بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ
بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ 5073 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا . 5074 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ : لَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، وَلَوْ أَجَازَ لَهُ التَّبَتُّلَ لَاخْتَصَيْنَا . قَوْلُهُ ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ ) الْمُرَادُ بِالتَّبَتُّلِ هُنَا الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّكَاحِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنَ الْمَلَاذِّ إِلَى الْعِبَادَةِ .
وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا فَقَدْ فَسَّرَهُ مُجَاهِدٌ فَقَالَ : أَخْلِصْ لَهُ إِخْلَاصًا ، وَهُوَ تَفْسِيرُ مَعْنًى ، وَإِلَّا فَأَصْلُ التَّبَتُّلِ الِانْقِطَاعُ ، وَالْمَعْنَى : انْقَطِعْ إِلَيْهِ انْقِطَاعًا . لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَةُ الِانْقِطَاعِ إِلَى اللَّهِ إِنَّمَا تَقَعُ بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ فَسَّرَهَا بِذَلِكَ ، وَمِنْهُ صَدَقَةٌ بَتْلَةٌ أَيْ مُنْقَطِعَةٌ عَنِ الْمِلْكِ ، وَمَرْيَمُ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهَا عَنِ التَّزْوِيجِ إِلَى الْعِبَادَةِ وَقِيلَ لِفَاطِمَةَ الْبَتُولُ ؛ إِمَّا لِانْقِطَاعِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ غَيْرَ عَلِيٍّ ، أَوْ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ نُظَرَائِهَا فِي الْحُسْنِ وَالشَّرَفِ . قَوْلُهُ ( وَالْخِصَاءِ ) هُوَ الشَّقُّ عَلَى الْأُنْثَيَيْنِ وَانْتِزَاعُهُمَا ، وَإِنَّمَا قَالَ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ وَالْخِصَاءِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ مِنَ التَّبَتُّلِ هُوَ الَّذِي يُفْضِي إِلَى التَّنَطُّعِ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَلَيْسَ التَّبَتُّلُ مِنْ أَصْلِهِ مَكْرُوهًا ، وَعَطَفَ الْخِصَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَجُوزُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا : حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : أَرَادَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أَنْ يَتَبَتَّلَ ، فَنَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ رَدَّ عَلَى عُثْمَانَ أَيْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بَلْ نَهَاهُ .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ يَشُقُّ عَلَيَّ الْعُزُوبَةُ ، فَأْذَنْ لِي فِي الْخِصَاءِ . قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ الْحَدِيثَ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِي الِاخْتِصَاءِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ .
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي طَلَبَهُ عُثْمَانُ هُوَ الِاخْتِصَاءُ حَقِيقَةً فَعَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْهُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا وَيَحْتَمِلُ عَكْسَهَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ سَعْدٍ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا لَفَعَلْنَا فِعْلَ مَنْ يَخْتَصِي وَهُوَ الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّسَاءِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : التَّبَتُّلُ الَّذِي أَرَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ تَحْرِيمُ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ وَكُلِّ مَا يُلْتَذُّ بِهِ ، فَلِهَذَا أَنْزَلَ فِي حَقِّهِ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ تَسْمِيَةُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَمَنْ وَافَقَهُ ، وَكَانَ عُثْمَانُ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ مَعَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي كِتَابِ الْمَبْعَثِ ، وَتَقَدَّمَتْ قِصَّةُ وَفَاتِهِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ ، وَكَانَتْ فِي ذِي الْحَجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مِنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَولُهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا كَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ : وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَتَبَتَّلْنَا ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ إِلَى قَولِهِ لَاخْتَصَيْنَا لِإِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ ، أَيْ لَبَالَغْنَا فِي التَّبَتُّلِ حَتَّى يُفْضِيَ بِنَا الْأَمْرُ إِلَى الِاخْتِصَاءِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الِاخْتِصَاءِ ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنِ الِاخْتِصَاءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ تَوَارُدُ اسْتِئْذَانِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ كَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَإِنَّمَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِالْخِصَاءِ أَبْلَغَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّبَتُّلِ لِأَنَّ وُجُودَ الْآلَةِ يَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ وُجُودِ الشَّهْوَةِ ، وَوُجُودُ الشَّهْوَةِ يُنَافِي الْمُرَادَ مِنَ التَّبَتُّلِ ، فَيَتَعَيَّنُ الْخِصَاءُ طَرِيقًا إِلَى تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّ فِيهِ أَلَمًا عَظِيمًا فِي الْعَاجِلِ يُغْتَفَرُ فِي جَنْبِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ في الْآجِلُ ، فَهُوَ كَقَطْعِ الْإِصْبَعِ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْيَدِ الْأَكِلَةُ صِيَانَةً لِبَقِيَّةِ الْيَدِ ، وَلَيْسَ الْهَلَاكُ بِالْخِصَاءِ مُحَقَّقًا بَلْ هُوَ نَادِرٌ ، وَيَشْهَدُ لَهُ كَثْرَةُ وُجُودِهِ فِي الْبَهَائِمِ مَعَ بَقَائِهَا ، وَعَلَى هَذَا فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ عَبَّرَ بِالْخِصَاءِ عَنِ الْجَبِّ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ .
وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الِاخْتِصَاءِ إِرَادَةُ تَكْثِيرِ النَّسْلِ لِيَسْتَمِرَّ جِهَادُ الْكُفَّارِ ، وَإِلَّا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لَأَوْشَكَ تَوَارُدُهُمْ عَلَيْهِ فَيَنْقَطِعُ النَّسْلُ فَيَقِلُّ الْمُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُرُ الْكُفَّارُ ، فَهُوَ خِلَافُ الْمَقْصُودِ مِنَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ . الحديث الثاني .