُ وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ نُسِخَ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ الْبَحْثِ فِي حُكْمِ الْمُتْعَةِ بَعْدَ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ بَابًا . الْحَدِيثُ الثَالِثُ .
قَوْلُهُ ( وَقَالَ أَصْبَغُ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا ، وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ حَدِيثًا ، وَقَدْ وَصَلَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ وَالْجَوْزَقِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَصْبَغَ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَذَكَرَ مُغَلْطَايْ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَصْبَغَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُوَ غَلَطٌ ، هُوَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ لَيْسَ فِي آبَائِهِ مُحَمَّدٌ . قَوْلُهُ ( إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَإِنِّي أَخَافُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ . قَوْلُهُ ( الْعَنَتُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ هُوَ الزِّنَا هُـنَا ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْفُجُورِ وَالْأَمْرِ الشَّاقِّ وَالْمَكْرُوهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَصْلُ الْعَنَتِ الشِّدَّةُ .
قَوْلُهُ ( وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَسَكَتَ عَنِّي ) كَذَا وَقَعَ ، وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَائْذَنْ لِي أَخْتَصِي وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ عَنْ مُطَابَقَةِ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ . قَوْلُهُ ( جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ ) أَيْ نَفَذَ الْمَقْدُورُ بِمَا كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَبَقِيَ الْقَلَمُ الَّذِي كُتِبَ بِهِ جَافًّا لَا مِدَادَ فِيهِ لِفَرَاغِ مَا كُتِبَ بِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : كِتَابَةُ اللَّهِ وَلَوْحُهُ وَقَلَمُهُ مِنْ غَيْبِ عِلْمِهِ الَّذِي نُؤْمِنُ بِهِ وَنَكِلُ عِلْمَهُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ ( فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ وَحَكَاهَا الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ وَوَقَعَتْ فِي الْمَصَابِيحِ فَاقْتَصَرْ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ قَالَ الطِّيبِيُّ : مَعْنَاهُ اقْتَصِرْ عَلَى الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ أَوِ اتْرُكْهُ وَافْعَلْ مَا ذَكَرْتُ مِنَ الْخِصَاءِ .
اهـ . وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي وَقَعَ فِي الْأَصْلِ فَمَعْنَاهُ فَافْعَلْ مَا ذَكَرْتُ أَوِ اتْرُكْهُ وَاتَّبِعْ مَا أَمَرْتُكَ بِهِ ، وَعَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ لِطَلَبِ الْفِعْلِ بَلْ هُوَ لِلتَّهْدِيدِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَالْمَعْنَى : إِنْ فَعَلْتَ أَوْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْقَدَرِ ، وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِحُكْمِ الْخِصَاءِ . وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ ، فَالْخِصَاءُ وَتَرْكُهُ سَوَاءٌ ، فَإِنَّ الَّذِي قُدِّرَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ .
وَقَولُهُ عَلَى ذَلِكَ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ أَيِ اخْتُصَّ حَالُ اسْتِعْلَائِكَ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ ، وَلَيْسَ إِذْنًا فِي الْخِصَاءِ ، بَلْ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ ، كَأَنَّهُ قَالَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي الِاخْتِصَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ لَمَّا اسْتَأْذَنَهُ فِي ذَلِكَ . وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ هِجْرَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُدَّةٍ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَكَا رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعُزُوبَةَ .
فَقَالَ : أَلَا أَخْتَصِي ؟ قَالَ : لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى أَوِ اخْتَصَى وَفِي الْحَدِيثِ ذَمُّ الِاخْتِصَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ الْقَدَرَ إِذَا نَفَذَ لَا تَنْفَعُ الْحِيَلُ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ شَكْوَى الشَّخْصِ مَا يَقَعُ لَهُ لِلْكَبِيرِ وَلَوْ كَانَ مِمَّا يُسْتَهْجَنُ وَيُسْتَقْبَحُ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الصَّدَاقَ لَا يَتَعَرَّضُ لِلتَّزْوِيجِ .
وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ الشَّكْوَى إِلَى ثَلَاثٍ ، وَالْجَوَابُ لِمَنْ لَا يَقْنَعُ بِالسُّكُوتِ ، وَجَوَازُ السُّكُوتِ عَنِ الْجَوَابِ لِمَنْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ يَفْهَمُ الْمُرَادَ مِنْ مُجَرَّدِ السُّكُوتِ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يُقَدِّمَ طَالِبُ الْحَاجَةِ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ عُذْرَهُ فِي السُّؤَالِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ : وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَهْمَا أَمْكَنَ الْمُكَلَّفَ فِعْلُ شَيْءٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ لَا يَتَوَكَّلُ إِلَّا بَعْدَ عَمَلِهَا لِئَلَّا يُخَالِفَ الْحِكْمَةَ ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَطَّنَ نَفْسَهَ عَلَى الرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ وَلَا يَتَكَلَّفُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا لَا طَاقَةَ بِهِ لَهُ .
وَفِيهِ أَنَّ الْأَسْبَابَ إِذَا لَمْ تُصَادِفِ الْقَدَرَ لَا تُجْدِي . فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يُؤْمَرْ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالصِّيَامِ لِكَسْرِ شَهْوَتِهِ كَمَا أُمِرَ غَيْرُهُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا هُـرَيْرَةَ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ مُلَازَمَةَ الصِّيَامِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعَ : يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ .
الْحَدِيثَ ، لَكِنَّهُ إِنَّمَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فِي حَالِ الْغَزْوِ كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانُوا فِي حَالِ الْغَزْوِ يُؤْثِرُونَ الْفِطْرَ عَلَى الصِّيَامِ لِلتَّقَوِّي عَلَى الْقِتَالِ ، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى حَسْمِ مَادَّةِ الشَّهْوَةِ بِالِاخْتِصَاءِ كَمَا ظَهَرَ لِعُثْمَانَ فَمَنَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ . وَإِنَّمَا لَمْ يُرْشِدْهُ إِلَى الْمُتْعَةِ الَّتِي رَخَّصَ فِيهَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ شَيْئًا ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَصْلًا لَا ثَوْبًا وَلَا غَيْرَهُ فَكَيْفَ يَسْتَمْتِعُ ، وَالَّتِي يَسْتَمْتِعُ بِهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ .